الأناركية.. البحث عن العدالة في تغييب السلطة

إيطاليا تلغراف متابعة

الأناركية -أو اللاسلطوية- مجموعة من التوجّهات الفكرية التي تشكك في مشروعية السلطة، وترى أنها ضارّة وغير ضرورية، وتدعو إلى بناء مجتمع يقوم على التعاون الطوعي والارتباط الحرّ بين الأفراد والجماعات.

اشتُق مصطلح الأناركية من نفي الكلمة اليونانية “آركي” (Arché) التي تشير إلى المبدأ الأول أو الأساس أو السلطة الحاكمة؛ فعُبّر بنفيها (Anarkhia) باليونانية للإحالة إلى معنى غياب الحاكم أو انعدام الحكم.

وقد تبلورت الأناركية في السياق الفكري والسياسي الغربي، ثم امتد حضورها إلى مجتمعات أخرى، خصوصا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وأسهم لجوء بعض الأناركيين إلى المواجهة المباشرة مع الدولة، وارتباط عدد من الاغتيالات السياسية آنذاك بأفراد تبنّوا هذا الفكر، في ترسيخ صورة نمطية عن الأناركيين بوصفهم مخربين ودعاة عنف يستهدفون هدم النظم القائمة.

مبادئ الأناركية

تقوم الأناركية على أسس أخلاقية تتمحور حول الحرية الفردية والتحرر من الهيمنة، وتنطلق من تصوّر لازدهار الإنسان قوامه المساواة والتضامن الاجتماعي، بعيدا عن الإكراه، وفقا لموسوعة ستانفورد للفلسفة.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يرفض الأناركيون القوانين المفروضة من سلطة خارجية، ولا يرون في الاستغناء عن الدساتير والحكومات مدخلا إلى الفوضى والظلم، بل سبيلا إلى تحقيق العدالة من خلال التطور الحر للحياة الاجتماعية.

ويستند هذا التصور إلى الاعتقاد بأن البشر يميلون بطبيعتهم إلى تنظيم حياتهم على أساس المعونة المتبادلة، متى تحرروا من القيود التي تفرضها السلطات والقوانين.

ويتركز نقد الأناركيين على سلطة الدولة التي يعدّونها قسرية واحتكارية وتفتقر إلى المشروعية. وقد عبّر الفيلسوف الروسي ميخائيل باكونين (1814-1876) -أحد أبرز منظّري الأناركية- عن هذا الموقف بقوله: “إذا وُجدت دولة، فلا بد أن تهيمن طبقة على أخرى، ويترتب على ذلك الاستعباد؛ إذ لا يمكن تصوّر دولة من دون استعباد، ولهذا نحن أعداء الدولة”.

ومع ذلك، لا يشكّل الفكر الأناركي تيارا متجانسا، إذ تباينت حجج منظّريه بتباين السياقات الفكرية والسياسية التي انطلقوا منها، والتصوّرات السائدة للدولة في عصورهم. فباكونين -على سبيل المثال- صاغ نقده للدولة في إطار سجاله مع التصوّرات الهيغلية والماركسية لها، من موقعه داخل الحركة الاشتراكية العالمية.

تطوّر الحركة عبر التاريخ

  • تجربة مبكرة

تبلورت إحدى المحاولات المبكرة لتجسيد الأفكار اللاسلطوية عمليا في إنجلترا خلال القرن السابع عشر، عقب الحروب الأهلية الإنجليزية (1642-1651)، حين طرح الفيلسوف البريطاني جيرارد وينستانلي -وهو مسيحي منشق أسّس حركة “الحفّارين”- رؤى اجتماعية تحدّت الملكية والسلطة القائمة، وأصبحت لاحقا من المرتكزات الفكرية للأناركية.

فقد رأى أن السلطة مُفسَدة، وأن الملكية تتنافى مع الحرية، وأن اجتماعهما يفضي إلى الجريمة. ووفقا لتصوره هذا، لا تتحقق الحرية والسعادة إلا في مجتمع يخلو من الحكام، يتشارك أفراده العمل ونتاجه، ويحتكمون إلى ضمائرهم بدلا من الخضوع لقوانين تُفرض عليهم من أعلى.

وفي العام نفسه، انتقل مع مجموعة من أتباعه إلى تلة في جنوب إنجلترا، حيث أقاموا مجتمعا زراعيا يقوم على الشيوعية الحرة وتقاسم الموارد، قبل أن يضع ملاك الأراضي المحليون حدا لهذه التجربة.

  • أول من وصف نفسه بالأناركي

يوصف المفكر السياسي الفرنسي بيير جوزيف برودون بأنه أول من وصف نفسه بالأناركي، وقد عبّر عن رفضه للسلطة بقوله: “كل من يمدّ يده ليحكمني مغتصب (للسلطة) وطاغية، وأُعلنه عدوّي”، وسعى إلى تقديم الأناركية باعتبارها أساسا لتنظيم المجتمع على نحو أكثر عدلا وعقلانية.

وفي كتابه “ما الملكية؟” الصادر عام 1840، ذهب برودون إلى أن القواعد التي تضبط العلاقات الاجتماعية تستمد أساسها من طبيعة المجتمع، لا من سلطة تفرضها عليه.

وامتدت أفكاره إلى المجال الاقتصادي، حيث اقترح نموذجا عُرف باسم “التبادلية” (Mutualism)، يقوم على تقليص دور الربح بوصفه حافزا اقتصاديا مهيمنا. كما دعا إلى إتاحة الائتمان من خلال مصارف حرة، وإلى تنظيم العمال في نقابات تتولى الدفاع عن مصالحهم.

  • اللاسلطوية الجماعية

انتقل الفكر اللاسلطوي إلى اتجاهات جديدة مع المفكر الروسي ميخائيل باكونين الذي أطلق تصورا عُرف باسم “اللاسلطوية الجماعية”، يتولى العمال فيها تنظيم الإنتاج بأنفسهم من خلال جمعيات مستقلة، على أساس المساواة في المشاركة، مع إدارة الموارد وتوزيع العائدات بعيدا عن سلطة مركزية مفروضة عليهم.

ومهّدت أفكار باكونين لظهور “النقابية اللاسلطوية”، وهي تيار فكري وتنظيمي ارتبط بتأسيس نقابات عمالية تسترشد بالمبادئ الأناركية، وبنضالها من أجل توسيع الحريات في مختلف أنحاء العالم الغربي.

  • فترة الازدهار

شكّلت كومونة باريس -حكومة اشتراكية راديكالية معادية للكنيسة- مصدر إلهام للأناركيين، إذ مثّلت تجربة حكم اشتراكي راديكالي استمرت فترة وجيزة (مارس/آذار-مايو/أيار 1871)، قبل أن تنتهي بقمع دموي.

وفي تلك المرحلة، شهدت الأناركية ازدهارا ملحوظا في أوروبا، مع اتساع انتشار الكتيبات والصحف بين شرائح متنامية من الطبقة العاملة، فيما استقطبت الإضرابات العمالية الاهتمام السياسي حول العالم.

مثّلت كومونة باريس محطة مهمة في تاريخ الحركات الاشتراكية الراديكالية، وأثّرت في تصورات الأناركيين بشأن قدرة الجماعات المحلية على إدارة شؤونها خارج مؤسسات الدولة القائمة. وانتهت التجربة بتدخل عسكري وقمع واسع، لكنها بقيت مرجعا في النقاشات المتعلقة بالحكم الذاتي والتنظيم الاجتماعي.

وفي العقود التالية، اتسع تداول الأفكار الأناركية عبر الكتيبات السياسية التي وصلت إلى أوساط الطبقة العاملة. وتزامن ذلك مع تصاعد الإضرابات والنضالات العمالية في عدد من البلدان، مثل تنظيم الأناركيين الإسبان إضرابات للمطالبة بتحديد يوم العمل بثماني ساعات عام 1873، مما أتاح لهذه الأفكار حضورا يتجاوز دوائر المفكرين والمنظّرين إلى النشاط الاجتماعي والسياسي.

  • “الدعاية عبر الفعل”

في أواخر القرن التاسع عشر، تبنّى بعض الأناركيين أسلوبا عُرف باسم “الدعاية عبر الفعل”، انطلاقا من اعتقاد بأن العمل الثوري المباشر يمكن أن يجذب الانتباه إلى الأفكار السياسية ويشجع الآخرين على تبنيها. وظهرت بعض تطبيقاته الأولى في محاولات انتفاض ريفية بإيطاليا، استهدفت دفع السكان إلى تحدي الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة.

لكن هذا المفهوم ارتبط لاحقا أيضا بعمليات عنف نفذها أفراد استهدفوا شخصيات سياسية وملكية. ففي الفترة بين عامي 1890 و1901، قُتل عدد من الشخصيات البارزة في اغتيالات نُسبت إلى منفذين ذوي صلات بالأناركية، بينهم ملك إيطاليا أومبرتو الأول، والإمبراطورة إليزابيث زوجة إمبراطور النمسا، والرئيس الفرنسي سادي كارنو، والرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي، ورئيس الوزراء الإسباني أنطونيو كانوباس ديل كاستيو.

وأسهمت هذه الحوادث في تكريس صورة للأناركيين باعتبارهم دعاة تخريب وعنف متهور، حتى غدت هذه الصورة من أبرز التصورات الشائعة عن الحركة.

  • تراجع الحضور

ورغم انحسار الأناركية بوصفها تصورا لنظام سياسي بديل قابل للتطبيق في العقود اللاحقة، فإن أفكارها لم تختفِ من المشهد العام، بل واصلت حضورها في عدد من الحركات الاحتجاجية والتيارات المناهضة للسلطة القائمة.

ففي عام 1948، استضافت باريس مؤتمرا دوليا للأناركيين سعى إلى إعادة إحياء الحركة بعد ما تعرّضت له من قمع في ظل الأنظمة الفاشية. وفي ألمانيا، صدرت عام 1972 مجلة “الثورة القاعدية” (Grassroots Revolution) التي برزت بوصفها أحد المنابر الأناركية الداعية إلى السلمية ونزع السلاح النووي.

وتجدد ظهور الأناركيين في الاحتجاجات “المناهضة للعولمة”. ففي عام 2001، شاركوا في المظاهرات التي شهدتها مدينة جنوة الإيطالية رفضا لقمة مجموعة الثماني، وشهدت المواجهات مع الشرطة مقتل أحد المحتجين.

كذلك، تقاطعت بعض التيارات الأناركية مع حركات مناهضة للفاشية، من بينها “أنتيفا” (Antifa). فيما أسهمت التغطية الإعلامية لممارسات احتجاجية راديكالية، مثل تحطيم واجهات المتاجر والاعتصام بتقييد المحتجين أنفسهم بالأشجار لمنع قطعها، في استمرار ارتباط صورة الأناركية بأشكال الاحتجاج المتشددة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا

شاهد أيضا