لم تقتصر العقوبات المالية الجديدة التي أقرتها السلطات اليمنية على قيادات في جماعة الحوثيين، بل شملت مسؤولين في قطاعات المال والنفط والاتصالات وشركة تجارية وخمس ناقلات نفط، في خطوة تستهدف شبكات تقول الحكومة اليمنية إنها تمول الجماعة داخل اليمن وخارجه.
وأمهل البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن البنوك وشركات الصرافة يوميْ عمل لإثبات تنفيذ إجراءات التجميد، لكن اتساع القائمة يثير تساؤلات بشأن قدرة الحكومة اليمنية على الوصول إلى الأموال المستهدفة، في ظل الانقسام المصرفي وتعدد قنوات التحويل والتجارة.
وفيما كشف مستشار مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية للشؤون الاقتصادية -للجزيرة نت- قوائم عقوبات إضافية مرتقبة، يرى خبراء أن نجاح الإجراءات لن يقاس بعدد المدرَجين فيها، بل بقدرتها على تعطيل قنوات التمويل دون الإضرار بالتجارة والمعاملات المصرفية للمواطنين.
قائمة العقوبات
تضم قائمة العقوبات المرفقة بقرار النائب العام رقم 17 لسنة 2026، والصادر في 19 أكتوبر/تشرين الأول، 129 شخصا، إلى جانب شركة تجارية وخمس ناقلات نفط.
وتشمل قيادات سياسية وعسكرية وأمنية مرتبطة بالحوثيين، ومسؤولين في مؤسسات مالية ومصرفية، وفي قطاعات النفط والاتصالات والنقل والجمارك والضرائب.
ورغم شمول القائمة مسؤولين في مؤسسات مصرفية وتجارية، فإن إدراج أسمائهم لا يعني بالضرورة تجميد جميع حسابات المؤسسات التي يعملون فيها، إذ تتعلق الإجراءات بالأموال والأصول العائدة إلى الأشخاص والكيانات المشمولة بالقرار.
وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وجّه البنك المركزي البنوك وشركات الصرافة بتجميد حسابات وأصول المشمولين بالقرار، وحظر التعاملات المالية والتجارية المباشرة وغير المباشرة معهم، ومنع فتح حسابات جديدة لهم.
كما ألزم المؤسسات برصد الحوالات المرتبطة بهم، ورفع بياناتها إلى الجهات المختصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وموافاته بما يثبت التنفيذ خلال يومي عمل.
شبكات التمويل
يقول مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية فارس النجار -للجزيرة نت- إن أهمية القرار لا تكمن في عدد الأسماء، بل في طبيعة الأنشطة التي يستهدفها، وفي مقدمتها تجارة المشتقات النفطية والتحويلات المالية والشحن البحري وشبكات الوسطاء التجاريين.
وتُبرز وثيقة النيابة العامة اليمنية امتداد هذا الاستهداف إلى الخارج، إذ أدرجت شركة “سيل الزورق” إلى جانب خمس ناقلات نفط حددتها بأسمائها وأرقام تعريفها البحرية ضمن العقوبات.
ولإيضاح أهمية استهداف تجارة النفط، يستشهد النجار بتقديرات وزارة الخزانة الأمريكية التي تشير إلى أن مبيعات النفط غير المشروعة توفر للحوثيين أكثر من ملياريْ دولار سنويا، وهو ما ورد في بيان أصدرته الوزارة في يناير/كانون الثاني 2026.
ويؤكد أن الهدف يتجاوز تجميد الأرصدة القائمة إلى عرقلة إتمام الصفقات وفتح الحسابات وتسوية المدفوعات والحصول على خدمات الشحن والتأمين والتمويل عبر القنوات النظامية، لكنه يقر بأن القرار وحده لن يوقف جميع موارد الجماعة.
ويوضح النجار أن منظومة تمويل الحوثيين تقوم على مسارين:
- خارجي يرتبط بالنفط والشركات والوسطاء والشحن.
- وداخلي يعتمد على الضرائب والجمارك والجبايات وإيرادات الاتصالات والوقود.
ويضيف النجار أن سيطرة الجماعة على مؤسسات وشركات خاصة خلال سنوات الحرب ساعدتها على تنويع مصادر دخلها.
وفي إطار استمرار هذه الإجراءات، يكشف النجار أن الحكومة اليمنية تعتزم إصدار قوائم عقوبات إضافية خلال الفترة المقبلة، تستهدف الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بالجماعة.
صعوبات أمام التنفيذ
ورغم تحديد مهلة للتنفيذ، فإن الوثائق المعلنة لا تتضمن تقديرات لقيمة الأصول المستهدفة أو حجم الأموال الموجودة خارج نطاق رقابة البنك المركزي في عدن، مما يجعل قياس الأثر الفعلي للقرار ومدى تنفيذه أكثر صعوبة.
ويقر النجار بأن الانقسام المصرفي يحد من قدرة الحكومة على الوصول إلى الأموال في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصا الأصول الموجودة خارج المصارف، لكنه يؤكد قدرة البنك المركزي على إلزام المؤسسات الخاضعة لإشرافه بتجميد الحسابات وتقييد وصول الشبكات المستهدفة إلى القنوات المصرفية الرسمية، مع السعي إلى التعاون مع جهات مالية خارجية.
من جهته يوضح الباحث والخبير الاقتصادي اليمني وحيد الفودعي -للجزيرة نت- أن المؤسسات المالية في مناطق سيطرة الحوثيين تخضع لسلطات رقابية مختلفة، في ظل الانقسام النقدي والمصرفي المستمر منذ عام 2016، فيما يتطلب تجميد الأصول خارج اليمن تعاونا قضائيا وماليا وفق قوانين الدول المعنية، ولا يتحقق تلقائيا بمجرد صدور قرار محلي.
ويشير الفودعي إلى أن الشبكات المالية لا تعتمد على أرصدتها وحدها، بل تحتاج إلى قنوات للتحويل وتسوية المدفوعات وتمويل الواردات والوصول إلى الأسواق الخارجية، ولذلك فإن تعطيل هذه القنوات ورفع كلفة استخدامها قد يحدّان من نشاط الجهات المستهدفة، حتى وإن تعذر الوصول إلى جميع أموالها.
واجهات بديلة
من جانبه، يرى رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر أن أثر القرار يعتمد على دقة المعلومات وقدرة الجهات المختصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على تتبع الأنشطة التجارية والتحويلات المرتبطة بالأسماء المدرجة.
ويقول نصر -للجزيرة نت- إن قيادات حوثية لجأت، بحسب تقديره، إلى واجهات تجارية جديدة وغير معروفة بارتباطها بالجماعة، خصوصا بعد التصنيف الأمريكي للحوثيين، مما يعقّد الوصول إلى المستفيدين الفعليين من تلك الأنشطة.
وفي السياق ذاته، يحذّر الفودعي من أن اتساع التعاملات النقدية وانتشار شبكات التحويل غير المصرفية قد يحدان من فاعلية الإجراءات، خصوصا مع احتمال الالتفاف عليها بتغيير أسماء الشركات أو الوسطاء أو مسارات التحويل، وهو ما يستلزم تبادل المعلومات بين الجهات الرقابية والقضائية والتنسيق مع المؤسسات المالية الخارجية.
ورغم هذه التحديات، يرى نصر أن الإجراءات ستضاعف صعوبة وصول الحوثيين إلى قنوات التحويل والعلاقات المالية الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن تأثيرها قد يبقى محدودا إذا لم تصاحبها آليات تنفيذ حقيقية وتدقيق مستمر.
حماية المواطنين
وفيما يتعلق بحماية التجارة، تبرز اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد، التي سبقت إجراءات التجميد، بوصفها آلية حكومية لتنظيم المدفوعات عبر القطاع المصرفي.
وكان البنك المركزي قد أعلن في سبتمبر/أيلول الماضي أن إجمالي طلبات تمويل الاستيراد التي تعاملت معها اللجنة منذ بداية العام تجاوز خمسة مليارات دولار، تصدرتها السلع الغذائية والأدوية والوقود ومدخلات الإنتاج.
ويقول النجار إن الحكومة تستهدف شبكات التمويل “غير المشروع”، وليس فرض قيود عامة على الحوالات الأسرية أو استيراد الغذاء والدواء والوقود.
ويشير إلى أن آلية تمويل الاستيراد تهدف إلى ضمان استمرار تدفق السلع إلى مختلف مناطق اليمن، بما فيها المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
ويشدد على أن نجاح العقوبات يجب أن يقاس بقدرتها على تقليص موارد الجماعة دون إضعاف الاقتصاد الوطني أو عزل المواطنين عن الخدمات المصرفية والأسواق.
في المقابل، ينبه الفودعي إلى أن القرار يفرض التزامات إضافية على البنوك وشركات الصرافة لفحص العملاء والمعاملات والتحقق من قوائم العقوبات، وقد يرفع تكاليف الامتثال والتدقيق.
ويدعو إلى اعتماد إجراءات واضحة لمعالجة حالات تشابه الأسماء والاعتراضات، بما يحمي العملاء غير المشمولين بالقرار ويضمن استمرار المعاملات المشروعة.
اختبار النتائج
ولم يتوفر -حتى وقت إعداد هذا التقرير- رد رسمي مباشر من سلطات الحوثيين على القرار الجديد، رغم معارضتها إجراءات مصرفية سابقة اتخذها البنك المركزي في عدن.
ورغم انقضاء مهلة يومي العمل التي حددها البنك المركزي اليمني للبنوك وشركات الصرافة لإبلاغه بما يُثبت تنفيذها للقرار، فإنه لم تتوفر بيانات رسمية معلنة عن قيمة الأموال التي جرى تجميدها فعليا أو عدد المؤسسات التي قدمت إفاداتها.
وبين حديث الحكومة عن قوائم عقوبات إضافية وتحذيرات الخبراء من صعوبات التنفيذ، تبقى قيمة الأموال التي جُمِّدت فعليا، ومدى تعطيل قنوات تمويل الحوثيين دون الإضرار بالتجارة والتحويلات المشروعة، هو المعيار الأوضح لقياس أثر القرار.
المصدر: الجزيرة





