محمد بحسي
بعد أن صُنّفت حادثة إطلاق النار في بلدية “تراب” يوم 23 أكتوبر 2026 هجوماً إرهابياً بدافع عنصري، وجدت شخصيات اليمين المتطرف الفرنسي نفسها في موقف دقيق للغاية. فمن جهة، سارع جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، إلى إدانة العنف والمطالبة بـ”عقوبات لا رحمة فيها”، محاولاً الحفاظ على صورة حزبه “الجمهوري”؛ ومن جهة أخرى، كاد إريك زمور يظهر على قناة BFMTV في اليوم التالي للحادثة، ما أثار جدلاً حاداً حول ما إذا كان “خطاب اليمين المتطرف يوفر تربة للعنف”. أما جون ميسيحة وماريون ماريشال وغيرهما فحاولوا تصوير العملية الإرهابيةكرد فعل على “العنف” الإسلامي لتبرير العداء الدائم للإسلام والمسلمين.
أولاً: الحادثة نفسها — تصنيفها كعمل إرهابي عنصري
في صباح 23 أكتوبر 2026، أطلق كيفن ت.، البالغ 39 عاماً، النار من سلاح أوتوماتيكي على المارة في تراب ولافيريير (إيفلين)، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة عدد آخر بجروح خطيرة، بينهم طفلة في الثانية عشرة. فتحت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب تحقيقاً بتهمة “القتل المرتبط بالإرهاب” و”ظروف مشددة بسبب الانتماء الحقيقي أو المفترض للعرق أو الأصل الإثني أو القومي أو الدين”. وتوجه الرئيس ماكرون إلى مكان الحادث ووصفه بأنه “هجوم إرهابي عنصري” و”منعطف في حياة الجمهورية”. أما عمدة تراب، علي رابح، فاتهم مباشرة “تطبيع” خطاب اليمين المتطرف بتوفير بيئة أيديولوجية لمثل هذا العنف.
ثانياً: جوردان بارديلا — إدانة العنف وحسابات سياسية
أدلى بارديلا بتصريحات علنية في يوم الحادثة، أشاد فيها بـ”السرعة التي أوقفت بها الشرطة المشتبه به لتجنب مأساة أكبر”، وأعرب عن دعمه لعائلات الضحايا، وطالب بـ”عقوبات قضائية لا رحمة فيها”. غير أن بارديلا كان في الوقت نفسه غارقاً في فضيحة أخرى: كشفت وسائل الإعلام عن تصريحات قديمة له يصف فيها مدينة “تراب” بالجمهورية الإسلاميةالصغيرة ، بينما أعلن زمور أنه “لا يثق كثيراً” بنفي بارديلا. صياغة بارديلا الحذرة بعد حادثة تراب ليست موقفاً أخلاقياً بقدر ما هي استمرار لاستراتيجية “نزع الشيطنة” التي يتبعها التجمع الوطني منذ سنوات — ففي سياق هجوم عنصري، أي دفاع عن خطاب اليمين المتطرف سيكلف الحزب ثمناً انتخابياً باهظاً.
ثالثاً: إريك زمور — مقابلة ملغاة وجدل حول “مسؤولية الخطاب”
زمور هو الشخصية الأكثر إثارة للجدل بعد الحادثة. فوفقاً لموقع Yabiladi المغربي، كانت BFMTV تخطط لبث مقابلة مع زمور مساء 24 أكتوبر (اليوم التالي للحادثة)، لكن تسريب الخبر أثار انتقادات حادة: فبعد مأساة وصفها العمدة بأنها “هجوم إرهابي عنصري”، فإن منح سياسي سبق أن أُدين بسبب تصريحات عنصرية وقتاً ذهبياً يُعدّ إهانة للضحايا وعائلاتهم. أعلنت جمعية صحافيي BFMTV إلغاء المقابلة، وحذف زمور التغريدات المتعلقة بها. هذه الحادثة الجانبية تلخص بدقة الموقف المحرج للإعلام الفرنسي بين خطاب اليمين المتطرف والحوادث العنيفة: فزمور لطالما صوّر المهاجرين والإسلام كـ”تهديد”، بينما استهدف منفذ حادثة تراب، بدافع عنصري صريح، مدنيين من أصول مهاجرة.
رابعا: الخلفية البنيوية — جدل السببية بين خطاب اليمين المتطرف والعنف
بعد تراب، لم يكن الجدل الأساسي حول ما إذا كان المنفذ “ينتمي” إلى تنظيم يميني متطرف — فكيفن ت. لا يملك ملفاً معروفاً لدى أجهزة الاستخبارات — بل حول ما إذا كان “مناخ” الخطاب العام يملك فعالية سببية. اتهامات عمدة تراب رابح تشير إلى ظاهرة أوسع: فوصف ضواحي المهاجرين مثل تراب بأنها “جمهوريات إسلامية مصغرة” تكرر في خطاب زمور وبعض شخصيات التجمع الوطني وبيئة إعلامية يمينية أوسع. وعندما يختار منفذ إطلاق النار في ساحة تراب ومحطة وقودها استهداف “من يبدون كمهاجرين”، فإن المسافة بين هذا الخطاب والفعل لم تعد مسألة أكاديمية بحتة.
خلاصة: وضعت حادثة تراب اليمين المتطرف الفرنسي أمام مأزق مألوف. بارديلا اختار “إدانة العنف دون مراجعة الخطاب”، وزمور أُجبر على الانسحاب تحت ضغط إعلامي، وميسيحة أضعفت فضيحته رأس المال الأخلاقي للمعسكر، بينما حافظت ماريشال على علامتها المحافظة المستقلة. غير أن القضية نفسها — فرد ليس عضواً في تنظيم، لكنه تشرب خطاب اليمين المتطرف طويلاً، ثم نفذ عنفاً واسع النطاق مستهدفاً “العرق” — تطرح أسئلة أثقل من أي رد فعل فوري لأي من هذه الشخصيات.





