اتفاقات قديمة وشركة أعلنت الانسحاب.. وثائق التنقيب عن المواد الطاقية تختبر رواية إسبانية تتهم المغرب بالتصرف في “ثروات الكناري”
أعادت تغطية صحفية إسبانية تقديم تراخيص المحروقات التي منحها المغرب لشركات دولية باعتبارها تصرفاً في “ثروات الكناري”، وربطتها بمعادن جبل تروبيك، إلا أن تدقيق إفصاحات الشركات وخرائط مشروعاتها يكشف ملفات مختلفة المواقع والتواريخ والمراحل، بينها ترخيص أعلنت شركة عدم مواصلته منذ 2022، فيما لا تعرض التغطية وثائق تمنح الشركات المذكورة حقوق استغلال معادن الجبل.
ونشر موقع Libertad Digital، اليوم الإثنين، مادة تكرر رواية وردت في مقال لرامون كويردا ريفا نشره Escudo Digital، الخميس الماضي، وتربط بين NewMed Energy في بوجدور الأطلسي، وشراكة ENI وQatarEnergy في طرفاية، وشركتي Chariot وEuropa Oil & Gas، وتقدم هذه المصالح باعتبارها دعماً للمطالب البحرية المغربية، مع تقديرات تتجاوز 40 مليار يورو للغاز و90 ملياراً لمعادن تروبيك، دون إرفاق دراسات تقييم تفصيلية تسند هذه المبالغ.
في بوجدور الأطلسي، يعود إعلان اتفاق NewMed وAdarco مع المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى 6 دجنبر 2022، بحصة 37,5% لكل شركة و25% للمكتب، وينص الإفصاح الأصلي على مدة إجمالية محتملة من ثماني سنوات موزعة على مرحلة أولى وتمديدين مشروطين بالالتزام ببرامج العمل، وليس على استمرار غير مشروط طوال هذه المدة.
ويحدد التقرير السنوي للشركة المنشور في مارس 2026 فاتح غشت 2023 تاريخا أصليا لمنح الترخيص، و31 يناير 2026 موعدا لانتهاء مدته السارية، ويذكر أن الشركاء كانوا يناقشون تمديده سنة إضافية لاستكمال الأعمال اللازمة لاتخاذ قرار الحفر أو التخلي، مع التنصيص على عدم ضمان الحصول على التمديد أو مدته، ولم تظهر في الوثائق نتيجة تحسم هذه المناقشات، ما يمنع تأكيد استمرار الترخيص استناداً إلى إعلان 2022 وحده.
وتدرج صفحة المشروعات البحرية على موقع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة NewMed وAdarco ضمن ملف بوجدور الأطلسي، وتذكر إعادة معالجة البيانات الزلزالية ودراسة إمكانات المنطقة، لكن هذا العرض التقني لا يتضمن قرار تمديد مؤرخاً يحسم الوضعية القانونية الراهنة للترخيص.
أما طرفاية، فسبق لـ ENI وأن أعلنت اتفاقها مع المكتب المغربي في دجنبر 2017، وحددت نطاقه قبالة سيدي إفني وطانطان وطرفاية، على مساحة تقارب 23.900 كيلومتر مربع، قبل إعلانها في مارس 2019، اتفاقاً لدخول Qatar Petroleum، التي أصبح اسمها لاحقا QatarEnergy، بحصة 30%، مقابل 45% للشركة الإيطالية و25% للمكتب بعد العملية، وهذه وثائق تثبت أصل الشراكة وموقعها، لكنها لا تكفي وحدها لتأكيد وضعية التراخيص أو مرحلة المشروع في أكتوبر 2026.
وفي ملف إنزكان، أعلنت Europa Oil & Gas، في 23 نونبر 2022، عدم الانتقال إلى مرحلة التمديد التالية واستكمال إجراءات التخلي عن الترخيص، وأوضحت أن مواصلة العمل كانت تقتضي الالتزام بحفر بئر استكشافية، وهو ما لم تتمكن من تبريره دون شريك لم تنجح في استقطابه، وبالتالي، فإن تقديم مشاركتها السابقة باعتبارها نشاطا جاريا يتجاهل إعلانا صريحا بعدم مواصلة المشروع.
وتضع خريطة Chariot تراخيص ليكسوس وريسانة البحرية ولوكوس البري في شمال المغرب، ويرتبط مشروع أنشوا بليكسوس قبالة العرائش، وفي نتائجها المنشورة في 30 شتنبر 2026، تحدثت الشركة عن تحسين خطة تطوير أولية ببئرين لتقليص كلفة الاستثمار، واستمرار مناقشات الشراكة في تراخيصها البحرية، وهي وضعية تختلف عن الإنتاج التجاري القائم، كما أن الموقع الجغرافي لهذه المشروعات لا يسند جمعها مع بوجدور وطرفاية في نطاق واحد قبالة الكناري.
ويظل ترخيص البحث مختلفا عن اكتشاف كميات قابلة للاستخراج تجارياً، فالتقديرات السابقة للحفر لا تعادل احتياطيات مؤكدة، وحتى الاكتشاف يحتاج إلى تقييم الموارد والجدوى والتمويل والموافقات قبل تطويره وإنتاجه، لذلك لا تسمح أسماء الشركات أو مساحات تراخيصها، بمفردها، بإثبات قيمة الثروة أو العائد المنتظر منها.
أما جبل تروبيك، فتثبت الدراسات وجود قشور من الحديد والمنغنيز تحتوي على معادن مهمة، بينها الكوبالت والتيلوريوم، لكن تقدير محتواها المعدني يختلف عن إثبات إمكان استخراجها اقتصادياً، ويعرض تقرير منشور ضمن مشروع “الخدمة الجيولوجية لأوروبا” تقديرات أولية تقارب 28 ألف طن من الكوبالت في قمة الجبل، ونحو 240 ألف طن في سيناريو نظري يشمل سطحه من القاعدة إلى القمة، ولا يمثل هذا السيناريو احتياطيا تجاريا مثبتا.
وتختلف هذه الأرقام جذرياً عن ادعاء التغطية الإسبانية أن الجبل يحتوي على كوبالت يعادل 2.500 مرة الإنتاج البري العالمي السنوي، فللمقارنة، تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الإنتاج المنجمي العالمي سنة 2025 بنحو 310 آلاف طن، وهو أكبر من تقدير المحتوى النظري المذكور للجبل كله، وهذه مقارنة لا تسند حجم الادعاء المنشور، مع ضرورة التمييز أصلا بين كمية مقدرة في موقع وإنتاج يتحقق خلال سنة.
كما خلصت دراسة علمية منشورة سنة 2018 إلى أن سماكة قشور تروبيك ومتوسط محتواها المعدني يجعلان الاستخراج غير مرجح الجدوى في الأمد القريب، وفق المعطيات المدروسة آنذاك، ولا تشكل هذه الخلاصة تقييما محدثا للجدوى، لكنها تؤكد أن الوجود الجيولوجي للمعادن لا يساوي عائدات مضمونة، ولم تعرض التغطية وثيقة تربط تراخيص شركات المحروقات بحقوق استخراج معادن الجبل، أو حسابات للكميات القابلة للاستخراج والأسعار والتكاليف تبرر تقييمه بأكثر من 90 مليار يورو.
وقانونياً، لا يمنح القرب من الكناري أو صدور ترخيص مغربي، بمفرده، جوابا عن الحقوق في منطقة بحرية بعينها، فالمنطقة الاقتصادية الخالصة تمتد إلى مسافة لا تتجاوز 200 ميل بحري من خطوط الأساس، وتشمل حقوقاً في موارد المياه والقاع وباطن الأرض، بينما يتعلق الجرف القاري بالقاع وباطن الأرض، ويمكن أن يمتد أبعد وفق شروط اتفاقية قانون البحار، وتنص الاتفاقية على أن تحديد امتداده الخارجي لا يحسم ترسيم الحدود بين الدول ذات السواحل المتقابلة.
وفي الأنشطة قبالة الصحراء، يظل السياق القانوني الخاص بالإقليم حاضراً، فالرأي القانوني الأممي لسنة 2002 لم يعتبر عقود الاستطلاع والتقييم المعروضة عليه غير قانونية في ذاتها، لكنه أكد أن مواصلة الاستكشاف والاستغلال بتجاهل مصالح شعب الإقليم ورغباته تخالف المبادئ القانونية المنطبقة، كذلك تناولت أحكام محكمة العدل الأوروبية الصادرة في أكتوبر 2024 اتفاقات الزراعة والصيد بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، ولم تكن أحكاما تفصل مباشرة في صلاحية تراخيص المحروقات المذكورة، رغم أهمية المبادئ التي ناقشتها.
ويتقاطع هذا الجدل في سياقه مع ملف اتفاق “مرسى ماروك” و”بولودا” الذي تناولته “الصحيفة”، والمخاوف المرتبطة بتنافسية موانئ الكناري، فقد أعلن الطرفان في 15 دجنبر 2025 اتفاقاً لاقتناء الفرع الدولي لـ”مرسى ماروك” حصة 45% من رأسمال وحقوق تصويت “بولودا ماريتايم تيرمينالز”، مقابل 80 مليون يورو، مع اشتراط موافقة السلطات المختصة عند الإعلان، وتخص العملية المساهمة في شركة للمحطات والخدمات المينائية، دون أن تعني تملك الموانئ نفسها.
ويجمع الملفين النقاش حول توسع المصالح الاقتصادية المغربية وانعكاساته على الجزر، لكن اختلاف موضوعهما يقتضي فحص كل منهما بوثائقه، ففي ملف الموارد، تكشف المراجعة اتفاقات قديمة ومشروعات متفاوتة المراحل وتقديرات تحتاج إلى إثبات، دون سند معروض يربط شركات المحروقات باستغلال معادن تروبيك، كما أن وصف هذه الموارد بأنها “ثروات الكناري” يحتاج إلى تحديد جغرافي وقانوني، ولا تثبته رواية تجمع التراخيص والمعادن وقيمتها المفترضة في عملية واحدة.
المصدر: الصحيفة





