قُبيل الانتخابات.. فاجعة طليطلة تعيد شائعات تمويل إسبانيا للقطارات المغربية: اتهامات يمينية لحكومة سانشيز بإنفاق ملايين اليوروهات على مشاريع سككية خارجية
أعاد حادث القطار الذي شهدته منطقة طليطلة الإسبانية، إلى الواجهة، ادعاءات بشأن تخصيص الحكومة الإسبانية مئات الملايين من اليوروهات لتمويل مشاريع السكك الحديدية في المغرب ودول أخرى، في وقت تواجه فيه شبكة القطارات الإسبانية انتقادات بشأن وضع بنياتها التحتية، غير أن المعطيات المتعلقة بهذه التمويلات تكشف أن الأمر لا يتعلق بمساعدات مالية مجانية، وإنما بقروض مشروطة ترتبط أساسا بدعم صادرات الشركات الإسبانية.
وحسب ما أوردته صحيفة “إل دياريو” الإسبانية، فإن الحادث الذي وقع في منطقة أوردا بمقاطعة طليطلة أعاد تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم الحكومة الإسبانية بتوجيه أموال عمومية إلى تطوير شبكات السكك الحديدية في المغرب ومصر وأوزبكستان، بدلا من استثمارها في تحسين سلامة النقل السككي داخل البلاد، مستندة إلى أرقام تخص اتفاقيات تمويل سبق أن أعلنت عنها مدريد.
ويحتل المغرب موقعا بارزا في هذه الادعاءات، بالنظر إلى حجم التمويلات التي أعلنت عنها الحكومة الإسبانية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها قرض بقيمة 754 مليون يورو تمت الموافقة عليه في فبراير 2025، لفائدة المكتب الوطني للسكك الحديدية ووزارة الاقتصاد والمالية، بهدف تمويل اقتناء ما يصل إلى 40 قطارا مخصصا للربط بين المدن المغربية.
غير أن هذا التمويل، لا يمثل منحة أو مساعدة مجانية تقدمها مدريد إلى الرباط، بل يتعلق بقرض قابل للسداد، يرتبط بشروط تجارية محددة، أبرزها اقتناء القطارات من شركات إسبانية، وهو ما يجعل العملية في جوهرها آلية لدعم الصناعة السككية الإسبانية وتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية، وليس إنفاقا مباشرا لفائدة البنيات التحتية المغربية دون مقابل.
واستحضر التقرير مثالا آخر يتعلق بالمغرب، يعود إلى أبريل 2019، عندما وافقت الحكومة الإسبانية على قرض بقيمة 190 مليون يورو لتمويل اقتناء عربات ترامواي لفائدة خطين بمدينة الدار البيضاء، لكن الاستفادة من هذا التمويل كانت مشروطة بفوز شركة إسبانية بالصفقة الدولية، وهو ما لم يتحقق بعدما آلت الصفقة إلى شركة “ألستوم” الفرنسية، وبالتالي لم يُصرف القرض الإسباني للمغرب أصلا.
وتبرز هذه الواقعة، طبيعة الآلية المالية المعتمدة من طرف مدريد، إذ لا يكفي الإعلان عن الموافقة على قرض للحديث عن تحويل الأموال إلى دولة أجنبية، ما دام صرف التمويل يظل مرتبطا بتحقق شروط تعاقدية وتجارية محددة، وفي مقدمتها استفادة الشركات الإسبانية من العقود المرتبطة بالمشاريع المعنية.
ولا تقتصر الادعاءات المتداولة على المغرب، إذ شملت أيضا أوزبكستان، التي وافقت إسبانيا على منحها قرضا بقيمة 57,4 مليون يورو لتمويل اقتناء قطارين كهربائيين فائقي السرعة من طراز “تالغو 250″، إلى جانب عربات إضافية وقطع غيار ومعدات للصيانة، في إطار عملية ترتبط بتصدير تجهيزات تنتجها الصناعة السككية الإسبانية.
وامتدت المنشورات ذاتها إلى مصر، التي وافقت الحكومة الإسبانية، في دجنبر 2024، على تخصيص قرض بقيمة 227,8 مليون يورو لفائدتها، من أجل تمويل مشروع إعادة تأهيل وتحديث الخط الثاني لمترو القاهرة، وهي عملية تندرج بدورها ضمن الآليات المعتمدة لدعم حضور المقاولات الإسبانية في الأسواق الدولية، ولا تتعلق بتقديم هبة مالية غير مستردة.
وتتم هذه العمليات عبر “صندوق تدويل المقاولات” الإسباني، المعروف اختصارا باسم “FIEM”، الذي يهدف إلى دعم الصادرات والاستثمارات الخارجية للمقاولات الإسبانية، من خلال توفير تمويلات للمشترين الأجانب تمكنهم من اقتناء المعدات والخدمات الإسبانية، على أن يلتزم المستفيدون بسداد القروض وفقا للشروط المحددة في الاتفاقيات المبرمة.
ويعني ذلك أن الأموال التي يجري تداولها باعتبارها تمويلات إسبانية مجانية لمشاريع أجنبية ترتبط، في الواقع، بعقود تجارية تستفيد منها المقاولات الإسبانية، سواء عبر تصدير القطارات أو التجهيزات أو الخدمات التقنية، وهو ما يفسر اشتراط إسناد الصفقات إلى شركات إسبانية، ويجعل هذه التمويلات جزءا من السياسة الاقتصادية الرامية إلى دعم الصناعة الوطنية وتعزيز تنافسيتها.
وخلصت المعطيات التي نشرتها “إل دياريو” إلى أن الربط بين هذه القروض وحادث طليطلة يقوم على تصور مضلل لطبيعة التمويلات العمومية، إذ لا يتعلق الأمر باعتمادات كانت مخصصة لصيانة السكك الحديدية الإسبانية ثم حُولت إلى المغرب أو دول أخرى، وإنما بآليات مستقلة لدعم الصادرات، وهو ما ينفي الادعاءات بشأن تقديم مدريد مئات الملايين من اليوروهات مجانا لتطوير شبكات النقل السككي خارج حدودها، دون أن يلغي النقاش الداخلي بشأن سلامة القطارات ومستوى الاستثمار في البنيات التحتية الإسبانية.
واستغلق أوساط سياسية وإعلامية يمينية ويمينية متطرفة، مقربة أساسا من الحزب الشعبي وحزب “فوكس”، فاجعة قطاري طليطلة لمهاجمة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز، محملة إياه مسؤولية ما حدث، ولجأت إلى نشر إشاعات مفادها أنه يمول مشاريع سككية في بلدان أخرى متجاهلا أولوية إسبانيا، وذلك في ظل الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها المقررة شهر نونبر المقبل.
المصدر: الصحيفة





