تعزز الهند موقعها كشريك دولي في مجال الرعاية الصحية، مستندة إلى صناعة دوائية واسعة، وبرامج صحية عمومية ضخمة، واستثمارات في الابتكار الرقمي والبحث العلمي في الطب التقليدي، في تجربة ترى أنها يمكن أن توفر دروسا مهمة للدول النامية الساعية إلى تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية وتقليص تكلفتها.
وتسعى نيودلهي إلى توسيع نطاق هذه التجربة خارج حدودها، من خلال تقاسم التكنولوجيا، وتعزيز سلاسل توريد الأدوية، وتطوير القدرات المحلية، بما يساعد دول الجنوب العالمي على بناء أنظمة صحية أكثر شمولاً واستدامة وقدرة على مواجهة الأزمات.
إصلاح المنظومة الصحية الداخلية أساس الحضور الدولي
يشكل التحول الذي عرفه قطاع الرعاية الصحية في الهند قاعدة أساسية لتنامي دورها الدولي في هذا المجال. وتتوفر البلاد على أكثر من 187 ألف مركز للرعاية الصحية الأولية، ضمن برنامج “Ayushman Arogya Mandirs”، الذي يستهدف توسيع الخدمات الطبية الأساسية.
كما استفاد نحو 600 مليون شخص من برنامج “Ayushman Bharat”، الذي يوفر التغطية الصحية للفئات المستهدفة، وساهم في تمويل أكثر من 130 مليون عملية علاجية، بتكلفة إجمالية تجاوزت تريليوني روبية.
وامتدت التغطية الصحية أيضا لتشمل نحو 60 مليون شخص تبلغ أعمارهم 70 سنة فما فوق، بغض النظر عن مستوى دخلهم.
وتبرز هذه البرامج قدرة الهند على توسيع الخدمات الصحية على نطاق واسع، مع التركيز على خفض التكاليف وتحسين استفادة الفئات الهشة، وهي تجربة يمكن أن تشكل أساسا للتعاون مع الدول النامية، شريطة تكييفها مع خصوصيات كل بلد واحتياجاته.
صناعة الأدوية الهندية تعزز الولوج العالمي إلى العلاج
تعد الصناعة الدوائية إحدى الركائز الأساسية لمساهمة الهند في قطاع الصحة العالمي. فقد بلغت صادراتها من المنتجات الصيدلانية 31 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، مقابل 30.5 مليار دولار في السنة السابقة، مقارنة بنحو ملياري دولار فقط خلال 2000-2001.
وتصل الأدوية الهندية إلى أكثر من 190 دولة، فيما توفر البلاد نحو خُمس الحجم العالمي للأدوية الجنيسة، وتصنع حوالي 60 ألف علامة تجارية من هذه الأدوية تغطي 60 مجالاً علاجياً.
وتضطلع الهند أيضا بدور رئيسي في صناعة اللقاحات، إذ تساهم بنحو 60 في المائة من الطلب العالمي عليها في إحدى مراحل سلسلة الإنتاج والتوريد، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
ويشكل انخفاض تكلفة الأدوية الجنيسة مقارنة بالأدوية الأصلية أو المحمية ببراءات اختراع أحد أبرز عناصر التنافسية الهندية، إذ يتيح توفير بدائل علاجية بأسعار أقل، مع وصول المنتجات الهندية أيضاً إلى أسواق تخضع لمعايير تنظيمية صارمة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي موازاة ذلك، تتجه الصناعة الدوائية الهندية نحو إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة أكبر، تشمل الحقن الحيوية والأدوية المشابهة للبيولوجية والتركيبات الصيدلانية المعقدة.
وقد أظهرت جائحة كوفيد-19 الأهمية الدولية لهذه القدرات، بعدما وفرت الهند مئات الملايين من جرعات اللقاحات لعشرات الدول في إطار مبادرة “Vaccine Maitri”، في خطوة وسعت مساهمتها في الاستجابة للأزمات الصحية خارج حدودها.
ومع ذلك، يظل تطوير هذه الصناعة مرتبطا بتعزيز موثوقية سلاسل التوريد وتحسين الأطر التنظيمية وتنويع مصادر المواد الصيدلانية الفعالة، خصوصاً في ظل اعتماد الهند على الواردات الصينية في جزء مهم من هذه المواد.
برنامج “جان أوشادهي” لتقريب الأدوية منخفضة التكلفة من المواطنين
لا يقتصر تحدي توفير العلاج على إنتاج الأدوية بأسعار منخفضة، بل يشمل أيضا ضمان وصولها إلى المرضى. وفي هذا السياق، يقدم برنامج “Pradhan Mantri Bhartiya Janaushadhi Pariyojana” الهندي نموذجا لتوسيع شبكة توزيع الأدوية الجنيسة وتقريبها من المواطنين.
وتتوفر الهند على أكثر من 20 ألف مركز تابع للبرنامج، موزعة على 776 مقاطعة من أصل 784، وتعرض هذه المراكز أدوية بأسعار تقل بنحو 50 إلى 80 في المائة عن نظيراتها ذات العلامات التجارية.
وتضم قائمة المنتجات المتاحة 2110 أدوية و315 منتجا ومستلزما طبيا وجراحيا، تغطي مجالات علاجية متعددة، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسكري والالتهابات.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، ساهم البرنامج في تحقيق وفورات تراكمية تقدر بنحو 450 مليار روبية للمواطنين، فيما تستقبل مراكزه ما بين مليون و1.2 مليون زائر يومياً.
وتخطط الحكومة الهندية لرفع عدد هذه المراكز إلى 25 ألفاً بحلول مارس 2027، من خلال نظام الامتياز التجاري والشراكة مع جمعيات الائتمان الزراعي الأولية في المناطق القروية.
وتبرز هذه التجربة أن تحسين القدرة على تحمل تكاليف العلاج لا يرتبط فقط بخفض أسعار الأدوية، وإنما أيضاً بتوسيع شبكات توزيعها وضمان توفرها، خصوصاً في المناطق النائية.
الصحة الرقمية.. التكنولوجيا لتجاوز الحواجز الجغرافية
لم تعد مساهمة الهند في قطاع الصحة مقتصرة على تصنيع الأدوية وتوزيعها، بل امتدت إلى تطوير البنية التحتية الرقمية بهدف تحسين الخدمات الطبية وتسهيل وصول المرضى إليها.
وخلال جائحة كوفيد-19، عالجت منصة “CoWIN” أكثر من ملياري سجل متعلق بالتلقيح، ما أظهر قدرة الأنظمة الرقمية على إدارة حملات التطعيم على نطاق وطني واسع.
كما تجاوز عدد الاستشارات الطبية التي قدمتها منصة “e-Sanjeevani” للطب عن بُعد 500 مليون استشارة، وهو ما يعكس أهمية الحلول الرقمية في توسيع نطاق الخدمات الصحية، خصوصاً بالنسبة للسكان الذين يعيشون في المناطق البعيدة عن المراكز الطبية.
وتعمل الهند أيضاً على تطوير مهمة “Ayushman Bharat Digital Mission”، التي تهدف إلى إنشاء بنية تحتية رقمية متكاملة وقابلة للتشغيل البيني، وإرساء سجلات صحية إلكترونية طويلة الأمد لأكثر من مليار شخص.
وعلى المستوى الدولي، ساهمت الهند خلال رئاستها لمجموعة العشرين عام 2023 في إطلاق المبادرة العالمية للصحة الرقمية، وهي آلية تستضيفها منظمة الصحة العالمية لتنسيق الموارد ودعم اعتماد الحلول الرقمية في الأنظمة الصحية، مع مساهمة هندية أولية بلغت 10 ملايين دولار.
ومن المرتقب أن يركز مؤتمر القمة العالمي للصحة الرقمية، المقرر عقده في نوفمبر 2026، على استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي.
غير أن نقل هذه التجارب إلى دول أخرى يظل مرتبطاً بتوفر البنية التحتية للإنترنت، وتكوين الأطر الطبية، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات، فضلاً عن ملاءمة الحلول الرقمية مع الأنظمة الصحية المحلية.
الطب التقليدي.. نحو تعزيز البحث العلمي ومعايير السلامة
يشكل الطب التقليدي مجالا آخر تسعى الهند من خلاله إلى تعزيز مساهمتها في التعاون الصحي الدولي، خصوصاً في المناطق التي لا تزال تعتمد فيها شرائح واسعة من السكان على ممارسات العلاج التقليدي.
وفي هذا الإطار، أنشأت منظمة الصحة العالمية المركز العالمي للطب التقليدي بمدينة جامناغار في ولاية غوجارات عام 2022، باستثمار هندي تجاوز 250 مليون دولار.
ويعد هذا المركز الوحيد التابع لمنظمة الصحة العالمية والمتخصص في الطب التقليدي، ويعمل على دعم الأبحاث المتعلقة بأكثر من 100 نظام من أنظمة الطب التقليدي المعتمدة في مختلف أنحاء العالم.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن نحو 80 في المائة من سكان العالم يعتمدون على شكل من أشكال الطب التقليدي باعتباره نقطة اتصال أولى مع الخدمات العلاجية.
غير أن تفاوت الأدلة العلمية المتعلقة بفعالية هذه الممارسات يفرض ضرورة إخضاعها للأبحاث والتقييم، وتحديد استخداماتها المناسبة، والتحقق من سلامتها واحتمالات تفاعلها مع الأدوية والعلاجات الحديثة.
ومن خلال هذا المركز، تسعى الهند إلى دعم البحث العلمي وتبادل الخبرات ووضع أسس أكثر وضوحاً لتقييم فعالية العلاجات التقليدية وسلامتها، بما يتيح للدول التي تتوفر على موروث علاجي تقليدي تطوير قدراتها البحثية والتنظيمية.
التجربة الهندية.. نموذج متكامل لدول الجنوب العالمي
تكتسب التجربة الهندية أهميتها من تكامل مكوناتها، وليس فقط من حجم الإنجازات المسجلة في كل قطاع على حدة.
فالصناعة الدوائية توفر الأدوية بأسعار تنافسية، بينما تساهم شبكة “جان أوشادهي” في تقريبها من المواطنين، وتعمل المنصات الرقمية على توسيع نطاق الخدمات الطبية، في حين توفر برامج التغطية الصحية تجربة في تنظيم الولوج إلى العلاج على نطاق واسع.
ويضاف إلى ذلك الاستثمار في البحث العلمي المرتبط بالطب التقليدي، الذي يفتح آفاقاً جديدة للتعاون العلمي والصحي بين الدول.
ويتمثل القاسم المشترك بين هذه المبادرات في السعي إلى توفير خدمات صحية منخفضة التكلفة وعلى نطاق واسع، رغم محدودية الموارد، وهو ما يمنح التجربة الهندية أهمية بالنسبة إلى دول الجنوب العالمي.
ولا يقتصر الدور الدولي للهند، وفق هذا التوجه، على تصدير الأدوية، بل يشمل أيضاً نقل التكنولوجيا والخبرات المؤسساتية وتقاسم المعرفة المتعلقة بتدبير البرامج الصحية وتطوير القدرات المحلية.
الابتكار الهندي برؤية عالمية
تعكس التحولات التي شهدها قطاع الصحة في الهند كيف يمكن للجهود الوطنية الرامية إلى تحسين الولوج إلى العلاج أن تتحول إلى رافعة للتعاون الدولي.
فصادرات الأدوية، وشبكة مراكز “جان أوشادهي”، ومنصات الصحة الرقمية، وبرامج التغطية الصحية، والاستثمارات في أبحاث الطب التقليدي، تشكل عناصر متكاملة يمكن للدول النامية الاستفادة من تجاربها.
ومن المتوقع أن تتجه المرحلة المقبلة من التعاون الدولي نحو شراكات تتجاوز تصدير المنتجات الدوائية، لتشمل نقل التكنولوجيا، والتعاون التنظيمي، والبحث العلمي، وتكوين الكفاءات، وتطوير القدرات المحلية.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي قياس الابتكار في قطاع الصحة فقط بمستوى التطور التكنولوجي أو قيمة الصادرات، بل أيضاً بمدى مساهمته في تحسين صحة السكان وتوسيع نطاق حصولهم على الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل التجربة الهندية أحد النماذج التي يمكن لدول الجنوب العالمي الاستفادة منها في بناء منظومات صحية أكثر شمولاً واستدامة.
المصدر: الصحيفة





