فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
لم تنتج الانتخابات الإسرائيلية أخيراً منتصراً واضحاً رغم ادعاء جميع الكتل النصر، لكنها أنتجت مشهداً سياسياً جديداً، تتساوى فيه قدرة المعسكرات المتباينة على تعطيل بعضها بعضاً، مع عجز عن تشكيل حكومة وازنة بمقاعد كافية في الكنيست تمنحها صفة الاستقرار والاستمرارية… خسر نتنياهو الأغلبية التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، ولم يعد لديه القدرة على الحكم منفرداً وسط نقص شديد في عدد المقاعد الداعمة له. أما معارضه أيزنكوت الذي سجل نفسه للمرّة الأولى في قائمة الأحزاب، قبل سنة فقط، فقد حصل على عدد مقاعد معقول، ولكنه بعيد جداً عن الرقم 61 اللازم لتشكيل حكومة تزيح نتنياهو نهائياً. ويمكن للأحزاب العربية أن تدّعي النصر بوصولها إلى عدد مقاعد غير مسبوق في تاريخ الكنيست. ضمن هذه النتائج تعود فكرة “حكومة الأقلية” إلى التداول بوصفها مخرجاً ممكناً لإنهاء حكم نتنياهو، وذلك بمساندة الأحزاب العربية من الخارج لحكومة يقودها أيزنكوت، من خلال عدم إبداء ممانعة لوصوله إلى مركز القرار، وهذا خيارٌ غير جديد على السياسة في إسرائيل، وهو يستدعي تجربةً تاريخيةً لم تكن عابرة، فحكومة إسحق رابين الثانية، التي حكمت بأقلية برلمانية استطاعت إحداث واحد من التحولات السياسية الكبيرة في تاريخ المنطقة.
في 1993 انسحب حزب شاس من حكومة رابين، فتراجعت قاعدته البرلمانية من 62 مقعداً إلى 56 مقعداً. اعتمد رابين حينها على الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بنوابها العرب الخمسة. ولم يكن ذلك الدعم مجرّد ترتيب حسابي للبقاء رئيساً للحكومة، فقد حملت حكومة رابين مشروعاً سياسياً ذا وجهٍ محدّد، يقوم على التفاوض مع الفلسطينيين وإعادة ترتيب علاقات إسرائيل بمحيطها العربي. وبفضل ذلك الدعم البرلماني الذي تلقّاه من النواب العرب، استطاعت الحكومة تمرير اتفاقيات أوسلو، واستمرَّ رابين في الحكم حتى اغتياله بعد سنتين. كانت الاتفاقيات تسير بهدوء وبحكومة أقلية مدعومة من خارجها، وحصل ذلك رغم معارضة اليمين الشديدة التي وجهت أصابع الاتهام إلى رابين بفقدان الشرعية لاعتماده على أصوات عربية. وبعد اغتياله، أكمل زميله شيمون بيريز، حاكماً بأقلية، حتى خسر في انتخابات 1996 أمام نتنياهو.
تبدو اليوم مقارنة أيزنكوت برابين واردة، لكن الأخير قاد حكومة أقلية تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً، وإن كان مثيراً للانقسام في المجتمع السياسي الإسرائيلي حينها، بينما قد يجد أيزنكوت نفسه رئيس حكومة تتفق أطرافها فقط على إبعاد نتنياهو، وتختلف في كل ما عدا هذا، فما الذي يجمع قوميين يمينيين، مثل أفيغدور ليبرمان، مع أحزاب يسارية ووسطية تنتظر دعماً من الأحزاب العربية؟ هذا بالإضافة إلى وجود تباين، وأحياناً غموض، في المواقف، عندما يتعلق الأمر بكل ما هو خارج حدود إسرائيل.
احتاج رابين الأصوات العربية لتنفيذ مشروعه، بينما يريد أيزنكوت الأصوات العربية لقنص السلطة من عدوه، وفي الحالتين، يستطيع اليمين المتطرّف ممارسة هوايته بتوجيه أصابع التخوين والتشكيك في الشرعية السياسية، وقد يكون تأثير الحملة الحالية كبيراً في مجتمع ازدادت فيه النزعات القومية والتشدّد بعد “7 أكتوبر” (2023). وهذا يدفع أيزنكوت إلى التريّث والتفكير قبل الإقدام على قبول الدعم العربي. والمفارقة أن الأحزاب العربية، التي وُجدت في الكنيست بطريقةٍ لم يسبق لها مثيل في تاريخ إسرائيل، قد تجد نفسها أمام خيار دعم حكومة لا تتبنى معظم مطالبها السياسية الأساسية، وقد لا تحصل على أكثر من إخراج نتنياهو من مكتبه، لكن بحسب تصريحات أعضائها، فهذا بذاته هدف يحرز المحاولة.
الاتفاق مع العرب، إن حصل، قد يكون عمره قصيراً، كما كان الأمر في حكومة نفتالي بينيت عام 2021، خصوصاً بوجود تحدّيات كبيرة راهنة، لكن المقابل سيكون في الغالب إعادة الانتخابات. في الوقت نفسه، يؤكد الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أنه سيبذل أقصى جهد لتجنب الانزلاق نحو جولة جديدة من الانتخابات.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





