حسابات “الدولة العميقة” في إسبانيا تعرقل صفقة “مرسى ماروك” لشراء 45% من ذراع “بولودا” المشغّلة لتسع محطات مينائية

إيطاليا تلغراف متابعة

تواجه صفقة دخول شركة “مرسى ماروك”المغربية إلى رأسمال شركة “بولودا ماريتايم تيرمينالز” الإسبانية اختبارا يتجاوز حسابات الاستثمار والمردودية، بعدما أصبحت موضع تدقيق داخل مؤسسات الدولة الإسبانية المكلفة بتقييم المخاطر الاستراتيجية.

فبعد أكثر من عشرة أشهر على إعلان الاتفاق، ما تزال العملية تنتظر الترخيص الإسباني، وسط تحفظات تتصل بارتباط المستثمر المغربي بالدولة، وحساسية النشاط المينائي، خصوصا في جزر الكناري، حيث تتداخل قضايا التموين والربط البحري والمنافسة الاقتصادية مع اعتبارات الأمن الوطني.

وتقضي العملية باستحواذ “مرسى ماروك إنترناشيونال لوجيستيكس”، التابعة للمجموعة المغربية، على 45 في المائة من رأسمال فرع المحطات المينائية لشركة “بولودا” الإسبانية مقابل 80 مليون أورو، ويتعلق الاتفاق بهذا الفرع تحديدا، مع احتفاظ المجموعة الإسبانية بنسبة 55 في المائة ومواصلة قيادة النشاط.

ووفق الإعلان الرسمي لشركة “بولودا”، تضم الشبكة المعنية تسع محطات في مواقع استراتيجية بإسبانيا والكناري، تجاوز نشاطها مليون حاوية مكافئة لعشرين قدما خلال سنة 2024.

وبحسب ما نقله موقع “أتلانتيكو أوي” في 23 أكتوبر الجاري، أكدت وزارة الاقتصاد الإسبانية أن الصفقة تخضع لمراقبة الاستثمارات الأجنبية، وأن تقييمها لم ينته بعد.

ويُدرس الملف داخل مجلس الاستثمارات الخارجية، بمشاركة جهات مرتبطة بالدفاع والأمن، بينها المركز الوطني للاستخبارات وإدارة الأمن الوطني، فيما تلقت “بولودا” طلبات لتقديم وثائق وتوضيحات إضافية، حيث تبرز هذه المعطيات حساسية الفحص واستمرار التعليق، لكنها لا تثبت صدور اعتراض استخباراتي نهائي معلن، إذ يبقى القرار لمجلس الوزراء الإسباني.

وهنا يظهر البعد الذي يمكن قراءته سياسيا بوصفه تحفظا لدى المؤسسات السيادية الإسبانية، أو ما يوصف بـ”الدولة العميقة” في إسبانيا، من دخول شركة مرتبطة بالدولة المغربية إلى نشاط يمس شرايين التجارة والتموين.

حيث تبرز هذه الصفقة أن الملف لا يُقاس بحجم المساهمة المالية وحده، وإنما بما قد تمنحه مساهمة مؤثرة من حضور داخل شركة تتعامل مع تدفقات بحرية حيوية خصوصا مع التنافس المينائي بين المغربي وإسبانيا في البحر المتوسط، ومن هذا المنظور التحليلي، يصبح التمييز بين الأغلبية القانونية والتأثير الاقتصادي أحد مفاتيح فهم استمرار الحذر، حتى مع تأكيد بولودا احتفاظه الشركة الإسبانية بالإدارة.

وتكتسب موانئ جزر الكناري ثقلا خاصا في هذه الحسابات، لوجود محطات تابعة للشركة في لاس بالماس، وسانتا كروث دي تينيريفي، ولا بالما، ولانثاروتي، وفويرتيفنتورا، حيث جدد رئيس مجلس غران كناريا، أنطونيو موراليس، في تصريحات نشرت أمس الخميس، مخاوفه من انعكاسات العملية على المصالح المينائية للأرخبيل.

ويرتبط هذا القلق أيضا بتطوير ميناء الداخلة الأطلسي، واحتمال اشتداد المنافسة على الخطوط البحرية والاستثمارات والخدمات اللوجستية، وهي مخاطر مستقبلية تطرحها الجهات المعترضة، وتعكس توجس الإسبان من المنافسة المغربية في الموانئ وتدبيرها.

في المقابل، تتمسك شركة “بولودا” بإتمام الصفقة وتواجه خطاب التحذير علنا، وهو ما أثير في مقابلة نشرها “إل إسبيخو كناريو” يوم 23 الجاري، وصف المدير العام لـ”بولودا شيبينغ”، خافيير كليمنت ميليان، المخاوف بأنها تهويل غير مبرر، مؤكدا أن المساهمة المغربية ستظل أقلية، وأن الشريك الجديد لن يتولى الإدارة أو القرار الاستراتيجي للعمليات في الكناري، كما ربط الاتفاق بفتح فرص جديدة أمام المجموعة داخل الموانئ المغربية، مستندا إلى استثمارات تتجاوز 250 مليون أورو أنجزتها بولودا في الأرخبيل لإبراز استمرار التزامها به.

وتستند هذه الرغبة إلى علاقة اقتصادية قديمة مع المغرب، فالحضور الذي وثقته بولودا في موانئ المغرب يعود إلى حصولها سنة 2005 على امتياز لخدمات القطر والمساعدة المينائية مدته 25 عاما، وفي ماي 2010، أعلنت تعزيز موقعها بعقد لعشر سنوات لخدمات ربط السفن وفكها في طنة المتوسط، عبر شركة شاركت فيها مع “كوماريت”، حينها، وبذلك، تأتي الصفقة الحالية امتدادا لمصالح تشغيلية ممتدة على الضفة المغربية، وليست بداية تقارب تجاري طارئ.

غير أن تحقيق لـ”الصحيفة”، نشر في 18 شتنبر الماضي، أضاف إلى هذه المصالح مفارقة سياسية، حينما كشف أن إطلاق حملة “Todos somos caballas”، في ملاعب “لاليغا” الإسبانيا، الداعمة لسبتة المحتلة، والتي استهدفت المغرب، كنت مدعومة من جمعية رجال الأعمال في فالنسيا التي يرأسها فيسنتي بولودا التي يرغب حاليا في بيع 45 في المائة من شركته بـ 80 مليون أورو لشركة “مرسى ماورك” المغربية.

ووفق التحقيق، ظهر الحملة التي استهدفت المغرب كرسالتها على قمصان لاعبي إلتشي وريال مدريد يوم 15 شتنبر الماضي، وحملت دعما لما وصفته الحملة بـ”التماسك الترابي الإسباني”، ودعم احتلال سبتة.

أما الجانب المغربي، فيواصل إسناد المشروع مؤسساتيا، حيث أذن مرسوم صادر في 2 أبريل 2026 لـ”مرسى ماروك” بالمساهمة عبر ذراعها الدولية في الشركة الإسبانية بنسبة تصل إلى 45 في المائة، مقابل نحو 80 مليون أورو.

وتندرج العملية ضمن توسع المشغل المغربي خارج السوق الوطنية، بالتوازي مع حضوره الإفريقي، بما يشمل كوتونو في بنين واتفاق إدارة ميناء مونروفيا في ليبيريا، ويمنح هذا المسار الصفقة موقعا داخل استراتيجية أوسع لبناء حضور مينائي إقليمي.

وبين تمسك بولودا بالمكاسب التجارية، وإسناد الرباط لتوسع مشغلها المينائي، يستمر التعليق الإسباني المدعوم بهواجس أمنية بوصفه الاختبار الحاسم لاتمام الصفقة، التي تراها الأجهزة الأمنية أو الدولة العميقة في إسبانيا تتجاوز قيمتها المالية إلى حدود قبول حضور رأسمال مرتبط بدولة مجاورة منافسة داخل نشاط استراتيجي حساس.

وإلى حدود كتابة هذا التقرير، تشير أحدث المعطيات المنشورة التي أمكن التحقق منها إلى أن الصفقة ما تزال معلّقة، إذ لم يُعلن عن منح ترخيص نهائي لإتمامها، ولا عن صدور قرار رسمي برفضها، فيما تتزايد الضغوط لضبط شروط دخول المستثمر المغربي وتحديد نطاق تأثيره داخل الشركة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا