بقلم: الدكتور سعيد بن الشيخ
كان لإيطاليا مثلها كباقي الدول الأوروبية نصيب من اليد العاملة المهاجرة من مجموعة من الدول بما فيها الإسلامية مثل المغرب، تونس، الجزائر، مصر وغيرها، هذا البلد يمكن القول إنه حديث النشأة في استقبال المهاجرين مقارنة مع الجارة فرنسا التي استقطبت المهاجرين حتى في حربها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وخاصة من المغرب والجزائر وباقي المستعمرات الإفريقية، بينما نجد أن بوادر دخول المهاجرين إلى إيطاليا حصل في أواخر الثمانينيات.
صدر أول قانون لتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين غير الشرعيين في بداية التسعينيات من القرن الماضي بإيطاليا، ومنذ ذلك الحين توالت القوانين في هذا الشأن كلما احتاج البلد لليد العاملة، وعلى ضوء هذا المعطى كان التفكير في أماكن للعبادة اقتداء برسولنا صل الله عليه وسلم والذي بعته الله رحمة للعالمين من طرف الجالية المسلمة.
في مدينة روما يقع المسجد الكبير في الشمال الجنوبي لإيطاليا والذي استغرق بناؤه ما بين 1984 إلى 1995 وساهمت في تشييده 23 دولة إسلامية وعربية، ومنذ ذلك التاريخ وهذه المعلمة التاريخية تقوم بدور فعال سواء لجمع شمل المسلمين أو في علاقة الإدارة مع السلطة السياسية في البلاد أو مع الفاتكان في إطار الاحترام المتبادل للأديان وفيما يهم البشرية بغض النظر عن الاختلاف الديني.
أما في مدينة بياتشانزا التي اقطنها وعلى سبيل المثال لا الحصر، والتي توجد في شمال إيطاليا، كان الفضل في الحصول على مكان للصلاة لمجموعة من الأشخاص على رأسهم رجل بشوش لا تفارقه ابتسامته أسمه شميس محمد من الجمهورية المصرية العربية الشقيقة قي سنوات التسعين. واستمر الأمر على هذا المنوال لسنوات بحيث ضاق الحال بالمصلين أيام الجمعة لأن الغالبية تصلي في الخارج تحت الخيام البلاستيكية مما يزيد من معاناة المصلين شتاءا وصيفا.
مكان لا يسع حتى لثلاثين شخصا، أطلق عليه المركز الثقافي الإسلامي بعد أن وفرته لهم البلدية بالمجان، بَيْدَ أنه وبالرغم من الضيق والصغر، فقد كان يفي بالغرض في تلك الحدود، وفي ظل هذه الأزمة والمعاناة كانت تستغل المناسبات مثل رمضان والأعياد والجمعة لجمع التبرعات من أجل شراء مقر يتسع للجميع. لاتزال تلك الأموال التي جمعت لم يشترى به أي مقر لحد كتابة هذه السطور، واكتفى المسؤولين بمقر مُكترى إلى حين إيجاد مقر يليق كمركز ثقافي إسلامي بالمدينة.
تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أنه في إيطاليا تنقسم المراكز الإسلامية في الأغلب إلى فئتين وذلك راجع لتبعيتها لها فيما يتعلق بالمساعدات المالية لأجل البناء أو الشراء: الكنفيدرالية الإسلامية الإيطالية واتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا.
هذين القطبين بينها صراع خفي وعمل انفرادي اتضحت معالمه مؤخرا كذلك، وبالضبط أثناء التوقيع على بروتوكول إعادة فتح المراكز الإسلامية بين الهيئات الأربعة المشاركة في التوقيع والسلطة السياسية الإيطالية يوم 15 ماي 2020 بعد إغلاقها بسبب جائحة كورونا.
ذلك، وبدلا من أن تكون هذه المناسبة بداية في جمع الشمل وتوحيد الكلمة والعمل كجسد واحد، خرج كل مسؤول يغني على ليلاه منسبا العمل لهيئته دون الحديث حتى كون المنخرطين في هذا التوقيع أربعة عناصر… مما يبرهن عن الهوة والتصادم بين الإخوة المسلمين في اختلاف وجهات النظر والفكر، والتوحد في خدمة هذا الدين، فمتى يجلس المعنيون بالأمر على طاولة الاخوة لبتر هذا الاختلاف؟
إن الكنفيدرالية تتبع توجهات المملكة المغربية باعتبارها مصدر التمويل الاساسي، وبهذه الطريقة فإن السلطات المغربية تبسط نفوذها من خلال أجهزتها ومخبريها عما يجري داخلها وبالتالي تعتبر خطوة استباقية في مجال محاربة كل المتطرفين الذين قد تكون لهم أفكار عدوانية اتجاه البلد المضيف في الغرب.
أما اتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا فهي تابعة من حيث تمويل المراكز التي تم تقديم المساعدات المالية لها إلى دولة قطر الشقيقة، وبالضبط إلى الجمعية القطرية الخيرية (QATAR CHARITY) التي حولت ما يقارب 27 مليون أورو، وقد كان الفضل الكبير لهذين الجهازين في السنوات الأخيرة من اقتناء العديد من المقرات التي أصبحت مراكز ثقافية إسلامية تؤدي دورا كبيرا في تجمع المسلمين وتعاونهم وتآخيهم.
وبالرغم من الاتهامات أو الشكاوى لدى السلطات الإيطالية بالنسبة لبعض المراكز فيما يخص الجانب الإداري والمالي، فإن هذا لا يعني أن الخير الذي عم مسلمو إيطاليا بفضل هذه المراكز لم ينتج عنه إيجابيات تذكر، بل بالعكس فقد وصل عدد المراكز كما سبق وأن تطرقت له في الجزء الأول إلى حوالي 1217 مركز ثقافي. أسلم بفعلها بعد الله العديد ممن اعتنقوا هذا الدين الذي جاء رحمة للعالمين.
……يتبع في الجزء الثالث والأخير.





