ذ. سعيد الغماز
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استغرابا كبيرا لدى المتتبعين للشأن الليبي. فبعد المبادرة التي قامت بها مصر والتي وصفتها بالهادفة إلى إحلال السلام في جارتها الغربية، يخرج الرئيس المصري بتصريحات واضحة عن إمكانية تدخل الجيش المصري بشكل مباشر في النزاع الليبي واصفا الأمر بأنه أصبحت تتوفر له الشرعية الدولية. تصريح جعل الموقف المصري يتسم بارتباك كبير قد يكون نتيجة التدخل التركي الذي قلب الأوراق في وقت وجيز لم يكن في حساب جميع المتدخلين الآخرين. هذا التصريح جاء متزامنا مع حدثين يمكن أن نجد فيهما ما يفسر حيثيات هذا التصعيد المتناقض مع مبادرة مصر لحل الخلاف الليبي:
الحدث الأول يتجلى في الطريقة التي نهجتها مصر في تفاوضها مع إثيوبيا حول سد النهضة. وهي طريقة اتسمت بالضعف ووضعت البلاد في موقف لا تعرف كيفية الخروج منه أمام القوة التفاوضية لإثيوبيا التي تعتبر المشروع مسألة سيادية وأن من حقها اتخاذ القرارات اللازمة بخصوص ملئ خزان السد دون الرجوع إلى دول المصب. تتجلى قوة الموقف الإثيوبي كذلك في قدرتها على الالتفاف على اتفاقية 1959 التي تُعطي لمصر الحق في 55 مليار متر مكعب سنويا من مياه النيل بعد بناء السد العالي في مقابل 18 مليار متر مكعب فقط للسودان، وهو ما يفسر المسافة التي أخذها السودان حيال الموقف المصري في محاولة لزيادة نصيبه من مياه النيل. فإثيوبيا تنطلق من قناعتها أن الوضع الجيوسياسي قد تغير وأن مصر لم تعد تلك القوة الإقليمية التي كانت في السابق، ولذلك هي تحاول فرض واقع جديد وفق معادلة تكون فيها إثيوبيا قوة إقليمية صاعدة ودولة لها نموذجها التنموي تطمح من خلاله تحقيق الإقلاع الاقتصادي. هذا الأخير يشكل سد النهضة أبرز عناوينه حيث تُعول عليه إثيوبيا في تعميم الكهرباء على جميع التراب الوطني بما فيه الأرياف. قوة الرد الإثيوبي في التفاوض جعل مصر غير قادرة على فرض أجنداتها عليها كما كان عليه الوضع من قبل، مما دفع السيسي إلى الإستنجاد في البداية بأمريكا للضغط على الحكومة الإثيوبية للقبول بالشروط المصرية. عدم تجاوب أمريكا مع الطلب المصري، جعل الرئيس السيسي يستنجد بمجلس الأمن الدولي في خطوة قد تكون الأخيرة في إطار عجزه عن جعل إثيوبيا تخضع لشروط مصر حول تقاسم مياه النيل.
الحدث الثاني يتجلى في تحركات دول المغرب العربي بعد إعلان السيسي المبادرة المصرية لحل الأزمة الليبية بحضور القائد العسكري خليفة حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح. جميع دول المغرب العربي المعنية بالأزمة الليبية شرعت في تكثيف تحركاتها وفق رسالة واضحة مفادها أن الإطار للحل السياسي في ليبيا هو اتفاق الصخيرات في المغرب الذي كان تحت رعاية الأمم المتحدة. فالرئيس التونسي قيس السعيد استقبل كلا من وزير خارجية المغرب السيد ناصر بوريطة ورئيس حكومة الوفاق الوطني السيد فايز السراج وهي رسالة واضحة لموقف تونسي يتشبث بحل الأزمة الليبية في إطار اتفاق الصخيرات والقرارات الأممية. الجزائر التي أعلنت غير ما مرة وقوفها على مسافة واحدة بين الفرقاء الليبيين استقبلت رئيس حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات ورئيس برلمان طبرق لكنها استبعدت المشير حفتر الذي تدعمه مصر كما أنها اكتفت بالقول إنها أخذت علما بالمبادرة المصرية دون تبنيها أو مساندتها. إذا أضفنا لهذه التحركات التصريحات الأمريكية التي أكدت أن الإطار المناسب لحل القضية الليبية هي الأمم المتحدة، فإن الأمر يجعل من المبادرة المصرية مبادرة ولدت ميتة تزيد من ضعف السيسي في المشهد الإقليمي.
هذه الأحداث مجتمعة، جعلت الرئيس المصري يُدخل البلاد في نفق من التراجعات وضعها في موقف حرج داخليا وخارجيا، وكأننا أمام دولة بدأت تفقد وزنها كقوة إفريقية. وعجز الرئيس المصري عن قلب المعادلة العسكرية في اليمن كقوة كانت تعول عليها دول الخليج في تحقيق هذا الهدف، جعل صورت مصر كقوة عسكرية تتضرر كثيرا. تصريحات السيسي الأخيرة حول التدخل المباشر في ليبيا تندرج في سياسة واحدة تلتقي مع إعلان خليفة حفتر إسقاط اتفاق الصخيرات بعد أن فَوَّضَ لنفسه حكم ليبيا، ومباشرة بعد هذا الإعلان بدأت سلسلة انهزامات قواته وأصبح خارج أي تفاوض سياسي حول مستقبل ليبيا. والمثير في الأمر هو إحضار السيسي لحفتر في إعلان المبادرة المصرية وعدم الحديث عنه في تصريحاته الأخيرة وكأن الحال يقول بتخلي مصر عن مشيرها العسكري الذي يتسم ماضيه العسكري بتراكم الهزائم والاخفاقات.
على هذا الأساس يمكن فهم تصريحات السيسي التي حرص على أن تكون في قاعدة عسكرية وأمام قطع من السلاح العسكري المصري، في محاولة لإثبات الذات والحفاظ على صورة مصر كقوة إقليمية وإن كان الواقع يقول عكس ذلك سواء في اليمن أو في ليبيا أو حول سد النهضة مع إثيوبيا. فالمشاكل الاقتصادية التي تتخبط فيها الحكومة المصرية وأدائها السيء في مواجهة جائحة كورونا وما نتج عنه من احتجاجات داخلية شملت كذلك الأطر الصحية التي عبرت عن استيائها من وفاة الكثير من الأطباء نتيجة عدم توفر شروط الحماية من الوباء، تجعل دخول مصر في أي مغامرة مباشرة في التراب الليبي من شأنه تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد وقد تكون نتيجته مشابهة لإخفاق القوات المصرية في اليمن.
علما أن المشهد الليبي يعرف تدخل لاعب كبير له وزنه الدولي باعتباره عضوا في الحلف الأطلسي والذي شرع في محادثات مباشرة مع روسيا وأي اتفاق بين القوتين سيجعل الموقف المصري ضعيفا كما هو شأنه في ملف سد النهضة الأثيوبي، وسيعود الجميع لاتفاق الصخيرات الذي يُعتبر أرضية الحل السلمي لأي توافق سياسي في ليبيا يُكرس شرعية حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج ويضمن وحدة الأراضي الليبية ويُبعد دعوات الحل العسكري.





