الوزير مصطفى الرميد :من حقّ الدول تقييد بعض الحقوق والحريات حفاظًا على الحق الأساس الذي هو الحق في الحياة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

 

الطاهر الطويل

 

 لا تجد الحكومة المغربية أي خيار سوى تمديد «حالة الطوارئ الصحية». النقطة مدرجة في جدول أعمال المجلس الحكومي ليوم غد الخميس، وفي الغالب لن تستغرق المصادقة عليها سوى دقائق معدودات. التمديد ثم التمديد ولا شيء غير التمديد. أمر تعوّد عليه المواطن المغربي منذ شهور، واللائمة تنزل عليه وحده، بمبرر أن الكثير من الناس متراخون إزاء الإجراءات الاحترازية، وهذا ما أدى إلى التزايد الهائل في أعداد المصابين بفيروس «كورونا» وكذا أعداد الوفيات والحالات الحرجة؛ تقول البلاغات الرسمية. فيما يدق برلمانيون ناقوس الخطر بقوة حول أوضاع المستشفيات في الأقاليم النائية، وهي أوضاع ناتجة عن تراكم عقود من الإهمال والتهميش.

معاني التمديد

تمديد حالة الطوارئ الصحية معناه تقييد تنقلات المواطنين، ومنع التجمعات العامة، وكذا منح الضوء الأخضر للسلطات في اقتياد من تراه مخالفاً للطوارئ إلى المخافر والسجون (مع ما للاكتظاظ من خطورة في نشر الفيروس) وفرض غرامات مالية على كثيرين. ومعناه أيضاً تجاوزات «قد» تقع هنا أو هناك، في غفلة عن الرقابة والمحاسبة، ومعناه ثالثاً المزيد من تأزم الظروف المعيشية لفئات كبيرة من الشعب.
لذلك، كان «المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي» باعتباره هيئة دستورية ذات مهمة استشارية، واضحًا وحاسمًا عند الوصول إلى هذه النقطة في تقريره السنوي الجديد المرفوع إلى مقام العاهل المغربي محمد السادس؛ إذ قال بالحرف الواحد: «يجب أن تكون القيود والتدابير المرتبطة بحالة الطوارئ الصحية مؤقتة، وألا تصبح بأي حال من الأحوال قاعدة، لأن في ذلك تنافيًا مع روح وأحكام الدستور، أو أن تدفع في اتجاه ممارسات لا تُرَصّد مكتسـبات بلادنـا فـي مجال دولة الحق والقانون والحريات».
وفي هـذا الصدد، سيكون مـن الأنسب أن تعمل المؤسسات الدستورية المختصة في هذا الشأن (المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومؤسسة الوسـيط، وغيرهـا) والمجتمع المدني على تقييم التجاوزات المعزولة التي قد تكون حدثت في أثناء تطبيق حالة الطوارئ الصحية، والحرص على أن تتم العودة إلى الوضعية الطبيعية وفق ما يضمنه الدستور من حقوق وحريات؛ يقول التقرير السنوي الجديد.
لكن الوزير المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، المنتمي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، كان له رأي آخر، إذ ظهر في البرلمان أول أمس، كما لو أنه يرتدي جبته المهنية المتعلقة بمهنة المحاماة، حيث طفق يدافع عن الحكومة التي ينتمي إليها، في مواجهة انتقادات بعض نواب المعارضة، حيث قال إن ما توصلت به وزارته من شكايات يكشف أن التدبير العمومي للحريات في هذه المرحلة الصعبة شابه بعض مما يشوب كل تدبير في مثل هذه الظروف، واستدرك: «لكن يبقى على العموم مقبولاً، وليست هناك من مؤاخذات جوهرية وكبرى تُسجَّل عليه». واسترسل في حديثه الوردي قائلاً: «من حقّ الدول تقييد بعض الحقوق والحريات حفاظًا على الحق الأساس الذي هو الحق في الحياة، لكن ذلك التفسير ينبغي أن يبقى في حدود الضرورة، وهو ما حرصت عليه السلطات المغربية من خلال التدابير المتخذة، سواء منها التشريعية أو الإجرائية».
مثل هذا الكلام لا يمكن أن يمر مرور الكرام، خاصة من طرف بعض الفرق البرلمانية المعارضة، ولذلك جاءت مداخلة فريق حزب «الأصالة والمعاصرة» قوية وصريحة، تردد صداها في أكثر من موقع إخباري، فقد اتهم الحزب، من خلال نائبته البرلمانية زهور الوهابي، الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان، بعدم التجاوب مع الانتهاكات التي طالت الحقوقيين والصحافيين. كما عبّر عن تحفظه من منهجية المحاكمات عن بعد وما ترتب عنها من غياب ضمانات المحاكمة العادلة.
وانتقد الحزب تصوير بعض الأسر خلال تدخل السلطات المعنية بفرض الحجر الصحي، ونشر الصور في مواقع التواصل الاجتماعي، مما يعتبر انتهاكًا كبيرًا للحياة الخاصة.وأكد أن تقييد حريات المواطنين في حالة الطوارئ الصحية يجب أن يتناسب ووضع الطوارئ الصحية في العديد من المدن التي تسجل حالات إصابة قليلة بـ»كورونا».
في السياق نفسه، أكد حزب «الاستقلال» (المعارض) أن احترام الحقوق الاقتصادية في المغرب ينطلق من التوزيع العادل للثروة، وليس بالهجوم على مكتسبات الطبقة الوسطى.
وقال عمر عباسي (من الفريق البرلماني للحزب المذكور في مجلس النواب) إن الحكومة تثقل الطبقة المتوسطة بمزيد من الضرائب تحت عناوين مختلفة منها الضريبة التضامنية.
وسجل الحزب ما وصفه بالمساس بالسلامة الجسدية للمواطنين خلال جائحة «كورونا» مشيرًا إلى أن القيود المفروضة على حرية التنقل خلال الجائحة متفهمة، لكن وثيقة التنقل في بعض الحالات، وبعض الأقاليم والجهات، يعاني المواطنون من صعوبات ومن انتقائية في الحصول عليها، ما يدفعهم للجوء إلى الوساطات بهدف الحصول عليها. وانتقد البرلماني عباسي «الشطط في استعمال السلطة» خلال فترة الطوارئ الصحية، مضيفًا: «كنا نتمنى أن تقوم وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان بدراسة شاملة ودقيقة وعلمية حول حالة حقوق الإنسان في ظل حالة الطوارئ الصحية».

متابعات واعتقالات

ونعود إلى التقرير الجديد «للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي» لنتوقف عند معطيات ذات دلالة؛ يقول: «أدى فـرض تدابير الطوارئ الصحية إلى ارتفاع عدد الأشخاص الموقوفين بسبب خرق وعدم احترام إجراءات الطوارئ الصحية التي سجلتها قوات الأمن. ووفقـًا لأرقام أولية نشرتها المديرية العامة للأمن الوطني في بداية  أبريل، فقـد تم توقيـف ما يقارب 8600 شخص بسـبب عدم لامتثال للتدابير المفروضة. إضافة إلى ذلك، وفـي إطار مكافحة انتشار الأخبار الزائفـة، توبع 82 شخصًا لتورطهم في نشر معلومات كاذبة تتعلق بالجائحة».
يعلّق التقرير قائلاً: «أثارت هذه التوقيفات نقاشًا حول مـدى التناسب بيــن العقوبات ونوعية المخالفات ذات الصلة بحالة الطوارئ الصحية، ولاسيما العقوبات السجنية النافذة. كمـا أن الاعتقـالات المتبوعة بتدابيـر الحراسة النظرية أو الاعتقال الاحتياطي أو العقوبات السالبة للحرية من شأنها أن تؤدي في هذه الظرفية إلى الاكتظاظ في المخافـر والسجون، وهـو ما يشـكل عاملًا إضافيًا يسهم في تفشي الوباء».
في الموازاة مع هذه الملاحظات والنقاشات، ورغم أن الأرقام المعلنة حول تفتشي الجائحة لا تبشر بأي تحسن لحد اليوم، يبدو أن البعض أصبح يتعايش مع الوضع رغم إجراءات التشدد، وقد أعلن عشية أول أمس الاثنين، عن تسجيل 2526 إصابة جديدة بالفيروس و2788 حالة شفاء و64 حالة وفاة خلال 24 ساعة. وبذلك، رفعت الحصيلة الجديدة العدد الإجمالي لحالات الإصابة المؤكدة إلى 225 ألفاً و70 منذ الإعلان عن أول حالة في 2مارس الماضي، ومجموع حالات الشفاء التام إلى 187 ألفاً و101 فيما ارتفع عدد الوفيات إلى 3826.
ويبلغ مجموع الحالات النشطة التي تتلقى العلاج حاليًا 34 ألفًا و143 حالة، في حين يصل مجموع الحالات الخطيرة أو الحرجة الموجودة حاليًا في غرف الطوارئ والعناية المركزة إلى 842 حالة، 33 منها سجلت خلال 24 ساعة، في الوقت الذي بلغ فيه عدد الحالات تحت التنفس الاصطناعي الاختراقي إلى 66 والحالات تحت التنفس غير الاختراقي 477 حسب ما جاء في البيان اليومي لوزارة الصحة المغربية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...