جحا في قصر المُرادية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*سعيد الغماز

 

بعمامته الطويلة، ولحيته المهذبة كخيوط شمس أصيلة، يتجول جحا بعفويته المعهودة، في قصر المرادية. يمشي بخطوات غلب عليها التردد، لا هي عازمة على اقتحام القصر، ولا هي قادرة على الرجوع أدراج الرياح. المكان غير بريء، والحركات توحي بشيء عظيم، حل بالقصر المعلوم، جعله كالهم المكلوم. أراد جحا استعمال ذكائه البليد، فعقد العزم على معرفة ما يحدث في هذا المكان، من مصادر مطلعة، على دراية بما حل بالقوم وجعلهم في حالة استنفار. في مقهى مخصص للضباط، لمح جحا، رجلا وضع على صدره العديد من الأوسمة. توقف صاحب العمامة الطويلة، وأبصر مليا كل أطراف الرجل حتى صار يفكر برأسين. سأل الرأس الأول:

هل أجلس بجانب هذا الرجل الذي يشبه بلباسه القوم الذين يظهرون ليل مساء في التلفاز الأخضر؟

أجابه الرأس الأول: إنه رجل يبدو عليه الحزن، وقد يكون في حاجة لمن يتحدث معه، ليساعده على استرجاع أنفاسه. فتشجع واقتحِم عليه خُلوته. فهو وحيد، بعد أن تخلى عنه الجميع.
لكن جحا ظل مترددا، فسأل رأسه الثاني نفس السؤال.
أجابه الرأس الثاني: إنه رجل في حالة غضب شديد، وإذا جلستَ بجانبه، سمعتَ الكلام النابي، والسباب الفاحش، وربما تعرضتَ لأسوأ طرد في حياتك. فهو وحيد يتصرف كالغريق.
فكَّر جحا بذكائه البليد، فقرر الجلوس بجانب الرجل، مادام أسوء الأمور، طرد وسباب، وليس سجن واعتقال. ثم إنه لن يسمع في أفضل الأحوال، سبابا أكثر مما يسمعه الجيران، من فم الرجل المهموم.
ترجَّل جحا، نحو المقهى، وبدون استئذان، ألقى بجسده في الكرسي الفارغ، بجانب الرجل الوحيد. استوى جحا، وتبسم في وجه الرجل، ثم سأله:
– هل تعرفني يا صديقي الحميم؟
– نعم أعرفك، ومن لا يعرف جحا إلا أبله بليد.
سكت جحا، وقال مع نفسه: يبدو أن الرأس الأول كان على صواب. الرجل ليس سليط اللسان، وإنما هو حزين، يبحث عن أنيس، يتجاذب معه الكلام. وهذه خصال الرجل الوحيد الذي تخلى عنه الجميع.
شعر جحا أن الطريق سالك لمعرفة، ما الذي يحدث في قصر المرادية. لم تمض سوى هنيهة من الوقت، حتى دخل جحا في حديث مطول، كأنه بجانب رجل يعرفه منذ القدم.
– ملامحك سيدي، كأنها تقذف حمم الحزن. فما سبب ذلك؟ يتساءل جحا موجها الكلام للرجل.
– أنت جحا، أعلم بأمور الناس. فعلا أنا حزين، وحزين جدا.
– وما سبب هذا الحزن اللعين؟
– الجار الغربي، يا جحا، طبَّع مع إسرائيل، واصطفت أكبر قوة بجانبه لتجعل الصحراء تابعة لترابه، وجزء أبديا من موطنه.
– هذا أمر يهم جاركم، وما دخلك في الموضوع؟ ولماذا هذا الحزن؟ يتعجب جحا بذكائه البليد.
– أنت لا تعرف التاريخ يا جحا. فالجار الغربي، قام شعبه بالزحف نحو الصحراء، ونحن طامعون في منفذ على المحيط الأطلسي. فقمنا بخلق منظمة تقوم بالحرب نيابة عنا. صرفنا عليها الملايير من الدولارات طيلة أربعة عقود، دون احتساب….
يقاطعه جحا قائلا: أتقول ملايير من الدولارات، هذا كثير… إذا حسب فهمي أنا جحا البليد، فقد صرفتم أضعاف هذه المبالغ على بلدكم ومدنكم، وحالكم سيكون في أفضل الأحول لمزيد من الدعم لمنظمتكم في الصحراء، فلم الحزن إذا؟
بابتسامة عريضة ممزوجة بنكهة من التهكم قال الرجل: أنت لا تفهم في السياسة يا جحا. لم نكن نبني بلدنا، بل كنا نعيش من مواردنا الطبيعية ونصرف على منظمتنا في الصحراء حتى لا ينعم جيراننا بالاستقرار. ونشتري بأموالنا الأسلحة الغالية الثمن لنتفوق على جارنا الغربي ويخاف منا.
بملامح البليد الذي لا يفهم اتجاه الكلام، تحدث جحا قائلا: وما الفائدة من خلق متاعب مجانية للجيران؟
– أنت لا تعرف يا جحا، أن جارنا الغربي، يريد تطوير بنياته التحتية، وتنمية بلاده وتطوير اقتصاده، وراح يستثمر في العديد من البلدان الافريقية، وأصبح يفهم في صناعة السيارات والطائرات والطاقة الشمسية، وأصبح له ميناء من أكبر الموانئ العالمية، وهو أمر يُحرجنا مع شعبنا، ولا نملك أجوبة لتساؤلاته. فسياستنا قائمة على أساس أن يكون جيراننا أضعف منا، حتى نمتلك الإجابة المقنعة أمام شعبنا.
– ظننت أنني الوحيد في مخططات المكر والدهاء. لكن تبين لي، أنني أمام منافس يفهم أكثر مني.
ضحِك الرجل الوحيد، حتى ظهرت أسنانه الداخلية، وكأنه يُزكي مقولة جحا، ثم قال:
– عرفتَ الآن كيف عرفتُك في أول نظرة، وتجاذبتُ معك أطراف الحديث؟
– لكن قلت لي أن جاركم طبَّع من إسرائيل، فما دخلكم في هذا الموضوع أيضا؟
– نحن ندعم إخواننا الفلسطينيين، ونقف بجنبهم ضد الاحتلال، ولا نريد تشجيع التطبيع لأننا بلاد تقف بجانب التحرر ونريد فلسطين حرة.
جحا بعفوية ساذجة أسرع في الكلام: إذا كنتم تساندون إخوانكم الفلسطينيين، وقلتَ لي أنكم تشترون الأسلحة الباهظة الثمن، فأرسلوا هذه الأسلحة وحرروا فلسطين، وأبعد عنك الحزن اللعين. إني أريدك أن تكون سعيدا لكي تصير صديقي الحميم.
– أنت لم تفهم كلامي يا جحا، نحن نساند إخواننا الفلسطينيين في بلاغاتنا التي ننقلها في التلفاز، أما الأسلحة فهي موجهة لجارنا الغربي الذي يريد أن يحرجنا مع شعبنا بما يقوم به من أشغال لتطوير قدراته الاقتصادية. نحن لا نحب أن يتفوق علينا جيراننا.
– الآن فهمتك وعرفت قصدك. لكن لا زلتُ لم أفهم لماذا لا زلتم تصرفون أموالكم على منظمتكم الصحراوية، وشوارع عاصمتكم مملوءة بشباب يُطالب بالكرامة والعيش الكريم.
– تقصد الحراك يا جحا. نعم هو حراك موجود، ونحن نقول لهذا الحراك، إننا لم نستطع تلبية طلباتك لأننا نساد الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. فبلدنا له باع طويل، في معارك التحرير.
– جميل أن تساندوا شعبا في تقرير المصير، لكن شعبكم يطالب بدولة مدنية بدل الدولة العسكرية، فهل تمنحوه حرية تقرير المصير؟
– كعادتك يا جحا البليد، لم تفهم كلامي. أنا قلت لك أننا نساعد الشعوب الأخرى على حريتهم في تقرير المصير، ولم أقصد شعبنا في الداخل، فهو بعيد عن هذه المواضيع، ودوره هو ترديد ما يسمعه في تلفازنا المجيد.
بحرارة المُعجب، صافح جحا الرجل الوحيد، وقال له: تستحق أن تكون صديقي الحميم، وتَنْظَمَّ لعالم جحا البليد، بعد أن قذفَتْ بك متاهات التفكير العنيد، في عالم البلاغات والشعارات التي لا تُفيد، وعنادك جعلك في محيطك وحيد.

*باحث ومفكر مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...