سلسة المراجعات الحلقة الأولى (1) ” التصور والتصديق”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*بقلم : د. ربيع العايدي .

 

تهدف سلسلة المراجعات إلى مناقشة بعض المسائل الكلامية والفلسفية والمنطقية والفقهية والفكر الإسلامي عامة ، باختصار وتركيز، وهي نافعة للمهتمين بهذه المباحث لأنها تحتاج إلى مقدمات مسبقة حول المبحث المطروح .

إن الحديث عن ” التصور والتصديق ” من المبادئ العامة التي تطرق إليها العلماء من شتى الفنون ، ولكن تكييفه يختلف بحسب الفن الذي تم تناوله فيه .
فالمناطقة يهمهم هذا التقسيم للعلم المخلوق إلى تصور و يسمى” بالقول الشارح” ومنه الحد والرسم ، والتصديق يسمى “حجة”، ويندرج تحته القياس وغيره .
وقد عرفوا التصور: بأنه إدراك معنى مفرد ،كإدراك معنى زيد وإنسان …..الخ
والتصديق : إدراك وقوع نسبة . كإدراك وقوع القيام في قولنا: زيد قائم .
وباعتبار حكمه (الصدق أو الكذب) يسمى قضية .

وقد توهم بعضهم بأن تقسيم العلم الحادث إلى تصور وتصديق لا داعي له ! إذ يكفي تقسيمه إلى ضروري ونظري ! وهو غلط ،لأن فيه قلب للمعقول، إذ التقسيم باعتبار نفس الحصول، يتقدم على كيفية الحصول، أي ( الضروري والنظري ) .
واعترض أيضا على تعريف التصور بأنه لا حكم فيه : بأن التصورات لا تخلو من الحكم ، فتصورك غير المحكوم بنفي أو إثبات يعتبر نفيا ضمنا ؟
وأجيب: أن المقصود من غير حكم عليه ولا به ، أو تصور مقترن بعدم الحكم ، أو الذي لم يعتبر فيه الحكم لا الذي اعتبر فيه عدم الحكم ، يعني نظرنا إلى الإدراك التصوري من حيث هو .
وقد اعتبر الامام الرازي التصديق مجموع التصورات الأربعة ، وهي : ( الموضوع، والمحمول، والنسبة بينهما ،وتصور وقوعها ) وعند غيره من بعض المتكلمين والحكماء أن التصديق هو وقوع النسبة وقبله من التصورات هي شروط له .

وقد رد بعض المناطقة كما في “حواشي الشمسية “رأي الرازي في هذه المسألة لما يلزم عنه : من عدم تغاير التصور والتصديق حقيقة ، وتقسيم العلم إلى تصور وتصديق لامتيازهما كما هو معلوم .
وقد يكون اعتراضهم على كلام الرازي تاما، إلا إن حملنا كلام الامام الرازي بأنه: لم يقصد أن ماهية التصديق متقومة بهذه التصورات ، ولكنه أراد أن التصديق يتحقق ضمن هذه التصورات .
ماذا يترتب على تقسيم العلم الحادث إلى تصور ،وتصديق ؟
يفيدنا هذا المبحث المنطقي أيضا في نقاشنا مع “الفلسفات المثالية” ، وعلى اختلاف في تصويرها إلا أنهم يؤمنون : بأنه لا وجود للأشياء خارج إدراكاتنا التصورية ، وأما الاشياء الموضوعية خارج التصورات فلا وجود لها .!
هذه النظرية عند ( باركلي ) على الخصوص تلغي المعرفة الإنسانية .

ولكن كيف ومن خلال تقسيم العلم إلى تصور وتصديق يمكننا الكشف عن هذه المسألة الخطيرة وأثرها على المعرفة الدينية والمعارف الإنسانية عامة ؟!
إن ماهية التصديق الأساسية هي الحكم على الواقع والتصديق همزة الوصل مع العالم الخارجي ،لأن الصدق مرتبط بصدقه مع الواقع .
فالتصور هو إدراكنا المفرد للمعاني بعيدا عن الحكم ، فتصور الاشياء خال من الحكم عليها .
وأما التصديق : فهو نقطة التحول من التصور المفرد أو المجرد من النسبة الحكمية إلى الموضوعية المرتبطة بالواقع .
فالتصديق ويسمى بالحجة كما هو عند المناطقة ، حكمنا بوجود حقيقة معينة وراء كونها متصورة فقط .

وعليه فإن فهمنا للمعرفة التصديقية هو الذي يمكنه الرد على أمثال هذه الأفكار والفلسفات ،فالتصديق إدراك يكشف عن شيء خارج حدود التصور المجرد وهو النسبة التصديقية .
فحجة هذه الفلسفات كما نرى قائمة على الخلط بين التصور والتصديق .
فالتصديق يكشف عن وجود واقع للتصور ،وإن الضامن للتصديق بمدى ارتكازه على المبادئ الضرورية ، أو الكسبية والتي تحتاج إلى دليل لإثباتها .
فالتصور قد يحس بأشياء لا وجود لها ، وعليه فالتصور ليس كافيا للتصديق أو الحكم .
بقي علينا أن نجيب على قضية مهمة وهي كيف نفهم حصول التصورات البدهية في النفس البشرية مع أن الإنسان يولد وليس عنده علم بأي شيء سواء تصوري أو تصديقي ؟!
وهو معنى قول الله تعالى ” والله أخرجكم من بطون أمهاتهم لا تعلمون شيئا ”

وقد علق الإمام الرازي على هذه الآية في تفسيره فقال : ” أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله ،فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم ”
وكلام الرازي يكون مقبولا في العلوم النظرية وان الإنسان استفادها بالكسب ولكن كيف يجيب بالنسبة للعلوم البدهية ؟
ويجيب الرازي فيقول : ” إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس ..”
وكذا أفاد الطاهر ابن عاشور في تفسيره فقال : ” وذلك أن الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسه تنقل الاشياء تدريجيا …”
وهذا ما عبر عنه بعض المتكلمين بأن النفس تكون مهيئة بالقوة للعلوم الضرورية والنظرية .
ويظهر مما مضى بأن الفطرة لا تعني الإسلام ، لأن الإسلام بلا شك مجموع علوم تصورية وتصديقية .وعليه فالفطرة : قابلية الإنسان بالقوة للعلوم والمعارف الضرورية والنظرية .

وبهذا يبطل ادعاء” المجسمة” و”المشبهة” الذين يعتبرون الفطرة دليلا من أدلة العقائد فيتوهمون أن فطرتهم تؤكد وصف الله بصفات البشر من الجسمية، والتركب ، وان له تعالى مكانا على عرشه، ويثبتون اليد والساق، والجنب ، الخ .. على حقيقتها اجزاء في الله تعالى والعياذ بالله . !!!
وكل هذه الاعتقادات الفاسدة من المجسمة والمشبهة تناقض صريح القرآن والسنة والدلالة على وتنزيهه تعالى عن مشابهة خلقه .
انتهى .
*ويليه الحلقة الثانية ( 2)
الحقيقة مطلقة أم نسبية ؟!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...