ضحايا الأوهام

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*عبد الله مشنون

 

 

مسكين ذلك الإنسان القابع في مخيمات تندوف وما جاورها على مدى أربعين سنة، وهو يتغذى صباح مساء على سموم الوهم والتضليل. مسكين وهو يكتشف أنه كان مجرد أداة بيد حفنة من المنتفعين المتاجرين بمآسي البسطاء وأنه، في مخيمه لا يتمتع بأدنى شروط المواطنة والكرامة… وأنه محتجز هو وأبناءه وأحبائه… وأنه غير منتمي لشيء معترف به، بل انتماءه ليس إلا للضياع والبؤس والبعد عن أسباب السعادة والعيش الكريم.

مسكين وهو يسمع في إذاعات الكذب ويشاهد في إعلام الضباب، الانتصارات المزعومة لجبهة الذل وهي تدك حصون وقلاع القوات المغربية في الصحراء، ليكتشف والعالم معه مدى وقاحة هذا الإعلام الموجه من قصر المرادية بالجزائر. تلك الانتصارات والمعارك الطاحنة ليست سوى مسرحية تدور على خشبة تندوف… مسرحية من إخراج قصر المرادية وتمثيل “قادة” أطروحة الانفصال، ويلعب فيها دور الكومبارس المحتجزون في المخيمات بأمر من الجنيرالات. لكن هؤلاء الجنيرالات لا يعرفون أنها مسرحية بدون جمهور وكراسي المتفرجين كلها فارغة حتى من ساكني تندوف، لأن الانتصارات المزعومة، ليست سوى في مخيلة من ابتدعوها وسوَّقوا لها وحرَّضوا عليها واصطلوا وحدهم بنارها وصاروا أضحوكة لدى القاصي والداني.

مسكين وهو يرى “جيشه “الباسل وقد تحول أفراده الى قُطاع للطرق وعصابات لا تحسن الا الفرار. ومنتهى قوتها أن تطلق نحو الكثبان الرملية المنيعة، بضع رشقات بئيسة وتعد ذلك نصرا مبينا، تتغنى به وتحتفل وتقيم مهرجانات التهييج والفرقعة الفارغة.

مسكين وهو يرى أن المساعدات المرسلة اليه من هنا وهناك تقع في يد عصابة محترفة من “قادته” الذين اغتنوا ببيعها في الأسواق المجاورة ولا زالوا يستجدون الهبات والأُعطيات باسم المحتجزين.

مسكين وهو يرى ما آلت إليه الأوضاع في حواضر الصحراء المغربية من تقدم وتنمية وأمن واستقرار واستثمارات ضخمة واهتمام متزايد من قبل قوى اقتصادية عظمى، في الوقت الذي لم تزد فيه دولة الوهم خطوة إلى الأمام بعد ما يزيد عن أربعين سنة ولم تحقق أدني متطلبات العيش اللائق له ولأمثاله من المحتجزين.

لقد فتح المغرب لأبنائه المُغرر بهم باب العودة والانخراط في قطار التنمية وخدمة الوطن. العالم بأسره اقتنع إلا الجزائر، بأن لا حل للصراع حول الصحراء إلا في اطار سيادة المغرب على أراضيه كاملة، وأن من يدعي ويسوق ويدعم غير ذلك فإنما يتبع السراب ويضيع فرصة التعاون والتكاثف وخلق تكتل إقليمي قوي على مستوى جنوب البحر الأبيض. وما فتئ جلالة الملك يدعو إلى هذا التكتل في العديد من خطاباته ويمد يد الود والمصالحة والحوار البناء نحو الجزائر. ولكن كعادته، يفضل النظام الجزائري الهرِم، الذي لا زال يعيش الدور الذي لم يوكله إليه أحد إبان الحرب الباردة، وذلك بالمعاداة غير المبررة والدائمة للمغرب واستحضار أحداث ومواقف لم يعشها ولا يعرفها معظم شباب البلدين، ولا تهم حاضره أو مستقبله في شيء.

فأوروبا مثلا قد طوت ملفات الحروب والصراعات بين بلدانها، ولولا ذلك لما وصلت إلى هذا الاتحاد والتكتل الاقتصادي والاجتماعي القوي. في حين أن النظام الجزائري -الظاهر منه والخفي- لا زال يعزف نفس الأغنية النشاز ويردد إعلامه نفس الأكاذيب المرفوضة حتى من شعبه الذي تم قمع حِراكه وتكميم أفواه الصادحين بالحرية والكرامة والدعوة الى فتح الحدود مع المغرب.

ليست أوروبا وحدها من طوت ملفات الصراعات والحدود، بل كل بلد يريد امتطاء قطار التنمية، ويسعى لخدمة مستقبل شعوبه، يعمل جاهدا على توطيد التعاون مع الجيران وتغليب منطق التعاون على منطق النزاع. هذا ما قامت به إثيوبيا حين شرعت في تحقيق أهداف تنمية البلاد، فتعاونت مع جارتها إريتريا وتمكنت بذلك من طي صفحة صراع حدودي وحرب دامت لعقود. وها هي الآن تعمل على تشغيل أكبر سد في إفريقيا وإنتاج أكبر كمية من الطاقة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الباقي. بعيدا عن إفريقيا، ها هي دولة الفيتنام في آسيا، حين انتبهت للفقر الذي يعيش فيه السكان، وأعدت نموذجها التنموي، أول شيء قامت به هو حل خلافها وصراعها الأيديولوجي مع جارتها الكمبودج. والنتيجة هي طي حقبة الصراع بين البلدين، وتوفير أموال السلاح لتنمية البلاد.

لو كان لجنيرالات الجزائر رؤية تنموية، وحسا وطنيا لخدمة الشعب الجزائري، لبادروا إلى الاعتذار للمغرب وللمحتجزين في مخيمات تندوف، لطي صفحة الماضي من أجل بناء المستقبل. لكن لا يبدو في الأفق أي شيء من هذا القبيل، ولا زال جنيرالات قصر المرادية، يروجون البهتان في صفوف محتجزي تندوف ضحايا الأوهام. أما الشعب الجزائري، فقد فطِن لذلك وسار في طريق الحراك.

المغرب يمد يد التعاون للجارة الجزائر، وهذه اليد الممدودة هي في صالح الشقيقة الشرقية أكثر من المملكة المغربية، لأن المغرب شق طريق التعاون والتنمية مع عمقه الافريقي في إطار استراتيجية تعاون جنوب-جنوب وفق منطق رابح-رابح. ذلك هو سلوك من يسعى لتنمية البلاد وخدمة العباد، وعلى جنيرالات الجزائر الاختيار بين ركوب قطار التنمية والاستفادة من التجربة المغربية في الاستثمار والتنمية، وبين خيار “الحكم الذاتي أو لا شيء”.

*إعلامي كاتب صحافي مقيم بإيطاليا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...