أوكرانيا والرسائل الأمريكية.. حذارِ من الغضب الروسي.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

حقيقة الأمر، من الصعب الوقوف على جدلية وإشكالية الصراع الدولي بمختلف جزئياته، ومن الصعب أيضاً تخيل أنّ يتوقف الصراع على النفوذ عند حد معين أو شكل بعينه، خاصة أنّ جميع القوى الدولية منهمكة في صراع بارد لكنه شرس، بُغية تحقيق جملة لا متناهية من المصالح والسيطرة على مناطق نفوذ جيو-استراتيجية، فضلًا عن جزئية تصفية الحسابات ما بين قُطبي العالم روسيا والولايات المتحدة، وعليه فإن أوكرانيا تُعد حلقة من سلسلة طويلة من أبجديات الصراع بين روسيا بوصفها خليفة الاتحاد السوفيتي، وبين الولايات المتحدة بوصفها امبراطورية لا متناهية من القوة والنفوذ، وبين هذا وذاك تُدار أبجديات الصراع بين موسكو وواشنطن في ساحات تحظى بأهمية استراتيجية لكلا الطرفين.

في الأزمة الأوكرانية، تتدحرج التطورات إلى بُعد غاية في الخطورة، فـ على مدى الأيام الماضية أخذت ترتفع حرارة الأحداث، بعد هدوء ظاهري في ظل تحركات للجيشين الروسي والأوكراني على الحدود، ما دعا مارك ميلي رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة لمهاتفة نظيريه الروسي فاليري غيراسيموف والأوكراني روسلان خومشاك، الذي أوضح أنه جرى نشر 28 ألف مقاتل انفصالي وألفي مستشار عسكري روسي شرق أوكرانيا. ومن جانبه أكد نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو أن كل الأحاديث حول نزاع محتمل بين الدولتين غير صحيحة، لكن في عمق هذا المشهد، تبدو جلية أصابع التدخل الأمريكي، خاصة أن ظهور الجيش الأميركي قرب حدود روسيا يرفع منسوب التوتر والاضطراب، الأمر الذي ترجمه الكرملين عبر تصريحات لافتاً في مضمونها إلى أن ذلك ينطوي على مخاطر عمليات قتالية واسعة، قد تكون “بداية النهاية” لأوكرانيا، ويبدو واضحًا أيضًأ أن الإدارة الأمريكية على اعتبار أنها “زعيمة” حلف الناتو، تسعى إلى التمدد في دول الفضاء الروسي، بُغية إضعاف روسيا وزعزعة استقرارها، فضلًا عن محاولات كبح صعودها على المستوى الدولي، الأمر الذي وضعه مراقبون في إطار بوادر حرب بين روسيا وأوكرانيا بدافع أمريكي.

من المهم الإشارة، إلى أنه في عام 1835 كتب الكيسي دي توكفيل إن عقدة العلاقات الأميركية – الروسية سوف يظل يصنعها دائماً التاريخ والجغرافيا معاً، مؤكداً أنه يوجد في العالم أمتان عظيمتان هما الروس والأنغلو – أميركيون تنطلقان من نقاط بدء مختلفة، ويبدو أنهما تتقدمان نحو الهدف نفسه، ويبدو أن كلاً منهما مدعو من قبل العناية الإلهية ومن خلال رغبة سرية لكي تمسك بيديها مصائر نصف العالم.

“مقولات توكفيل” تعني أن الصراع بين الروس والأميركيين شبه محتوم؛ لاختلاف توجه كل منهما والصراع على مناطق النفوذ، غير أن هذا الصراع قد ينتهي إلى اقتسام العالم بينهما. نبوءة توكفيل تحققت بالفعل، بانتهاء الحرب العالمية الثانية عندما كان العملاقان الأميركي والروسي (السوفياتي) يشكلان القوتين العظميين اللتين تقتسمان العالم كمناطق نفوذ. لكن بانهيار الاتحاد السوفياتي في كانون الأول 1991، أصبحت واشنطن قوة وحيدة مهيمنة، وتوارت روسيا في الظل تلعق جراحها، خلال عصر بوريس يلتسين، واعتبرها كثيرون مجرد قوة إقليمية، تحاول الالتحاق بالغرب، حتى أتى بوتين إلى الكرملين فتغير كل شيء، وما بدا انهياراً في روسيا كان في حقيقته استراحة محارب.

التحركات الروسية وكذا تصريحات الساسة الروس، تؤكد بأن روسيا تتبع استراتيجية واضحة لإعادة ترتيب موقعها في عمقها الجيو-استراتيجي، وهي بذلك تُهندس أرضية صُلبة لتفعيل هذه الاستراتيجية عبر جُملة من السياسات، أولها التأكيد بأن جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق تُعد مجالاً حيويًا لموسكو، وثانيها وضع محددات لمنع العبث بهذا المجال الحيوي من قبل أوروبا أو واشنطن، وثالثها نسج علاقات قوية مع مختلف دول الاتحاد السوفيتي السابق لمنع بناء واشنطن جدران عزلة بين تلك الدول وموسكو.

في المحصلة، لا يُمكن لاحد أن يُنكر بأن طبول الحرب تُقرع في أوكرانيا بأدوات أمريكية، لكن وفق نظرة منطقية، فإن أوروبا تسعى بشتى السُبل إلى سحب فتيل الصراع، بُغية منع انفجاره لأن تداعياته ستصيب دول الاتحاد الأوربي فقط، فضلا عن أن روسيا القوة الاقتصادية التي تراها أوروبا حاجة ضرورية لا يُمكن الاستغناء عنها تحت أي ظرف، من هنا يقود الثنائي الألماني – الفرنسي جهود الوساطة منذ اتفاقات مينسك عام 2015، بُغية تبريد الملفات الساخنة من جهة، ومن جهة أُخرى بُغية ابقاء القارة العجوز بمنأى عن أي استراتيجيات أمريكية مُدمرة، لكن رغم ذلك، تبقى السياسة ترتكز على أبجديات البحث عن المصالح ومناطق النفوذ، وتبقى أيضا حُبلى بالتطورات التي ستظهر تباعا خلال الأيام القادمة، لجهة الصراع في أوكرانيا، وارتباطات هذا الصراع بمعادلات جديدة تؤطر حالة الكباش بين موسكو وواشنطن.

*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...