أحمد براو
قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: “إنها سورة لو لم ينزل من القرآن إلى الناس إلّا هي لكفتهم” وكأنه يقصد أنها جاءت في غاية الإيجاز والبيان، لتوضيح سبب سعادة الإنسان أو شقاوته، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه.
قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ*}.
السّورة مكِّيّة، آياتها ثلاث، وكلماتها أَربع عشرة، وحروفها ثمانٍ وستون، وسمّيت بِ العصر؛ لمفتتحها.
قال ابن عاشور رحمة الله: عن عبيد الله بن حصين قال “كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلاّ على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر”. أي ليبقيا متيقظين.
وجاء في صفوة التفاسير للعلامة الصابوني رحمه الله مفسرا سورة العصر: حكم الله تعالى بالخسار على جميع الناس إلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهى: الإيمان والعمل الصالح والتواصى بالحق والتواصى بالصبر فإن نجاة الإنسان لاتكون إلا إذا كمل الإنسان نفسه بالإيمان والعمل الصالح وكمل غيره بالنصح والإرشاد فيكون قد جمع بين حق الله وحق العباد وهذا هو السر فى تخصيص هذه الامور الأربعة.
(والعصر، إن الإنسان لفي خسر) فأقسم الحق سبحانه بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب والعظات والعبر على أن الانسان فى خسران لأنه يفضل العاجلة على الأجلة وتغلب عليه الأهواء والشهوات.
– (إلا الذين آمنوا) يستثني سبحانه وتعالى من هذه الخسارة الذين آمنوا إي صدّقوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بجميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وأكملوا هذا الإيمان القلبي بتصديق الجوارح والعمل بمقتضياته، فآمنوا بالله وملائكته، وكتبه ورسله، ويوم البعث والرضا بالقضاء والقدر، وهذا ما ينعت بالإيمانيات، والمطلوب العمل على تجديد هذا الإيمان وتقويته والحفاظ عليه.
– (وعملوا الصالحات) أي أتوا بالأوامر ما استطاعوا وانتهوا عن جميع المنْهيات، فأطاعوا الله ورسوله والنور الذي أنزل معه أي القرآن الكريم وطبقوه في حياتهم وجعلوه لهم دستورا ومنهاجا ودليلا، وتنقسم الصالحات لأقسام وهي: أربعة العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاقيات.
فالعبادات هي الصلاة والصيام والزكاة والحج وكل ما يتعلق بهذه الفرائض من شروط وأركان لصحتها كالطهارة والنية والخشوع والإخلاص والنسك والذبح والمال الطيب، ثم الذكر والتلاوة والدعاء والتأمل…
وأما المعاملات فهي ما يتعلق بمعاملة الإنسان لغيره من الناس في كل شعبة من شعب الحياة العملية التي يحتاج فيها للأخذ والعطاء، والبيع والشراء، والدين والقضاء، بحيث يؤدي الحقوق بأمانة ويحسن العمل ولا يغش أحدا، سواء في التجارة أو الإجارة أو الوظيفة أو التربية وكل العادات التي يتعامل فيها مع الفرد والجماعة.
وأما المعاشرات، فامتثالا لقوله تعالى: “وعاشروهن بالمعروف” أي بالحسنى ولين الحانب وطيب الكلام وهذا للزوجة والأولاد والوالدين والإخوة والجيران، وأن يتعامل مع الأقارب ومع الناس باللطف والسماحة في كل الأمور التي تعود بالخير والنفع لمن هم يستحقون المعاشرة والمعاملة الحسنة، والتي تجعل الإنسان المثالي الذي هو حسن المعاشرة لأقاربه وللآخرين يتحاشى الكذب أو الإحتيال والخداع والغش وغير ذلك من الصفات المذمومة، لكي يكون محترما ومحبوبا لديهم.
ثم الأخلاقيات التي تعني تزكية النفس وهي مقصد الرسالة والبعثة “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” فالعبد إذا أصلح بينه وبين الله بالتقوى فعليه أن يصلح بينه وبين الخلق بحسن الخلق. وذلك بالتواضع والحلم والعدل والرفق والعفة والإيثار وغيرها.. قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس “إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة”. وبين ابن المبارك رحمه الله معاني الأخلاق الحسنة قائلا : هي “طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى”.
– (وتواصوا بالحق) أي أوصى بعضهم البعض بلزوم الحق وعدم الإنحياد عنه وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته، واتباع كتبه ورسله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. قال تعالى “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون” وكما جاء الصبر هنا مع اليقين ومع الأمر بالمعروف طلبا للهداية، ومثله وصية لقمان لابنه بعد أن نصحه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله “واصبر على ما أصابك”، ختم الله هذه السورة بالتواصي بالصبر.
– (وتواصوا بالصبر) والصبر نوعان: صبر على المصائب بدون جزع أوتشكي لكل ما يصيبك جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصبر على الدعوة أي القيام بها على أكمل وجه وعلى علم وبصيرة وإخلاص وتفاني





