الدعاء الغير المستجاب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور شنفار عبدالله(*)

 

 

ننطلق في تحليل هذا الموضوع من هذا السؤال المنهجي ونقول: ما هي أنماط ودرجات التفكير في خطاب الحقد والكراهية لدى البعض من الناس؟
ونجيب من أجل مقاربة هذا الموضوع المتعلق بتنامي أنماط خطاب الحقد والكراهية الذي يمكن اعتباره احدى المؤشرات الأولى لكل أساليب الارهاب؛ بأن هناك عدة أنماط من التفكير وعدة درجات لخطاب الحقد والكراهية السائد في المجتمعات، والتي من خلالها يمكن تحديد أنماط ودرجات إرهاب الناس لبعضهم البعض.

نجد هناك من يكره إنسانًا ويضمر له الحقد والكراهية في قلبه ولا يبديها له؛ بحيث يكتفي برفع أكف الضراعة فيدعو عليه بالهلاك؛ كما هو الشأن لدى بعض مشايخ وخطباء المساجد عند نهاية خطبة الجمعة أو عقب دبر كل صلاة أو مناسبة دينية.
سألت صاحبي الذي ألفت أمزح معه؛ عزيز عندي وأكِنُّ له الكثير من الحب والتقدير والاعتبار والاحترام؛ فقلت له لماذا لدى بعض مشايخ وخطباء المساجد عند نهاية خطبة الجمعة أو عقب دُبر كل صلاة أو مناسبة دينية؛ تسمعه يختم بهذا الدعاء المقيت بالتهلكة: “اللهم شتت شملهم؛ اللهم يتم أطفالهم؛ اللهم رمل نساءهم؛ اللهم اجعل أموالهم ونساءهم غنيمة للمسلمين!!”
ومن أشد الأمور غرابة أن تجد الناس يرددون وراءه بحماسة كبرى كلمة: آآآمِين!!؟؟
فقال لي: “والله أصلًا أنا وجدت الشيخ فلان يقوله فاتبعته!”
قلت له لنفرض -مع أنه مستبعد جدًا الاستجابة لهكذا دعاء بهلاك البشرية جمعاء- حصل وهلك رجال ورُمَّلت نساء ويُتِّم أبناء ومُحِق هؤلاء كلهم؛ وتم حشد كل آلات وشاحنات الدول المتقدمة وتم دفنهم قبل أن ينتشر ويعم الوباء؛ لكن من سيتزوج كل تلك الجحافل من النساء الأرامل!؟ ومن سيطعم كل هؤلاء الأطفال اليتامى!؟

قد يكون منطقيًا لو خص بالدعاء الظالمين أو المفسدين في الأرض؛ لكن أن يشمل الدهاء التهلكة لأمم بكاملها؛ هذا أمر خطير ويثير الاندهاش والاستغراب؛ ويؤدي إلى ردود فعل متفاوتة؛ حيث يعتبر من مؤشرات الارهاصات الأولى للإرهاب في العالم.
وهناك نمط آخر ودرجة أخطر من الكراهية؛ وهي أن تكره إنسانا وتستمر في إلحاق الاذى به إما؛ باللفظ أو التهديد والوعد والوعيد؛ دون تنفيذ ذلك.
وهناك نمط من الخطاب ودرجة أشد وأعلى من الكراهية وهي أن تكره إنسانًا، فتشرع في أذيته بالفعل وقد يصل الأذى إلى حد القتل.

ومن أشد أنماط خطاب الكراهية وأعلاها درجة على الإطلاق؛ هي لما يطال خطاب الكراهية مجموعة من البشر أو البشرية من الأمم جمعاء دون تمييز بينهم؛ حيث يحدد مفهوم الشجاعة لدى البعض من هؤلاء في تفعيل حزام ناسف، فيقرر قتل أكبر عدد من الناس الأبرياء والذين لا يعرفهم ولا يعرفونه حتى. وهذا ما يفعله الانتحاريون الارهابيون. لكن لماذا يفعل هؤلاء كل هذا؟
والجواب بسيط: فهو يفعل ذلك لا لشيء؛ فقط لأنهم يختلفون عنه في المذهب والأيديولوجيا والفكر والملة أو الدين والعقيدة والمعتقد أو العرق. هذا، ويمكن أن يطال القتل أكبر عدد من الناس حتى لو كانوا داخل أحد المساجد عقب صلاة الجمعة أو صلاة الجماعة.

ومن أشد الاسئلة المربكة للعقل درامية؛ هي لما يموت كل هؤلاء ويعم الوباء وتصبح زوجات هؤلاء أرامل وغنيمة للمسلمين! هل في استطاعة المسلمين دفن كل هذا الكم الهائل من الجثت؟ هل باستطاعتهم الزواج بكل هاته الأرامل؟
إن التحضر والقيم والإيمان بالفكر المغاير والكرامة الوجودية للإنسان؛ فهم حديث، يتنافى وأنماط التفكير الرجعية والظلامية بنشر الحقد والكراهية في صفوف الناس.
فهم العالم الذي نعيش فيه؛ احدى أزمات الفكر الاسلامي المعاصر؛ فنحن لم نستوعب العالم الذي نعيش نحن فيه.
فالمخدرات والمسكنات الكلامية في الخطاب؛ لا تحل أبدًا قضايا الشعوب والأمم ومشاكل وهموم الناس؛ بل الأفعال والحلول؛ هي من تجعل منهم أناسًا مقبولين لدى الآخر.

مجتمعاتنا تراكم أطنانًا من العداءات تجاه شعوب وأمم أخرى؛ عوض بناء جسور المحبة والتواصل؛ معتقدة بذلك أن الآخر يعيرها أهمية ومنشغل بها، في حين هو قد لا يعتبر لها وجودًا أصلًا؛ إلى أن تثير هي بنفسها انتباهه فيعقد لها الحزم وردة الفعل من طرفه حينذاك تكون جد موجعة؛ بعدما كان ينظر إليها أنها ربما تعاني مجرد أزمات ولعلها تحتاج إلى من يساعدها للخروج منها.

مفهوم الكرامة الوجودية للإنسان عرف تطورًا في الفعل والأداء؛ ولقد كرم الله بني آدم؛ حتى وإن سجله كان لازال خاويًا صفرًا. فبعد أن سواه ونفخ فيه الروح؛ أمر الملأ الأعلى بالسجود له تعظيماً وتكريمًا وتشريفًا له حتى وأنه لا زال لم يقدم شيئًا في الوجود والكون.
وبالتالي حرر الإنسان من اللعنة الأبدية التي اعتقد التفكير الديني القديم قبل الإسلام أنها تطارد بني البشر بعد الخطأ المرتكب بأن عصى آدم وحواء ربهما بالاقتراب من شجرة أمرا بألا يأكلا منها. ففي قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ). فيها تحرير من مطاردة اللعنة البشرية.

وفي المقابل الآخر، نجد من أشد الأفكار غرابة؛ أن بعض حاملي فكر الكراهية والتطرف؛ يرددون قولًا: “نحن والجائحة معاً للإطاحة بالأنظمة القائمة!” وهم سواسية في ذلك؛ فالفكر الماركسي أصبغ على أيديولوجيته مفهوم النظرية العلمية واعتبر ميكانيكا التاريخ شيء بديهي الوقوع وبمجرد اتحاد عمال العالم فينهضون ويقضى على الطبقة البورجوازية.
أما بعض المتشبعين بالفكر الديني الإسلامي؛ فيزعم أن خطته وفهمه يطابق خطة وفهم الإله وأنه الوحيد الذي يتوفر على النسخة الأصلية للحقيقة الدينية؛ والآخرون لديهم مجرد نسخة مزيفة. وكأنه اطلع على اللوح المحفوظ واسترق السمع وعرف خطة واستراتيجية الإله.

كذلك فكر الرأسمالية أو الحد الأقصى القائم على التنافسية وطحن الآخر في إطار لعبة تحكمها سقف قواعد السوق دون الأخذ بعين الاعتبار المشترك من الأخلاق والقِيَّم. وهنا يمكن القول بظهور الأعراض المرضية على مفهوم الديمقراطية كعلة تحملها بداخلها؛ تندر باقتراب نهاية عالم وتوجهات إيديولوجية؛ حيث أصبح استدعاء الديكتاتورية أحيانًا لقهر شعوب وأمم أخرى؛ من أجل تحقيق الرفاه لشعوبها على حساب الأولى؛ وهو أمر واقع ويحصل كل يوم بين الدول. (التهافت على اقتناء أدوية ولقاحات كورونا نموذجًا.)
فبقدر ما نفعل؛ فإننا نصنع التاريخ؛ فعلى الأقل؛ ليكن تاريخًا مليئًا بالأمجاد؛ لا تاريخاً مشوهًا مليئًا بالكراهية وبالأحقاد؛ تكون الأجيال القادمة مضطرة إلى الحجب والحذف والزيادة والنقصان منه وفيه لستر عيوبنا.

(*) مفكر وكاتب مغربي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...