الاستقلال في جزائر ما بعد الاستعمار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*نور الدين ثنيو

 

ورود مُفردة الاستقلال في خطاب الحراك الجزائري، يعني من جملة ما يعني تحرير الإنسان الجزائري من حكم قيادة الأركان والأجهزة الأمنية، من أجل ارتياد مكانة المواطن العادي في الوطن وفي العالم. وبتعبير آخر يفيد المعنى ذاته، أن الاستقلال الذي يريده الحرَاكِيون، في ساحات وفضاءات المدن الجزائرية، وبعض العواصم العالمية، حيث توجد الجالية الجزائرية، هو التصدي الواعي لسياسة المخاطر، والمجازفات العمياء، التي تبنتها السلطة للبقاء في الحكم والتمادي فيه. فالسلطة القائمة تعاني من إفلاس رهيب من الشرعية، أكدتها الشواهد في أكثر من استحقاق انتخابي، كان آخرها الاستفتاء على دستور الرئيس الجديد ونظامه.

الاستقلال، كما يُطْرح اليوم في سياق الحراك الجزائري، هو تحرير الشخصية الاعتبارية للدولة الجزائرية، من وَرَمِ ضار وقاتل في صلب ونواة السلطة الحاكمة. فالشخصية الاعتبارية لا تظهر معاناتها للجميع، لأن الأفراد يمارسون في الظاهر حياتهم بشكل يعتقدون أنه عادي، لكنه ليس عاديا لدى من يتحلى بالوعي الكبير، الذي يتداعى له كيانه وكينونته، لمِا يصيب الشخصية الاعتبارية للدولة، حتى على سبيل التصور والتطلع إليها، لأن الطريق الذي التمسته السلطة لا ينم عن أي مخرج من الأزمة، بقدر ما يعني الإمعان في غي الفساد، على ما جرى للرئيس السابق المعزول. فقد وقف الجميع على إمكانية رئيس جثة يحكم بلداً لعقد كامل فقط لأن جثته تغطيها الشخصية الاعتبارية للدولة، وتُصْرف عن وعي الجماهير مَوَاطن المرض والوهن في هذه الشخصية، لأنه متعود على التشخيص الطبي للشخصيات الطبيعية، فيكفي أن تسكت على الشخص المريض، لكي تفصح عن سلامته الشخصية الاعتبارية لمؤسسة الدولة.

الاستقلال يعني تحرير الجزائري من حكم قيادة الأركان والأجهزة الأمنية، من أجل ارتياد مكانة المواطن العادي في الوطن وفي العالم

وهكذا، فإن مفردة الاستقلال، كما يجري التعامل معها في الشارع الجزائري، هي مفهوم برسم أن يتطور ويغطي، ليكشف كل مظاهر وظواهر النظام القائم، الذي لم يعد له ما يقدم، ولا يقوى على التفكير في المشاريع والبرامج، ولا يحسن حتى إدارة وتسيير ما بقي له من» تصريف أعمال» فمع الوقت يظهر النظام في حالة ضياع وفقدان للبوصلة، يعاني ليس من حالة إفلاس، ومن حالة مرضية مقعدة، لا تدركها إلا أجهزة المعالجة والكشف، التابعة للمؤسسات الدولية، التي وضعت الوصفة للشرعية الدولية، أي معايير استحقاق العضوية السليمة في الحياة الدولية المعاصرة، التي لا تحفل إلا بدور المؤسسات الشرعية الوطنية والدولية معا. الاستقلال يأخذ مجراه في الجزائر في سياق حراك سلمي، يكشف يوميا مدى هشاشة مؤسسات البلد وضعفها ومرضها المزمن، الذي يعيقها عن أي تحرك، كل شيء آل إلى عطالة وجمود وشلل. هذا الجانب الذي يظهره الحراك جهة النظام الخائب، بينما من جانبه هو، أي الحراك نفسه، فلا يزال يقدم التجربة الرائعة وهي سِلْمِيته وسلامته ومسالمته، رغم الأعاصير التي تحفه من قبل السلطة، ونقصد تربص البلطجة، التحرش الأمني، الاستفزازات، الاعتقالات البوليسية والقضائية، والمصادرات والمنع وحتى الاحتقار الذي يداني العنصرية في بعض النواحي والمناطق، كالتمييز في الترخيص للتظاهر لبعض المدن، ومنعها عن مدن أخرى. عندما تبالغ السلطة في الحكم بدون وجه حق شرعي، معتمدة على خطاب آفل لم يعد من وحي لحظة الاستقلال الحقيقي للجزائر، أي عصر التنمية الشاملة للبلد، وتدبير المؤسسات العامة، وصلته بالشعب في أوسع قطاعاته، وفي علاقته بالعالم، بالقدر الذي تتجاوب مع استحقاقات المؤسسات الدولية، والروح الأخلاقية التي وصلت إليها الدول المتقدمة، ومنها ما كان أقل إمكانية من الجزائر.

لا يكف النظام المتهالك والمتآكل عن توظيف خطاب ثوري ظافر، يعود إلى عصر الاستعمار الفرنسي للجزائر واستغلاله الاستغلال البشع. والخطر، كل الخطر على الجزائر، متأتٍ من التمادي في توظيف خطاب مناهض للاستعمار، لم يعد موجودا، والعناد فيه سوف يؤدي حتما إلى النيل من الاستقلال الحقيقي للجزائر، ويحدث لها ما لم يكن في الحسبان والتقدير، وأغلب ما يمكن تقديره وتصوره هو إذكاء روح الانفصال وعدم الانتماء، بل حتى الاستقلال، على ما نلحظ في الإرهاصات الأولى التي خلفتها استحقاقات انتخابية خائبة، كشفت عن مدى إفلاس نظام الحكم ونفاد ما في جعبته، آل به الحال إلى الأخذ من الرأسمال المعنوي والتاريخي والرمزي للدولة، ومن مصاريفها الاحتياطية. فمن طبيعة الوضع أن يتغذى من الخطاب الملازم له. ومعنى ذلك أن الخطاب المناهض لاستعمار وهمي أسطوري غير وارد، إلا في الخطاب الرسمي للسلطة، هو الذي سوف يرتد على استقلال الجزائر، ويفضي إلى حالة من السياسة الانفصالية، والتفكك السياسي للمجتمع والدولة معا، وسوف يتم التوقيع على ذلك في استحقاقات تنظمها السلطة، ولعلّ الانتخابات التشريعية المقبلة في شهر حزيران/ يونيو، ليست بعيدة عندما توضع العلامة الفارقة ما بين جزائر الاستقلال الناجم عن كفاح شرعي ضد استعمار محتل، وجزائر مفككة ناجمة عن توظيف غير شرعي لرصيد الثورة التحريرية الكبرى، كبديل عن غياب خطاب من وحي التنمية العادية لبلد لم يعرف كيف يحافظ على استقلاله. ففي المطاف الأخير وليس النهائي، يمكن الجزم والتوكيد، أن موضوع الصراع ومادته بين السلطة والحراك هو «الاستقلال» الذي تريده الجماهير خالصا لوجه الجزائر، بعيدا عن الاستغلال والاستحواذ، والسياسة التدميرية التي تريدها السلطة كأفضل سبيل إلى مواصلة الحكم والتحكم في كامل أجهزة الدولة القائمة والمفترضة. وتلك هي الجريمة الكبرى، التي لا يمكن أن يفك معضلتها إلا الشعب في أقصى درجات وعيه، وأعلى مستويات نضجه السياسي والأخلاقي على ما يتلقاه في ميادين المدن وساحاتها العامة.

ربط استقلال الجزائر بضرورة تحريرها من حكم قيادة الأركان ووزارة الدفاع وأجهزة الأمن والاستخبارات والاستعلامات، هو المهمة الجديدة التي يتولاها الحراك بقوته السلمية، وعافية تفكيره السياسي العالي، ولأن الثورة أيضا انتهت في تاريخها الذي مضى ولم تعد من أجواء ولا سياق الأجيال الجديدة لما بعد الاستقلال. وعليه، فإن الوضع الراهن الذي خلقه الحراك هو محاصرة قيادة الجيش العليا وإجبارها على الخروج من المأزق والورطة الخطيرة التي وضعت نفسها فيهما، في مشهد يتفرج عليه كل العالم. ضرورة فك الارتباط بين الجيش وتاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية، لأن هذا عصر وذاك عصر آخر، لا يفرق بينهما الزمن الذي لا يعود فحسب، بل التغير الذي طرأ على العالم من حيث الاستباق وربح الوقت الديمقراطي لصالح مزيد من المجالات المدنية وتحرير المؤسسات الأمنية من سطوة المخابرات والاستعلامات والدسائس والمؤامرات، كقدر حتمي تقتضيه الحرية في آخر طرازها ونماذجها.

*كاتب وأكاديمي جزائري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...