“لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم الشيخ الدكتور بدري المداني.

 

 

” وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ” 32 الفرقان
علاقة القرآن الكريم بقلب الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلم من حيث التثبيت جاء في الآية 32 من سورة الفرقان ..فورود هذه الآية في سورة الفرقان ليفرّق الله بين أفضليّة الحبيب وبقيّة المرسلين وبين أفضليّة إنزال القرآن وتنزيل بقية الكتب السماوية وبين أفضليّة القلب النبوي وقلوب بقية المخلوقات ..هذا القلب /الفؤاد الذي بقي قرآنا يتلى وجعله وعاء لتقبّل أعظم كلام فجاء قوله ” كذلك لنثبّت به فؤادك ” ردّاً على طعنهم، فهو كلام مستأنف فيه ردّ لما أرادوه من قولهم ” لولا نُزّل عليه القرآن جملةً واحدة ” وعُدل فيه عن خطابهم إلى خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام إعلاماً له بحكمة تنزيله مفرّقاً، وفي ضمنه امتنان على الرسول بما فيه تثبيت قلبه والتيسيرُ عليه. وقوله ” كذلك ” جواب عن قولهم ” لولا نُزّل عليه القرآن جملةً واحدةً ” إشارة إلى الإنزال المفهوم من «لو نُزّل عليه القرآن» وهو حالة إنزال القرآن منجَّماً، أي أنزلناه كذلك الإنزال، أي المنجّم، أي كذلك الإنزال الذي جهلوا حكمته، واللام في ” لنثبت ” متعلّقة بالفعل المقدّر الذي دلّ عليه ” كذَلك “.

والتثبيت جعل الشيء ثابتاً. والثبات استقرار الشيء في مكانه غير متزلزل ويستعار الثبات لليقين وللاطمئنان بحصول الخير لصاحبه. والفؤاد هنا العقل. وتثبيته بذلك الإنزال جعله ثابتاً في ألفاظه ومعانيه لا يضطرب فيه. وجاء في بيان حكمة إنزال القرآن منجّماً بكلمةٍ جامعة وهي ” لنثبت به فؤادك ” لأن تثبيت الفؤاد يقتضي كل مَا به خير للنفس، فمنه ما قاله الزمخشري الحكمة في تفريقه أن نُقوي بتفريقه فؤادك حتى تَعِيَه وتحفظه، لأن المتلقّن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم يُلقى إليه إذ ألقي إليه شيئاً بعد شيء وجُزءاً عقبَ جزء، وما قاله أيضاً “أنه كان ينزل على حسب الدواعي والحوادث وجوابات السائلين” اهــــ، أي فيكونون أوعى لما ينزل فيه لأنهم بحاجة إلى علمه، فيكثر العمل بما فيه وذلك مما يثبّت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ويشرح صدره وليس أنبل من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنسان، وليس قلب كقلبه الطاهر المطهّر إدراكا لتلك المعاني، واستجابة لإشعاعها فيه وفي الدنيا من حوله، وقد اصطفى ربنا ـ عز وجل ـ قلب النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون محلاً لنزول القرآن الكريم.

إنّ القرآن لو لم ينزل منجّماً على حسب الحوادث لما ظهر في كثير من آياته مطابقتُها لمقتضى الحال ومناسبتها للمقام وذلك من تمام إعجازها. وإن نزوله منجّماً أعون لحفَّاظه على فهمه وتدبره. فتنزيل القرآن منجّما فضيلة خصّ بها نبينا عليه السلام من بين سائر النبيين فإن المقصود من إنزاله أن يتخلّق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوّى بنوره ويتغذّى بحقائقه وعلومه وهذه الفوائد إنما تكمل بإنزاله مفرّقا ألا يرى إن الماء لو نزل من السماء جملة واحدة لما كانت تربية الزروع به مثلها إذا نزل مفرّقا إلى أن يستوي الزرع.

فَكُلَّمَا نزل شيء من الوحي قوي القلب، وازداد اليقين، حتى يصير إلى عين اليقين وحقّ اليقين. قال القشيري:” لأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرّر نزول جبريل – عليه السلام – بالرسالة في كلّ وقت وحين. وكثرة نزوله كان أوجبَ لسكون قلبه، وكمال رَوْحه، ودوام أُنْسه، ولأنه كان جبريل يأتيه في كل وقت بما يقتضيه ذلك الوقتُ من الكوائن والأمور الحادثة، فكان ذلك أبلغ في كونه معجزة، وكان أبعدَ من التهم من أن يكون من جهة غيره، وبالاستعانة بمن سواه حاصلاً.

لتثبّت قلبه في الاستقامة في السلوك إلى الله، وفي الله عند الاتّصاف بصفاته، ومن الله في هداية الخلق، وتلك هي الاستقامة التامة المطلقة. فليقتدي به السالكون والواصلون والكاملون المكملون في سلوكهم وكونهم مع الحق وتكميلهم. والترتيل هو أن يتخلل بين كل نجم وآخر مدة يمكن فيها تزايله في قلبه ويترسخ ويصير ملكة لا حالاً.
وإجمالا قال سبحانه تسليةً لحبيبه، ورداً للمنكرين: إنما أنزلناه ” كَذَلِكَ ” أي: منجماً متفرقاً ” لِنُثَبِّتَ ” ونشيِّد ” بِهِ فُؤَادَكَ ” يا أكمل الرسل، ونمكنك على حفظه نجوماً؛ لأن حالك مخالف لحال موسى وداود وعيسى – صلوات الله عليهم – إذ هم من أهل الإملاء والإنشاء والكتب، وأنت أميٌّ؛ ولأن إنزاله عليك بحسب الوقائع والأغراض، والإنزال بحسب الوقائع والأغراض أدخل في التأييد ” وَ ” لهذه الحكمة والمصلحة

وقوله ” ورتلناه ترتيلاً ” ، أي أنزلناه منجّماً ورتَّلناه، والترتيل يوصف به الكلام إذا كان حسن التأليف بيّن الدلالة.. ويجوز أن يراد بــــ ” رتّلناه ” أمرنا بترتيله، أي بقراءته مرتَّلاً، أي بتمهُّل بأن لا يعجِّل في قراءته بأن تُبيّن جميع الحروف والحركات بمهل، وهو المذكور في سورة المزّمّل في قوله تعالى” ورتِّل القرآن ترتيلاً ”
يعني: أنزلناه كذلك مُنجّماً حَسْب الأحوال، والحكمة من ذلك ” لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ. “الفرقان: 32 لأنك ستتعرض على مدى ثلاث وعشرين سنة لمواقف تزلزل، فكلما تعرضْتَ لموقف من هذه المواقف نزل القرآن تسليةً لك وتثبيتاً وَصِلةً بالسماء لا تنقطع. ولو نزل القرآن مرة واحدة لكان التثبيت مرة واحدة، ثم تأتي بقية الأحداث بدون تثبيت، ولا شكَّ أن الصلة بالسماء تُقوِّي المنهج وتُقوِّي الإيمان. كما أن القرآن لو نزل مرة واحدة، كيف يتسنى لهم أنْ يسألوا عما سألوا عنه مما حكاه القرآن:

يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا.. إلخ. إذن: نزوله مُنجّماً اقتضاء لحكمة الحق سبحانه ليُعدِّدَ مواقف تثبيتك، لتعدد مواقف الإيذاء لك. ومعنى: ” وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً “الفرقان: 32 أي: أنزلناه مُنجمّاً حَسْب الأحوال، فكلما نزل نجم تمكنتم من حِفْظه وتكراره في الصلاة.
ومن معاني ” رَتَّلْنَاهُ ” أي: تلوناه لك وقرأناه عليك ” تَرْتِيلاً ” الفرقان: 32 شيئاً بعد شيء على التراخي والتدريج في عرض عشرين سنة أو ثلاث وعشرين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...