قراءة جديدة للأزمة المغربية الإسبانية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*برديجي عبدالرحيم

 

 

تعودنا مع كل أزمة بين المغرب و إسبانيا على رؤية تضامن شعبي و سياسي و إعلامي إسباني ضد المغرب ، تحت شعار التعبئة العامة لأجل الوطن ظالما أو مظلوما . بينما نجد العكس يحصل بين الأكاديميين و بعض الاعلاميين و الشعب المغربي الذي يجلد وطنه و حكومته في عز الأزمة.

كل متابع لوسائل الإعلام الإسبانية ، يرى التجييش الإعلامي الكبير ضد المغرب ، في كل وسائل الإعلام بل تجده في الشارع عند المواطن العادي ، بل هناك سياسيين و إعلاميين من النخبة قالوا صراحة ” من هو المغرب حتى يتجرأ على معاملة إسبانيا بالند للند” وهي عبارة تعيدنا للشعور فالفوقية تجاه الجار الجنوبي و عقدة العداء التاريخي التي تختفي و تظهر مع كل أزمة لتظهر خفايا القلوب التي لم تعد تظهرها فلتات اللسان بل آراء الإسبان عموما.

ولعلنا نتذكر احداث كثيرة منها أزمة جزيرة ليلى ( البيريخيل) في يوليوز 2002 ، أو أزمة تجديد اتفاقية الصيد البحري او الإتفاقية الفلاحية أو أزمة مينتو حيدار … وكأن كل اسبانيا تجتمع في رأي واحد ضد المغرب ، لتفتح القنوات التلفزيونية والإذاعية أبواب برامجها و نشراتها لداعمي البوليساريو لتسويق العداء و تجييش الكره ضد الجار الجنوبي، بل أكثر من ذلك نجد سياسيين من كل الأطياف يشاركون في ندوات و برامج عن تقرير المصير في ( الصحراء الغربية) بل تجاوزوها بمراحل في أحايين كثيرة و أتذكر مشاركتي في ندوة نظمتها مؤسسة رسمية و حضرها برلمانيون و إعلاميون و أكاديميون تحت عنوان ( قضية الصحراء ، حقوق الإنسان في المناطق المحتلة) وهو عنوان بدون تعليق و قد أبلغتهم انسحابي احتجاجا على العنوان المتحيز و غيروه الى حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.

بينما في المغرب ، لا نجد أي خطة عمل للتجييش ضد إسبانيا أو عقد ندوات عن مواضيع قد تزعج إسبانيا في الجامعات أو القنوات الإعلامية أو المنتديات الأكاديمية و السياسية مثل :

لماذا لا يقدم المغرب ملف سبتة و مليلية للجنة الرابعة بالأمم المتحدة التي هي لجنة تصفية الإستعمار؟

لماذا تسمى منطقة الباسك بالدولة الباسكية país vasco ( هكذا تسمى الجهة رسميا بإسبانيا) ؟
لم تنظم ندوات بالجامعات المغربية عن حق تقرير المصير في كاتالونيا أو في منطقة الباسك مثلا . ( المغرب دعم علانية حق اسبانيا في ملف استقلال كاطالونيا و رفض إستقبال زعماء الإنفصال).
حقوق الإنسان و حق التعبير عند الأحزاب الوطنية الباسكية .
الحق التاريخي للكاطالان في دولة مستقلة وهي الجهة التي لازال منتخبوها في السجن و رئيسها منفي لأنه طالب بحقه في تقرير المصير .
ما سمي بخطة إيبارريتشي PLAN IBARREXE عن الحق في تقرير المصير في منطقة الباسك الذي انجزه الرئيس السابق لتلك الجهة .
لماذا لا تضيق الدولة على الاستثمارات الإسبانية بتعقيد المساطر و رفع الضرائب و لم لا فرض التأشيرة و تسهيل الاستثمار لكل من يدعم المغرب و قضاياه ، هكذا سنرى صدام بين غرف التجارة و الصناعة والفلاحة الإسبانية و حكومتهم لتغيير الموقف من المغرب لأن الضرر أصاب رأس المال الإسباني.
نفس الأمر بالنسبة لاتفاقية الصيد البحري فإن غير المغرب الشريك لرأينا بحارة مدينة بارباطي و جزر كاناريا يعتصمون في مدريد.

حقوق الأقليات مثل الغجرLos Gitanos مثلا أو المهاجرين المجنسين و حقهم في الولوج للوظائف المالية أو الأمنية أو الإعلامية …( نتحدث عن حقوق الأقليات و ليس إدماج مفروض بشروط حكومية تقنن الإقصاء).
أما الحديث عن الفساد فلم يسلم منه حتى الملك الإسباني السابق و أخته و زوج ابنته دون الحديث عن الفساد المنظم و فضيحة حزمة دعم الأبناك في فترة الأزمة الإقتصادية ،و قضايا الوزراء المسجونون و المتابعات القضائية ضد رموز الحزب اليميني و غيره.

وحتى لا يجرنا الحديث لعقدة المورو EL MORO و أسبابها التاريخية التي أصبحت تظهر مع كل أزمة ، سنقتصر على أزمة ابراهيم غالي الذي حتى و إن صدقنا جدلا تبرير السلطات الإسبانية التي تدعي إستقبالها لغالي لأسباب إنسانية ( وهو تبرير رفضته إسبانيا نفسها من بريطانيا في قضية ترحيل أوغوستو بينوشيه للشيلي بدل تسليمه لإسبانيا التي كان قاضيها بالتاسار غارسون هو من تكلف بالقضية) فلماذا لم يدخل بإسمه الحقيقي مادامت أدخلته لأسباب إنسانية؟؟

النخب السياسية والإعلامية الإسبانية وحتى المغربية للأسف لا تتحدث عن الضحايا الإسبان لإبراهيم غالي الذي كان هو المسؤول العسكري الأول عّن ميليشيا البوليساريو منذ 1976 إلى غاية 1989 وهي الفترة التي شهدت هجومات على أهداف إسبانية كالشريط الناقل للفوسفاط و الهجوم على ثكنة الخنگة العسكرية في 20/05/1973 وبعد ذلك 36 هجوم على بواخر إسبانيا خلفوا 302 ضحية بين قتيل و جريح و رهينة مختطفة، بل إنه في سنة 1980 عقدت حكومة أدولفو سواريز لقاء مع الجبهة الإنفصالية شارك فيه ابراهيم غالي شخصيا لإعادة البحَّارة المختطفين مقابل اعتراف إسبانيا بتمثيل البوليساريو للصحراويين و فتح مكاتب لها بإسبانيا ، وهي التي تم إغلاقها و طرد الممثلين في أكتوبر 1985 بعد تأكد إسبانيا بأن الانفصاليين هم من هاجموا باخرة الخونكيتو الإسبانية و قتلوا إثنين من البحَّارة بدم بارد.

أمر آخر لم يلتفت إليه المتتبعون ، هو أن أحزاب مثل بوديموس التي تعتبر وليدة الأمس القريب و ليست لها تجربة في تسيير الحكومة ، لازالت تعيش في قوقعة إديولوجيتها الشيوعية التي تدعم ( حركات التحرر) و تعادي الملكيات بخطب و طريقة تفكير من زمن الحرب الباردة التي تجاوزها الزمن بعقود ، و لا زالت لا تعرف بأن معنى أن تكون عضوا في الحكومة هو أن تخدم مصالح الوطن والدولة و ليس إديولوجية و شعارات وبوباغاندا الحزب .

أما عن النزوح الجماعي لمدينة سبتة فالأمر طبيعي جدا بالنسبة لساكنة دولة من دول العالم الثالث نحو دولة أغنى و لو كانت سبتة متواجدة في مصر او الجزائر أو تركيا لكان النزوح بنفس الشكل و ربما أكبر ، و نراه يوميا بين المكسيك و الولايات المتحدة الأمريكية ، بل حتى الإسبان نزحوا لكوبا و الأرجنتين و يعد الحرب العالمية الثانية ،و نزحوا لألمانيا و فرنسا بحثا عن واقع أفضل ، و في أزمة 2008 نزحت أعداد كثيرة من ساكنة جنوب إسبانيا للمغرب للعمل بطنجة أو في جهة سوس في قطاع الفلاحة و الصيد البحري و ورززات في قطاع الطاقات المتجددة. الهجرة أمر سيكولوجي عام بين الدول الغنية و الأقل غنى وليست ماركة مسجلة للمغرب كما يريد البعض أن يسوقها.

إسبانيا تربح من المغرب أكثر بكثير مما يربح المغرب منها ، و بعد الإعتراف الأمريكي صارت تعرف بأنها إن لم تخطو خطوة نحو المغرب فستحرم من كعكة الإستثمار في الصحراء المغربية ، و مع الوقت ستكون هي الخاسر الأكبر أمام الإنفجار التنموي في المنطقة الذي ستكون حصة الأسد فيه للولايات المتحدة ،فرنسا و بريطانيا و المغرب طبعا و ساكنة المنطقة . بينما إسبانيا المستعمر السابق و الذي كان من أهم أسباب إستعماره للمنطقة بعد التواجد الجغرافي المقابل لجزر الكناري طبعا ، هو قطع الطريق على بريطانيا التي نظمت حملات تجارية للمنطقة وهي حملة جورج غلاس 1764 ، دافيدسون 1836، دونالد ماكينزي و كوهين 1879 ، لتقرر إسبانيا التدخل لقطع الطريق على بريطانيا سنة 1884 مرتكزة على البند الثامن في معاهدة وادراس لسنة 1860 .

على النخب الإسبانية أن تعي أنه محكوم على المغرب و إسبانيا أن تربطهم علاقات جيدة، فالجغرافيا جعلتهم جيرانا ولا يمكن أن تغير الجار الجغرافي، و التاريخ جمع الدولتين في عدد لا ينتهي من الأحداث، و بأن لدينا من المشترك اكثر بكثير مما يفرقنا ، وبأن التاريخ المشترك و الذاكرة التاريخية المشتركة يمكن أن تكونا قاعدة للمضي للمستقبل بحسن الجوار للأفضل ، لأن الزمن السياسي لم يعد يسمح بأنصاف المواقف ،و كما قال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بأن مغرب اليوم ليس مغرب الأمس ، و بأن المغرب لا يقبل بازدواجية الخطاب و المواقف.

*باحث في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية
رئيس المركز الإسباني الصحراوي حوار

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...