ذ.أحمد براو
إنه لفتح قريب عندما نرى الشعب العربي اليوم يستعيد عروبته بالمقاومة وإسلامه بالدفاع عن القدس الشريف ويمارس مسؤوليته بالذود عن مقدسات فلسطين من قلب أوروبا ولو بالهبة التضامنية الفريدة التي صدمت القريب المنبطح قبل العدو المنبهر الذي يرى تلاشي كل مخططاته أمام تصدع الأحلاف الإبراهيمية الموهومة، وتلاوة الفاتحة على روح صفقة القرن المزعومة، وبعث الروح لخياري المقاومة الشعبية الموحدة والمجابهة الميدانية المسلحة.
بعض المتصهينون العرب الذين كانوا عما قريب يأتمرون بأوامر كوشنيرية أصبحوا اليوم يرفعون على مضاضة لافتات القدس والأعلام الفلسطينية وهم في ذلك كمن ينحني أمام العاصفة ويدعو لحقن الدماء وكأن الموازين متكافئة، بل ويوهمون الناس أن الصراع والدمار والدموع والدماء سببها المقاومة الشرعية وليس الإحتلال المجرم، وكأن الضحايا هم الجلادون، فهؤلاء الأبطال الذي جلدوا المعتدين وأرقوا أعين الجبناء، ونغصوا عيشهم بفعل الضربات المؤلمة التي تربك الحسابات وتعيد الأمور لمربعها الأَول كعودة على بدء.
فيما بقي ارتباط الفلسطينيين عربياً رغم تلقيهم الصدمات من حكام العرب وتخاذل شعوبهم. وبقيت نظرتهم للقدس والأقصى قضية حياة أو موت، فلم يتهربوا من مسؤوليتهم لا كمقدسيين فلسطينيين ولا كعرب مسلمين، إلا أن مشاعر المواطن العربي بدأت تتغير نتيجة الوعي على ما يفعله ويواجهه الفلسطينيون نيابة عن الأمة، والادراك بأن الأقطار العربية لن تفلت من المشروع الصهيوني تحت يافطات السلام المزيف والتعايش المختل، ومعابد أبراهام.
وتبين أن معاناة شعوب هذه الأقطار تزداد تأزما وهم يقبعون تحت نير الحكم الشمولي الذي يتغذى ببقاء الكيان الغاصب، ويساوم عضه على الكراسي وقمعه للحريات بتثبيت الأمور مستقرة إلى حين، مراهنا على فضلات الدعم الغربي أو على الأقل السكوت عن فضح تجاوزاته إن لم نقل جرائمه في حق الشعوب المتوقة للعدالة والحرية والعيش الكريم فضلا عن الحفاظ على مقدراتها المهدورة وخيراتها المنهوبة.
كيف يمكن لهذه الشعوب أن تستعيد البوصلة نحو القضية الأولى؟ قضية استرجاع فلسطين ومقاومة المشروع الصهيوني وتحرير الأراضي والمقدسات في ظل استمرار هذا الإحتلال الغاشم، وتغول الفكر الإنبطاحي الإستسلامي تحت يافطات التطبيع والسلام والمحبة، حتى بين أطياف من الشعوب العربية التي لم تكن لتجرؤ على الإفصاح به لولا تخاذل حكامها الجاثمين على صدورهم، وفي ظل العداء الرسمي وأبواقه الإعلامية التي لا ترضى بهمة الرجال وصدق انتمائهم واصرارهم على كرامة العيش وعزة النفس والارادة الوطنية المستقلة لا يريدون شيئا كهذا لأنهم استهوتهم العبودية ويريدون فرضها وتجميل صورتها على الأطهار الأنقياء أصحاب العزة والكرامة اصحاب الحق ولهذا تراهم يألمون من انتصار أبطال المقاومة أكثر من ألم الصهاينة ولهذا استحقوا أن يطلق عليهم “الصهاينة العرب” لأنهم مرجفون وشامتون وكارهون لأهل العزة والكرامة وكارهون لاي نصر يحققونه، وبالطبع لم يكن مستغرباً أن ترتفع أصوات هذه الحفنة القليلة من المتصهينين في وسائل التواصل الإجتماعي، والذين أخذوا يدعون الله بأن ينصر الصهاينة على العرب المسلمين في غزة، فقد أُصيب المتصهينون إصاباتٍ مميتة في أوهامهم بأن الشعب الفلسطيني البطل قد استكان للإحتلال، وأن الأمة قد نسيت فلسطين والأقصى، لكن هَبّة المقدسيين ثم فزعة غزة لهم واستجابتها لرفع الحيف والظلم عنهم، وشموخ الأمة نُصرةً لهم وفرحاً بهم وشفاء لصدور قلوب مؤمنة، كلُّ ذلك جعل الحلم المتصهين الذي كان يحسبه الظمآن ماءا يتلاشى ويصير سرابا.
في السابق، كان الرد على العدوان محصوراً في الدفاع عن غزة، لكنه في معركة المجد والنصر الأخيرة “سيف القدس”، كان رداً على عدوان على مقدسات الأمة في القدس، فجاء إطلاق الصواريخ من غزة مفاجئاً، وأصبح المشهد مختلفاً، فقد أصبحت المقاومة صاحبة اليد العليا، والمبادرة في بدء المعركة، هي من تحدد ساعات التجول، وتدفع المستوطنين إلى الملاجئ في معظم الأوقات، مما جعل كثيرين منهم يتحدثون عن العودة المضادة وينتظرون فتح المطارات لعودتهم لبلدانهم الأصلية، وجعل شعوب العالم تقف مع الحق الفلسطيني، وتتحدث عن الكيان الصهيوني كدولة مغروسة ومغرورة صُنعت لتمارس الجريمة الإنسانية بلا رادع أخلاقي.
لقد حطمت غزة هاشم خرافة الجيش الصهيوني الذي لا يُقهر وأساطير التفوق التقني العسكري وما يسمى بالقبة الحديدية وفضحت معظم الجيوش العربية التي لم تُقدم لشعوبها سوى الهزائم والإستبداد والتخلف الحضاري، وكشفت الوجه الحقيقي للعلمانيين العرب الذين لا قضية عندهم إلا معاداة الإسلام وإديولوجيات الحركات الإسلامية المقاومة، بينما ينعمون هم بفتاتِ موائد الديكتاتوريات التي لا يجرؤون على انتقادها لأنهم ببساطة لا حياة ولا وجود لهم إلا في ظلالها.
فهذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة التي تتعرض فيها المقاومة الشريفة في غزة هاشم لهذا العدوان، وللأسف مدعوما من بعض العرب الذين كانوا يراهنون على تصفية الصراع العربي اليهودي، وليست المرة الأولى التي تتكرر فيها ارتقاء أرواح عدد من الشهداء فيما يلهث العابثون من المنبطحين وراء الملذات والمغريات ناسين يوم الحساب والعقاب، واليوم يذهب بعض المتصهينين المأجورين لزرع الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة التي اجتمعت على خيار المواجهة ونجاعة المقاومة وفشل مشروع التسويات والمفاوضات. ولبث الفرقة بين الشعب الواحد وقياداته في الخارج بتصيد معاناة المدنيين تحت القصف واستشهادهم وخسارة دورهم وأملاكهم فيما ينعمون قيادات المقاومة في فنادق الخارج ولم يستشهد منهم أحد، نجد منهم من يحاول التهويل من الدمار الذي يلحق غزة وأبنائها ليس بقصد كشف حقارة وعدوانية الكيان الصهيوني ومن يدعمهم من العرب والغرب ، بل من أجل تخويف باقي أبناء الأمة في فلسطين وخارجها وهم لا يدركون أن المسلم والعربي “الحقيقي” هو من يتمنى الشهادة في سبيل الله والأقصى والمقدسات.
ومن هؤلاء المتصهينين من يحاول المقارنة بين قتلى العدو الصهيوني وشهداء المقاومة، ومقدار الدمار الذي تسببه الصواريخ الأمريكية الصهيونية، وما تسببه صواريخ المقاومة “العبثية المستفزة”، وهم لا يدركون أن صواريخ المقاومة “البسيطة” قد سببت الرعب لكل مغتصبي الكيان الصهيوني أكثر من كل الزعامات العربية وجيوشها وأسلحتها التي لا تستخدم إلا لقمع ودمار الأوطان كما حدث في سوريا والعراق واليمن.
نجحت غزة في إعادة الإعتبار للقضية الفلسطينية، فبالاضافة إلى أنها وحدت الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم تحت راية نصرة القدس الشريف ودعم لمقاومة غزة، وأعادت تذكير العالم بالقضية الفلسطينية، وجلبت الدعم والمساندة من جهات لم تكن القضية الفلسطينية ضمن أولوياتها، وضعت غزة العزة معطيات جديدة في معادلة الصراع مع الإحتلال وكفى بهذا انتصارا واحتفالا وكفى أن المطبّعين العرب الجدد تواروا خجلا.





