*دكتور محمد براو
المحور الثالث: الحكامة الاجتماعية
يتناول المحور الثالث وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث الأربعة، فحوى المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
أولا : المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية (تتمة)
عدم الرضا الملكي على وضعية الشباب
رغم الجهود التي بذلت فإن وضعية الشباب لا ترضي الملك، فالعديد منهم مازالوا يعانون من الإقصاء والبطالة ومن عدم استكمال دراستهم وأحيانا حتى من الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية. كما أن منظومة التربية والتكوين لا تؤدي دورها في التأهيل والإدماج الإجتماعي والإقتصادي للشباب. أما السياسات العمومية القطاعية والاجتماعية فرغم أنها تخصص مجالا هاما للشباب إلا أن تأثيرها على أوضاعهم يبقى محدودا لضعف النجاعة والتناسق فيما بينها وعدم ملاءمة البرامج لجميع الشرائح الشبابية. واعتبارا للارتباط الوثيق بين قضايا الشباب وإشكالية النمو والاستثمار والتشغيل فإن معالجة أوضاعهم تحتاج إلى ابتكار مبادرات ومشاريع ملموسة تحرر طاقاتهم وتوفر لهم الشغل والدخل القار وتضمن لهم الاستقرار وتمكنهم من المساهمة البناءة في تنمية الوطن. وأخص بالذكر هنا، على سبيل المثال، وضعية الشباب الذين يعملون في القطاع غير المهيكل، والتي تقتضي إيجاد حلول واقعية قد لا تتطلب وسائل مادية كبيرة، ولكنها ستوفر لهم وسائل وفضاءات للعمل في إطار القانون بما يعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع. وعلى غرار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، دعا الملك لبلورة سياسة جديدة مندمجة للشباب تقوم بالأساس على التكوين والتشغيل، قادرة على إيجاد حلول واقعية لمشاكلهم الحقيقية، وخاصة في المناطق القروية والأحياء الهامشية والفقيرة. وإلى وضع آليات عملية كفيلة بإحداث نقلة نوعية في تحفيز الشباب على خلق المقاولات الصغرى والمتوسطة في مجالات تخصصاتهم، وكذا دعم مبادرات التشغيل الذاتي.
شروط وتجليات الحكامة الجيدة للقطاع الاجتماعي
في هذا الإطار، مافتئ الملك يؤكد أن توطيد العدالة الاجتماعية يشكل قوام مذهبه في الحكم. ومن هنا كرر دعواته للحكومة لتجسيد هذا التوجه، وذلك بإعطاء الأسبقية للفئات والجهات الأشد خصاصة، في الاستفادة من السياسات الاجتماعية للدولة، وذلك مع التزام مقومات الإنصاف والعقلنة والفعالية، وانتهاج الاجتهاد في ابتكار الحلول الخلاقة، بكل مسؤولية وإقدام، بعيدا عن أي نزوعات سياسوية، أو توظيف شعبوي. وحرصا منه على بلوغ أهداف هذه السياسات الاجتماعية المتجددة، في مناخ سليم، دعا الملك لإقرار ميثاق اجتماعي جديد، من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي، كإطار مؤسسي للحوار، وكقوة اقتراحية لبلورة هذا الميثاق.
إن الشأن الاجتماعي يحظى عند الملك باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان. فمنذ أن تولى العرش، وهو دائم الإصغاء لنبض المجتمع، وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم العمل والأمل، من أجل تحسين ظروفهم. وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإن الملك، في نفس الوقت، أحس أن شيئا ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي. وسيواصل العمل، في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى تحديد نقط الضعف ومعالجتها. فحجم الخصاص الاجتماعي، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، من أهم الأسباب التي دفعت الملك، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني، وذلك بعد أن لاحظ أنه “ليس من المنطق أن نجد أكثر من مائة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام، وترصد لها عشرات المليارات من الدراهم، مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين. وبالإضافة إلى ذلك، فهي تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها”. ثم يطرح تساؤلا إنكاريا فصيحا: “كيف لهذه البرامج، في ظل هذا الوضع، أن تستجيب بفعالية، لحاجيات المواطنين وأن يلمسوا أثرها؟ “.
ولكن بالموازاة مع الدعوة إلى مراجعة النموذج التنموي لأعلن الملك عن بعض المشاريع والإجراءات، وفي هذا الصدد تم إحداث “السجل الاجتماعي الموحد” كبداية واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيا وعلى المدى القريب والمتوسط. وهو نظام وطني لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة. إن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة. وهو أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي.
وفي انتظار أن يعطي هذا الإصلاح ثماره كاملة، فقد حث الملك على التركيز على المبادرات المستعجلة في المجالات التالية:
أولا: إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج “تيسير” للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين. وعلى المدى البعيد ينبغي إعادة النظر في الطرق المتبعة في المدرسة، للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرس وأدائه، مقتصرا على تلقين المعارف للمتعلمين، إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين، وتنمية قدراتهم الذاتية، وإتاحة الفرص أمامهم في الإبداع والابتكار. إن الأمر لا يتعلق إذن، في سياق الإصلاح المنشود، بتغيير البرامج، أو إضافة مواد أو حذف أخرى، وإنما المطلوب هو التغيير الذي يمس نسق التكوين وأهدافه. وذلك عن طريق تحويل المدرسة من فضاء يعتمد المنطق القائم أساسا على شحن الذاكرة ومراكمة المعارف، إلى منطق يتوخى صقل الحس النقدي، وتفعيل الذكاء، للانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل.
ثانيا: إعادة توجيه برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية للنهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، ودعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المدرة للدخل ولفرص الشغل.
ثالثا: تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية “RAMED”، بموازاة مع إعادة النظر، بشكل جذري، في المنظومة الوطنية للصحة، التي تعرف تفاوتات صارخة، وضعفا في التدبير.
رابعا: الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، حيث دعا مختلف الفرقاء الاجتماعيين، إلى استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة، بالقطاعين العام والخاص.
الاهتمام بالمغاربة المقيمين بالخارج جزء لا يتجزأ من الاهتمام المواطنين المغاربة:
يشيد الملك محمد السادس بتعلقهم الشديد ببلادهم الذي يجسده مدى تجاوبهم مع التوجهات التي حددها، والأوراش التنموية التي أطلقها، منوها إلى أنه يضع دائما المواطنين المقيمين في الخارج، في صلب الانشغالات والمخططات المستقبلية. وهو ما تحقق بإنجاز إصلاح مدونة الأسرة وقانون الجنسية، بكل ما يحملانه من رمزية عالية، وبمراجعة الدستور، الذي يتضمن مقتضيات غير مسبوقة، تخص حقوق المغاربة المقيمين في الخارج، الذين توجه إليهم في أحد خطبه الخاصة ليقول لهم : “إنكم لم تبخلوا بدوركم بأي جهد، من أجل الحفاظ على أواصر انتمائكم، وما فتئتم تضعون المغرب في صلب انشغالاتكم اليومية، مدافعين عن قضاياه الوطنية، مساهمين في تنميته، حريصين على تطوير العلاقات بينه وبين بلدان إقامتكم، متشبثين بالتفاعل الثقافي مع القيم الكونية، لمناهضة الصور النمطية والأحكام المسبقة ضد الإسلام والمسلمين”.
وعبر الملك عن الاعتزاز بالمقيمين في المهجر، على روح المواطنة، والتعلق الدائم بوطنهم الأم. إذ برغم تأثير الصعوبات التي واجهوها والمترتبة عن ذيول الأزمة المالية العالمية، على أوضاعهم المالية، فإنهم يتحملون مشاق الأسفار، ومنهم من يقطع المسافات الطويلة عبر أوروبا، لزيارة بلدهم، وصلة الرحم مع ذويهم. لذلك أشاد الملك بوطنيتهم الصادقة، وعبر عن ترحيبه بهم، شاملا إياهم بكامل عطفنه ورعايته. وداعيا لإدماجهم في المؤسسات، من أجل تعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية، من خلال تفعيل مقتضيات الدستور المتعلقة بإدماج ممثليهم في المؤسسات الاستشارية، وهيئات الحكامة والديمقراطية التشاركية. كما جدد الدعوة لبلورة استراتيجية مندمجة تقوم على التفاعل والتنسيق بين المؤسسات الوطنية المختصة بقضايا الهجرة، وجعلها أكثر نجاعة في خدمة مصالح مغاربة الخارج، بما في ذلك الاستفادة من التجربة والخبرة التي راكمها مجلس الجالية، من أجل إقامة مجلس يستجيب لتطلعات أبنائنا بالخارج.
وإذ جدد الشكر لهم، ودعا لضرورة الاهتمام بقضاياهم، سواء داخل الوطن، أو في بلدان الإقامة، فإنه لاحظ أنه ورغم الإصلاحات والتدابير، التي تم اتخاذها، “إلا أنها تبقى غير كافية. وهو ما يقتضي جدية أكبر، والتزاما أقوى من طرف القناصلة والموظفين، في خدمة شؤون الجالية”.
الإعلان في شهر أبريل 2021 عن مشروع ملكي طموح بتعميم الحماية الاجتماعية بالمغرب
ينطوي هذا المشروع الطموح والضخم (وصفه وزير المالية المغربي بكونه ثورة لفائدة ملايين المواطنين وخطوة لدعم الاقتصاد) على توسيع الحماية الطبية وتعميم التقاعد والتعويضات العائلية، وأيضا تعميم الاستفادة من التعويض عن فقدان العمل.ويستهدف هذا المشروع الضخم في مرحلة أولى، الفلاحين وحرفيي الصناعة التقليدية ومهنييها والتجار، والمهنيين ومقدمي الخدمات المستقلين، ليشمل في مرحلة ثانية فئات أخرى.وقد ترأس الملك محمد السادس شخصيا توقيع 3 اتفاقيات تتعلق بتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، ليشمل 800 ألف من التجار والحرفيين ومقدمي الخدمات المستقلين، و500 ألف من الحرفيين ومهنيي الصناعة التقليدية، و1.6 مليون من الفلاحين، بينما سيتم توقيع الاتفاقيات الخاصة بالفئات المتبقية خلال الأسابيع القادمة.
(يتبع)
حقوق النشر محفوظة
ننتقل في الحلقة المقبلة إلى بسط تأملاتنتا واستنتاجاتنا حول المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





