الجزائر .. فرصة أخرى ضائعة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

علي أنوزلا

 

 

أضاعت الجزائر، مرة أخرى، فرصة تاريخية في تحقيق انتقال سلمي نحو الديمقراطية، يضع حدّا لحكم المؤسسة العسكرية وتحكّمها في دواليب الدولة ومؤسّساتها، وما شهدته البلاد من انتخابات مبكرة في 12 يونيو/ حزيران الجاري، قاطعها أغلب الجزائريين، كانت آخر مسمار يدقّ في نعش الديمقراطية التي تم تحنيطها مرة أخرى، في انتظار موعد آخر لخروج الناس للمطالبة بها.

لقد أثبت النظام الجزائري الذي تتحكّم فيه المؤسسة العسكرية منذ استقلال البلاد قبل ستين سنة أنه غير قابل للتغيير. وأكثر من ذلك، أبان عن قدرة كبيرة على المناورة والالتفاف على مطالب الشعب، وتجاوز كل مطالب التغيير، ليحافظ على البنية الصلبة نفسها التي تدير شؤون البلاد من الخلف، فبعد أكثر من عام من “الحراك الشعبي” السلمي الذي أبدع في رسم صورة جميلة عن الجزائر المتنوعة والمتعدّدة، ونجح في قطع الطريق على ولاية خامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي حكم البلاد منذ 2013 وهو شبه غائب، بسبب مرضه المزمن الذي غيبه عن العالم، تمكّن النظام من خلال عدة عمليات جراحية، ضحّى فيها ببعض رموزه، من استعادة قوة المبادرة، وإعلان عودة المؤسسات إلى طبيعتها الأولى كما كانت قبل الحراك، وكأن شيئا لم يحدُث بعد أكثر من سنة من التظاهر السلمي، والمطالبة بدولة مدنية، تنهي حكم العسكر، وتضع الجزائر على سكّة الانتقال الديمقراطي السلمي.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، كما حدث عام 1988، عندما أجهضت أول تجربة لتحقيق انتقال ديمقراطي سلمي، انتهت بدخول البلاد في حرب أهلية دموية دامت نحو عقد، وذهب ضحيتها أكثر من مائتي ألف قتيل، ونحو العدد نفسه ممن ما زالوا في عداد المفقودين. اليوم، أصبح الشعب الجزائري أكثر نضجا، ولن ينجرّ وراء حرب أهلية جديدة، بعد ما عاشه من ويلات طوال عقد التسعينات، لذلك فضل أن يكون جوابه على هذه الردّة الديمقراطية المقاطعة الواسعة للانتخابات أخيرا، التي سجلت أكبر نسبة مقاطعة في تاريخ الاستحقاقات الجزائرية الحديث العهد.

الحراك الشعبي أكبر خاسر في الجولة الثانية من محاولة التغيير السلمي، في انتظار الجولة المقبلة التي لن يطول، هذه المرّة، انتظارها

ما أفرزته هذه الانتخابات فقط نسخة مشوهة من النظام القديم نفسه الذي نزل الناس بالملايين، طوال عام 2019، للمطالبة بتغييره، فقد عاد حزب الرئيس السابق بوتفليقة الذي زٌجّ كثير من رموزه في السجن، بتهم الفساد واختلاس المال العام، إلى الواجهة، لتصدر المؤسسات نفسها المفتقدة إلى الشرعيتين الشعبية والديمقراطية، ويصبح من جديد حزب السلطة العسكرية وأداتها الطيعة التي تحكم البلاد من خلف الستار بيد من حديد، معزّزا هذه المرة بجيش كبير من “النواب المستقلين” الذين يشكلون خزّانا احتياطيا كبيرا، يمكن أن يُستعان به في كل لحظة لتغيير موازين القوى داخل المجلس النيابي، الفاقد كل سلطة حقيقة. أما الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي دغدغ الحراك الشعبي في بداية تنصيبه، عندما وصفه بـ “الحراك المبارك”، وتعهد بالاستجابة إلى مطالبه، فهو يؤكد كل يوم بأنه لا يختلف عن أسلافه، مجرّد رجل الجيش بزي مدني، يحكم تحت وصايته وحمايته، وبما تمليه عليه المؤسسة العسكرية من أوامر وتعليماتٍ لا تناقش ولا تحاسب.

ومقارنة مع ما حدث عام 1988، التي شهدت تنظيم أول انتخابات تعدّدية فاز فيها الإسلاميون، جاءت بعد تحرّك شعبي كان بمثابة أول “ربيع جزائري”، كان مؤملا أن يؤسس لبداية أول انتقال ديمقراطي في المنطقة العربية، قبل إجهاضه والإجهاز عليه، فإن ما أكّدته هذه الانتخابات، على الرغم من نسبة المقاطعة الكبيرة التي شهدتها، هو ذلك التحالف الهجين بين المؤسسة العسكرية التي تهيمن على السياسة في البلاد منذ ستة عقود وبعض القوى المحافظة في البلاد ممثلة في تيار من الإسلاميين الذين اختاروا الاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية، وتزكية مناخ الخوف والقمع الذي عاد للهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد.

حكم النظام الجزائري من جديد على نفسه بالبقاء داخل الدوامة المغلقة نفسها مع ربح مزيد من الوقت الضائع لإدامة استمراره إلى حين

لم تفعل الانتخابات الجزائرية أخيرا سوى إعادة تكريس الواقع السابق، بكل عيوبه ومساوئه، وتجديد آليات الحكم السابق الفاقدة للشرعية والمصداقية، وإعادة حالة الجمود التي أدت إلى اندلاع الحراك الشعبي في شتاء 2019، ولن يمر كثير من الوقت حتى تجد البلاد من جديد نفسها في مواجهة أفق مسدود، أمام وضع اقتصادي مقلق، نتيجة النقص الكبير في احتياطيات البلاد من العملة الصعبة، جرّاء تراجع مداخيلها من مبيعات البترول، المورد الرئيسي لاقتصاد البلاد، وتضخّم البطالة، خصوصا وسط صفوف الشباب، وأغلبهم من الخرّيجين، وارتفاع نسب الفوارق الطبيعية بين طبقة فقيرة تتعزّز صفوفها يوما بعد يوم وطبقة محظوظة من “الأوليغارشية” العسكرية والمدنية المستفيدة من ريع الحكم. وأمام هذا الوضع، سيكون النظام القديم الجديد، لأن ما فعله هو فقط تجديد جلده، مجبرا على إعادة إنتاج أفعاله الاستبدادية نفسها مع ما سيترتب عنها من استشراء للفساد وارتفاع في حالة الغضب والاحتقان الشعبي.

لقد حكم النظام الجزائري من جديد على نفسه بالبقاء داخل الدوامة المغلقة نفسها مع ربح مزيد من الوقت الضائع لإدامة استمراره إلى حين، أما “الحراك الشعبي” الذي فشل في إنتاج بديل للقوى السياسية التي انتفض ضدّها، يكون قادرا على تحقيق مطالبه وتجسيدها على أرض الواقع، فهو أكبر خاسر في هذه الجولة الثانية من محاولة التغيير السلمي، في انتظار الجولة المقبلة التي لن يطول، هذه المرّة، انتظارها، لأن شيخوخة قيادة المؤسسة العسكرية والوضع الهشّ للاقتصاد ومحدودية آلة القمع، في ظل عدم القدرة على شراء سلم اجتماعي طويل الأمد، كلها عوامل سوف تعجّل بحلول “ربيع جزائري” آخر، يعد بميلاد جزائر جديدة قادرة على أن تصنع لشعبها مستقبلا أفضل، يليق بتضحياته الكبيرة وبماضيه المجيد.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...