إعداد: د. نادين الكحيل
يشهد العالم اليوم نقطة تحول مفصلية، حيث يشكل التغير المناخي تهديداً حقيقياً ومتزايداً، بسبب عدة امور ابرزها الانبعاثات من احتراق الوقود الاحفوري (يستخرج من المواد الاحفورية كالفحم الحجري، البترول، الغاز الطبيعي… وهو وقود يستخدم لانتاج الطاقة الاحفورية)، لذا تحاول الدول البحث عن بديل للتخفيف من انبعاثات الكربون المضرة والقاتلة، ومواجهة مشكلة نضوب موارد الطاقة التقليدية (النفط والغاز ) مستقبلاً.
لقد شكل “اتفاق باريس لتغير المناخ” الركيزة الاساسية للبدء بالبحث الجدي في كيفية معالجة التغيير المناخي وآثاره والحد من انبعاثات الكربون. وبالاشارة الى “خطة المناخ” التي وضعها الرئيس الاميركي جو بايدن دعا فيها الى اعداد برنامج بحثي لانتاج شكل نظيف من الغاز الرخيص بما يكفي لتزويد محطات الطاقة بالوقود في غضون عقد من الزمن.
كما نشرت كل من اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا والاتحاد الاوروبي خرائط طريق تعتمد على الهيدروجين لتسريع تخفيض غازات الدفيئة (الغازات التي تختزن الحرارة في الغلاف الجوي) في قطاعات الطاقة (النقل والصناعة في الوقت نفسه)، كما تقوم شركات متعددة حول العالم ببناء محطات اكبر من اي وقت مضى من اجل انتاج “الهيدروجين الاخضر”.
ينتج “الهيدروجين الاخضر” عن طريق تحليل الماء الى عنصرين (الهيدروجين والاوكسجين) بإستخدام الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة (وهي الطاقة المتولدة من مصادر طبيعية وغير تقليدية ومستمرة لا تنضب ومتوفرة ونظيفة ولا تلوث البيئة) كالرياح او الشمس، ويساهم “الهيدروجين الاخضر” في تقليل انبعاثات الكربون الناجمة عن الوقود الاحفوري، وهو يعتمد على رؤية مستقبلية في التقليل من اعتماد الاقتصاد على النفط والبحث عن مصادر اخرى للطاقة تراعي التغيير المناخي الحاصل.
يعد الهيدروجين وقوداً مستخدماً اليوم في العديد من البلدان كالولايات المتحدة الاميركية، روسيا، الصين ، اليابان، فرنسا والمانيا، ويدخل في استخدامات مستقبلية كثيرة واهمها: مجال النقل والحركة، تخزين الطاقة، توليد الكهرباء ومياه الشرب.
يتمتع الهيدروجين الاخضر بمميزات متعددة ابرزها: لا متجدد، قابل للتخزين، مرن، قابل للنقل، وابرز عيوبه: تكلفته العالية، استهلاك الطاقة المرتفع، وقد يمس بقضايا الامان والسلامة.
لقد واجهت الرؤية الكبرى للاقتصاد القائم على الهيدروجين معوقات عدة منها: التكاليف المرتفعة لانشاء شكل نظيف منه، والاستثمارات الضخمة التي قد نحتاجها في المركبات والآلات والانابيب قبل ان تصبح صالحة للتطبيق، والتقدم المحرز في البدائل المنافسة لتخزين الطاقة مثل البطاريات.
تسعى الشركات الى تطوير آلات التحليل الكهربائي لانتاج “الهيدروجين الاخضر”، فمن شأن التطور التكنولوجي والوسائل الحديثة المستخدمة في انتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ان تحد من الاعتماد على الكربون في قطاع الطاقة بنسبة تصل الى 85%، ويعتبر “الهيدروجين الاخضر” احدى التقنيات الاساسية لتحقيق اتفاقية باريس للمناخ، للتقليل من انبعاث غاز ثاني اكسيد الكربون، كما ان معظم الدول تسعى ان زيادة حجم انتاجه الى 50 ضعف الانتاج الحالي في السنوات المقبلة بحلول العام 2026.
ثمة دول عديدة بدأت التوجه نحو الاستثمار في هذه التكنولوجيا اي انتاج الهيدروجين الاخضر، ولا سيما تلك الدول التي تتوافر لها طاقة متجددة قليلة التكلفة، فمن الامثلة : تسعى الصين لاطلاق مليون مركبة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين بحلول عام 2030، وفي خطة سلطنة عمان للعام 2040 تهدف الى تنويع الاقتصاد، عن طريق زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، كما هناك توجه لدى اميركا وكوريا الجنوبية لاستبعاد الحافلات التي تدار بالوقود الاحفوري بحلول عام 2040، كما صرح بنك أوف اميركا إن تكنولوجيا الهيدروجين وصلت الى نقطة تحول قد تصل الى 11 تريليون دولار بحلول 2050.
من المرجح، في ظل التغيير المناخي وظاهرة الاحتباس الحراري، ان تتسارع وتيرة التقدم في ايجاد الحلول لمواجهة التحدي العالمي للتخفيف من انبعاثات الكربون، حيث تسعى الدول الى وضع الخطط والاستراتيجيات التي تتضمن زيادة الاعتماد على انواع الطاقة المتجددة، وخاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي قد يسهم في ثورة ضمن قطاع الطاقة المستدامة، وسيلعب “الهيدروجين الاخضر” دوراً مهماً قد يشكل وقود المستقبل في السنوات القادمة.





