سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (37)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

1- المفهوم الجديد للسلطة

السلطة بالمفهوم الملكي إذ تستبطن نوعية العلاقة بين الحاكم والمحكوم فإنها تتضمن أيضا وأساسا مفهوما جديدا للسلطة الملكية نفسها. وقد دشن الملك محمد السادس عهده برؤية جديدة أنبأت عن تغيير جوهري يتناول العلاقة بين السلطة والمواطن، باعتبارها أكبر المعيقات البنيوية للإصلاح، فكان بزوغ “المفهوم الجديد للسلطة” الذي يقوم على مرتكزين أساسيين اثنين: تغيير مفهوم الحكامة الملكية ونهج سياسة القرب والاستماع الفعلي والميداني لصوت وحاجيات المواطن.
المفهوم الجديد للسلطة وفق صريح النطق الملكي هو مفهوم “يقوم على حماية المصالح العمومية والشؤون المحلية والحريات الفردية والجماعية، ومؤسس على صيانة الأمن والاستقرار وتدبير الشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي”.

نهج جديد للحكامة الملكية قوامه المفهوم الجديد للسلطة

يقوم المنظور الملكي من خلال اجتراح المفهوم الجديد للسلطة على فكرة جوهرية ذات رسالة واضحة وهي: أن الملكية المغربية إن كانت ملكية حاكمة وفاعلة فإنها ليست ملكية سلطوية أوتوقراطية، وأن رجال السلطة الذي يعملون تحت الإشراف الملكي ليست مهمتهم الجبر والتضييق على المواطنين من أجل أن يخدموا السلطة، بل العكس هو الصحيح، يجب أن تكون السلطة نفسها في خدمة المواطنين والمعادلة بسيطة: بما أن الملك نفسه يعتنق هذا المفهوم للحكامة ولتدبير السلطة فعلى معاونيه وممثليه وكل من يتولى سلطة باسم الدولة أن يتمثل هذا المفهوم ويعمل بمقتضاه. من باب إعطاء القدوة من فوق إلى تحت.

إنه الانتقال الملكي إلى النموذج التشاركي الادماجي أوالشمولي (من الشمول inclusiveness) للحكامة ولتدبير السلطة، وذلك من خلال عدة إشارات رمزية سابقة ومترافقة مع الإعلان عن المفهوم الجديد للسلطة، قوامها تغيير أسلوب الحكامة وأسلوب التعاطي مع الشأن العام ومع المواطنين، لكن دون أن يعني ذلك تغييرا في أسس النظام الملكي وثوابته التاريخية، إنه نموذج التغيير في إطار الاستمرارية، أي استمرارية ملكية حاكمة وفاعلة وفوق الجميع لكن بوجه جديد ونمط تدبير جديد للسلطة يعتنق معايير الحكامة الجيدة (التشارك والإدماج).

والمفهوم الجديد للسلطة إذ يقوم على رعاية وحماية المصالح العمومية ومتابعة حسن سير الشؤون العامة عن قرب، والسهر على الأمن والاستقرار وتشجيع المحافظة على السلم الاجتماعي، فإنه يأتي من أجل المساعدة على النهوض بواقع الاستثمار (أي التنمية). إن الأصل أن الحكامة في المنظور الملكي هي الحكامة الجيدة الفعالة، التي ترتكز على معالجة ومواجهة المشكلات والتحديات السوسيو اقتصادية، لكي يلمس المواطنون الفائدة والمنفعة من إدارة الحكم وتدبير السلطة. بمعنى آخر عدم الاستغراق في المفهوم القانوني السياسي للسلطة وتوجيه الاهتمام للمضمون الاقتصادي والاجتماعي لتدبير الشأن العام، هي إذن الحكامة الجيدة في أنصع تمثلاتها وفي أقوى تجلياتها الفكرية. فالسلطة في المنظور الملكي تتمحور حول إرادة تأمين لكل مغربي مواطنة كريمة تتغذى من الحقوق في تجلياتها الكاملة والملموسة والحقيقية. فالملك يقول إذن ما معناه أنه سيضع سلطته وما يتفرع عنها أو يتبعها في خدمة المواطنين، من خلال الاهتمام بالأولويات الاجتماعية التي تضمن العيش الكريم للمواطنين. من هنا نادى منذ البداية بجعل الإدارة أقرب إلى المواطنين، بحيث تكون ممارسة المسؤولية الإدارية غير متقوقعة في المكاتب، ولا تقتصر في مضمونها على المسطرة الإدارية والخدمة الإدارية التقليدية وإنما تكون شاملة لمهمة النهوض بالواقع الاقتصادي والأحوال الاجتماعية للمواطنين. والرسالة كانت موجهة في حينها أولا لرجال السلطة على مستوى الإدارة الترابية (الإقليمية) ولمسؤولي الجماعات المحلية المنتخبين ثانيا، لكي يعملوا على تعبئة المواطنين من أجل إدماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتمكينهم من الاستفادة من ثمار النمو وبالخصوص الشرائح الهشة ومحدودة الدخل، والموجودة على هامش النشاط الاقتصادي. وقد بدا أن بعض المسؤولين لم يستطيعوا مجاراة هذا النمط الجديد لتدبير السلطة أو أنهم اعتقدوا أن المفهوم الجديد للسلطة كان للاستهلاك والتسويق السياسي ولم يكن للتطبيق الفعلي.

مصالحة الإدارة مع المواطن

الهدف الثقافي البعيد للمفهوم الجديد للسلطة هو تغيير ذهنية العلاقة التبعية والسلطوية بين الإدارة والمواطن، وهذا رهان صعب ومعقد دونه عقبات وعقليات راسخة وأنماط تفكير وسلوك منغرسة في المحيط الإداري، وبما أن عمق المشكلة هو عمق ثقافي تربوي ونفسي، فقد أحدث الملك شخصيا الصدمة النفسية المعاكسة من خلال ترسيخ مفهوم مواز للمفهوم الجديد للسلطة ألا وهو مفهوم الملكية المواطنة، الملك القريب من شعبه والمستمع لمشاكله، والمتتبع الميداني لمدى تنفيذ المشاريع التنموية التي تعود بالنفع الملموس على قطاعاته الأكثر هشاشة.

وهو ما يرتب على الإدارة إعادة النظر في أسلوب تعاطيها مع المواطنين بناء على مبدئي التفاعلية والإنصاف؛ أي تحويل المفهوم الجديد للسلطة إلى ثقافة جديدة للمرفق العام المغربي، وهذا هو التحدي الأكبر المستمر؛ فكيف لا تعمل الإدارة على تكريس سياسة القرب مع المواطنين بينما رئيسها الأعلى “يحس شخصيا بالرغبة في ملاقاة شعبه”.
وفي هذا الصدد يقول الملك ما مفاده أنه لا يمكن معرفة المشاكل الحقيقية للأهالي إذا كنا نريد مساعدتهم من دون الذهاب إليهم، من هنا تبدو سياسة القرب مهمة وأساسية من أجل إنجاح المشاريع العمومية.

ولعل هذه السياسة بالذات هي التي تشكل العلامة الفارقة في نهج الحكامة في منظور الملك محمد السادس، إنها سياسة القرب والاستماع المباشر للمواطنين والالتصاق بهمومهم وتطلعاتهم. وهوما سبق أن تنبأ به عن صدق وحدس صائب الملك الحسن الثاني الراحل الذي تحدث عن الأسلوب الخاص للملك محمد السادس. “هو ليس أنا وأنا لست هو”. طبعا يجري ذلك في إطار الاستمرارية المتمثلة في التمسك بالأسس الدينية والدستورية للشرعية الملكية لكن مع تقديم قيمة مضافة نوعية ألا وهي الطابع المواطن للملكية. فالملك سيبقى ملتزما بالخصوصية التي تميز الملكية المغربية …..مع رفعها لمرتبة الملكية المواطنة. وما يدل عمليا على هذا النهج الجديد في حكامة السلطة وفي العلاقة بين الملك وشعبه هو الاهتمام المباشر والمتابعة اليومية والتفصيلية لأبرز قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب كما سبق أن بسطناها في المحور الأول من هذه السلسلة، بدءا بتحديد الاختيارات الكبرى، مرورا بتتبع تنفيذ السياسات العمومية وانتهاء بتقييم واستخلاص دروس تنفيذ تلك السياسات من حيث النتائج الإيجابية والنتائج السلبية. والغاية المثلى هي كسب ثقة المواطنين ومصالحتهم مع مؤسساتهم وإدارتهم؛ والاهتمام بالفئات المحرومة منهم من باب أولى.

إن المفهوم الجديد للسلطة إنما وضع لكي يكون بمثابة مدماك ومفتاح لتفعيل أمثل وأنجع للتوجهات الاجتماعية الملكية، أي لتوفير روافع تنموية بالسرعة والفعالية والنجاعة المطلوبة قدما نحو توظيف ثمار التنمية على مستوى تطوير مؤشرات أداء القطاعات الاجتماعية من سكن وتشغيل وصحة وتعليم.

تكريس المفهوم الجديد والمتجدد للسلطة بإنجازات ملموسة في الميدان

وتجسد مضمون المفهوم الجديد للسلطة في ميلاد العديد من المشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذا الدينية التي رأت النور، كان أبرزها تقدم تيارات سياسية جديدة مثل حزب العدالة والتنمية (تيار إسلام سياسي تزعم الحكومة المغربية مرتين متتاليتين)، وطرح الملف الأمازيغي مع التعامل معه بجرأة وبقرارات متقدمة، وظهور حقيقي لنساء في الواجهة، ونتائج جد مثيرة لهيئة الإنصاف والمصالحة، وإصلاحات في المشهد الإعلامي، وتعزيز سلطة منظمات المجتمع المدني وإشراكها في التنمية، وإعادة تأهيل الحقل الديني وإصلاحات في مجال قوانين تنظيم الأسرة. وصاحبت هذه المشاريع التي شهد المغرب ميلادها في ظل الملك محمد السادس، جملة من الإجراءات والقوانين المواكبة تتوخى تمكين كافة الهيئات المنتخبة والمؤسسات المحلية من أداء مهامها في أجواء تخلو من كل أشكال البيروقراطية.

بالإضافة إلى تغيير دور مؤسسات الدولة التي لم تعد وظيفتها تنحصر في التدبير الإداري وحده، بل امتدت إلى التنمية الاقتصادية التي تقوم على تبسيط المساطر الإدارية من أجل تسهيل وتشجيع الاستثمارات التي من شأنها خلق الثروة الاقتصادية وتوفير مناصب الشغل وبالتالي ضمان المزيد من الاستقرار والأمن. وفي هذا السياق أحدثت مراكز جهوية للاستثمار التي جاءت لتجسد بعدا جوهريا في المفهوم الجديد للسلطة، وهو إنعاش الاستثمار والنهوض بالاقتصاد، وبالتالي تحقيق التنمية السريعة والمستدامة. وارتكز تحقيق هذا الهدف على أربع أولويات رئيسية هي: التنمية المحلية، التحفيز على الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحسين قدرات وكفاءات الاقتصاد الوطني، وتحسين مستوى عيش الفئات المحرومة.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...