أيّها الوباء.. كفى

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*عبد الحفيظ بن جلولي.

 

 

بعد أن شهد العالم الموجة الأولى من وباء كورونا، كوفيد 19، هاهو يدخل في لجج الأمواج المتتالية، إذ يؤكد المختصين أن الجزائر مثلا على أبواب الموجة الثّالثة. يعود الفيروس متحوّرا وسط تضارب الآراء حول طبيعته، بل حول وجوده أصلا لدى بعضهم، إذ هناك من يشكك في شيء اسمه وباء أو كورونا، ويفسّر ذلك عن طريق إمّا نظرية المؤامرة، أو الالتجاء إلى التّفسير الديني والتوكل على الغيب ليتولى الحماية، فالتوكل دينيا يكون بعد القيام بكامل الفعل البشري ضمن منظومة المبادرة الإنسانية والنّتائج بعد ذلك على الله تعالى.

أيها الوباء نشكوك إلى الله فعلا، بعد أن عجزت إلى حدّ كبير المبادرة الإنسانية في التغلّب عليك، وهذا لا يتنافى مع ما يتطلّبه الوعي الإنساني من اتخاذ الأسباب بما في ذلك الحركة المعرفية في دائرة البحث العلمي، فالتوكل لا يمنع أحدا من أن يقدّم ما في استطاعته كعقل ومبادرة خلاقة ثم يستعين بالله في التّوفيق، دون انزلاق إلى حالة “الاستهتار” في الاتّجاهين، إذ هناك من وصل إلى حدّ السّخرية من الذين خضعوا للتّطعيم طواعية، بل ليس هذا فحسب، حيث راح يتكلم بوثوقية من أنّ التّطعيم خطر لأنّه منتوج القوى الغامضة التي تريد التحكم في العالم والرّبح على حساب صحة البشر، وهناك أيضا من تخلص فقط من فكرة الإشارة إليه على إنّه غير منسجم مع الوضع الوبائي بالتحصّن ضده بالوقاية، فما صدّق أن مدّ ذراعه لحقنة التطعيم حتى خرج إلى الواقع غير آبه بشيء، فأصيب ثانية وهو ما يأخذه كذريعة المناهضين للتّطعيم، وهذه حركة غريبة ومستهجنة في مجتمع مستهلك، يستهلك التّطعيم المصنوع في أوروبا كما يستهلك الآخرون الخطاب المضاد المثار في أوروبا أيضا، فوعيِنا مركّب وفق عقل الانتظار، نحن ننتظر الشّرارة هناك لنشعل الفتيل هنا، ولا نعرف مع هذا الوضع الذي نعتبر سلبيين فيه بامتياز حتى كيف نفعّل المنطق كي ننتج سرديتنا على الأقل التي تروي الحكاية المصنّعة ذاتيا.

إنّ ما يحيط المرض أو ما يتعلّق بــ “العيادة” يأخذ أبعادا تاريخية تحتكم إلى المؤسّسة، التّجربة والكفاءة، والوعي الغربي إذ يشتغل، ينطلق من الواقع الرّأسمالي الذي أنتج نظامي السّوق والدّيمقراطية، أي الرّبح والحرّية، وبالتّالي فأي نقاش يثور مجتمعيا يستند أساسا إلى الحرّية، أي الجميع ينطلق من الرّأي الشخصي دون فرضه على الآخرين، ومن ثمة تنبع تعدّدية الخيارات، بينما نحن هنا نتلقّف فقط المعلومة أو الرّأي ثم نبني عليه الموقف الشّخصي مما لا يتولّد عنه سوى التعصّب.
اشتدّ انتشار الوباء، وتعدّدت تحوّراته، وفتك متحوّر “دلتا” الهندي بآلاف البشر، وامتدّ في جميع بقاع الأرض، وبدّل الفيروس من جلده كي يخاتل ويتسلّل من حيث لا ندري إلى داخل أجسامنا فيعيث فيها فسادا، فلم يبق إنسانا إلا ونُكب في عزيز، وتحوّلت الحياة إلى أكبر مرتع للحزن، فلِمَ أيّها الوباء تفعل هذا بنا ونحن أشدّ احتياجا في لحظتنا هذه إلى اللقاء والاحتضان والمواساة، فالأرض تعيش أتعس أيّامها منخرطة في المؤامرات والحروب وانسحاق المستضعفين واستقواء المستكبيرين؟ هل هذا مما حصدته أيدينا؟

فعلا البشر يستهينون حد الموت بكل ما يشكّل حبلا يلتف حول رقابهم، أليس النّظام الغذائي المستحوذ على رغباتهم أحد أسباب هلاكهم، ومع ذلك يقبل الإنسان وبشراهة على السكريات والذّهون والأخلاط المصنّعة والمشروبات الغازية واللحوم الحمراء، وجميع هذه العناصر إمّا تسدّ الشّرايين أوتهلك الأغشية المخاطية للجهاز الهضمي أوتنهك الجهاز البولي وتحطّم الجهاز الدوري، كما لو أنّ مثل هذا السّلوك يمثل رغبة في الانتحار متخفّية في أدغال النّفس البشرية، حيث عندما نعجز عن كبح جماح شهواتنا فإنّنا نسوق أنفسنا إلى حتفها الأكيد.

نغامر داخل متاهة الجهل المطبق بمآلات الأشياء، لا لشيء إلا لأنّنا نقحم فهمنا في شيء لا يعنينا، بالضّرورة لا أعني أنّنا لا نحاول فهم الظّواهر في شتى ضروب المعرفة والحوادث، هذا طبعا مستبعد، لكن علينا ونحن ننخرط في محاولات الفهم أن نكون متوازنين في إدراكنا للشّيء، بحيث نُعمل منطق الأشياء في تلقيه، ولهذا تنعم الفهوم في مجتمعات المعرفة بخصيصة السّؤال، وتغرق فهومنا في خصيصة اليقين الفج حين نتبنى إحدى وجهات النّظر، ونقاتل لأجل الانتصار لتلك الفكرة بعيدا عن مناقشتها موضوعيا، ومن ثمّة طرحها كرأي يتعلق بصاحبه ولا يروم فرضه على أحد.

إنّ المعرفة العلمية تقوم على النّظرية، ولذلك فهي موضوعية من حيث قابليتها للاستيعاب والضّحض والتجاوز، ومنه يقوم العقل المعرفي على قاعدة النقد، والجدل الذي يقوم حول النّظرية إنّما يضطلع به المختصون، ولأنّ المجتمعات المتطوّرة تقوم على المعرفة، وهي من ينتجها، فهي دائمة الإنتاج للأسئلة، وليس الوقوف اليقيني حول ما ينتج، إذ يؤدّي ذلك إلى استقالة الوعي النّاهض بالتقدم نحو أفق الحقيقة البعيد، فيتوقف الميكانيزم المؤهّل للعقل عن تحفيز أطاريحه المختلفة التي تدفع الأفكار لمقارعة بعضها البعض، ومن جدل المواجهة تنبت الرّؤى وتستمر عجلة العلم في ارتياد الآفاق المختلفة المتغيّرة والمتحرّرة من يقين الصحة، أي احتمال الخطأ فيها.

ضمن هذا النّسق المعرفي نعيش فوضى الآراء في العالم أجمع بصفة معتدلة والعالم العربي على وجه الخصوص بصورة متطرّفة حول التّطعيم ضد فيروس كورونا ومتحوّراته، إذ التّطعيم مجال علمي من اختصاص الباحثين في المجال الطبي والبيولوجي والصّيدلاني، والعجيب عند الكثير من الاتجاهات المضادة لمسعى التلقيح انطلاقها من موقف إيديولوجي يرتكز على قناعات خاصّة، كنقد نسق التلقيح من خلال نسق الرأسمالية المتغوّلة، أو من خلال الرّفض لحقيقة المرض احتماء بالغيب، وكأنّه ليس من مبادئ الدّين الحنيف الوقاية وأخذ الحيطة والحذر ضمن مبدأ عدم الإلقاء بالنّفس إلى التهلكة، وهذا ما نراه باديا للعيان في رفض تدابير الوقاية الصحية المتمثلة خصوصا في التباعد الاجتماعي واستعمال الكمامة، ناهيك عن غسل اليدين بالصّابون واستعمال المطهّر.

إنّ الوسطية المعرفية تقيم ميزان الاعتدال في الرّأي، تحيل الوعي مباشرة إلى الشك في الفكرة، حيث ينأى الإنسان عن التمسّك بصوابية ما يقوله أو يكتبه، وخصوصا في مثل هذه الحالات التي تضع على المحك حياة البشر، فالسّردية المشارِكة في التضارب المحموم حول الفيروس ومنشأه والتّطعيم ضدّه يجب أن تراعي فكرة عدم الجزم باستعمال القاموس المفرداتي الدال على الاحتمال، “يبدو لي، يحتمل، أظن…”، حتى لا يستطيع من هم خارج إطار الترجيح واستعمال المنطق في إدارة استقبال الأفكار أن يتخيّروا ما هو أقرب إلى الصحة والعقل.

يبدو لي أنّه ليس هناك خيار أمام الهجوم الشّرس لكوفيد 19 ومتحوّراته سوى الوقاية والتّطعيم، والسّلالات ما فتئت تتكاثر، فمن “دلتا الهندي” إلى “لامبدا” البيروفي إلى المتحوّر الإنكليزي إلى متحوّر “بيتا”، وكلها فتّاكة، ولا تملك الإرادة الإنسانية سوى التشبّث بالحياة ومقاومة كورونا، بكل مل يتوصّل إليه العقل الطبي من منتجات وقائية مقوّية لجهاز المناعة بعيدا عن افتراضات المؤامرة وادّعاء التحصّن بالغيب الذي يأمرنا باتّخاذ الأسباب.

ناقد وكاتب من الجزائر

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...