فكر الفزعة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مصعب البدور

 

 

يتحلى المواطن العربي عبر القارات بصفات فكريّة وسلوكيّة تميّزه عن غيره في كلّ مكان، وتجعل منه مواطناً عربيًا بامتياز، ومن أحد أهم مكونات الفكر العربي وسلوكيّات المواطن العربي في العصر الحديث (الفزعة)، ولقد تطورت الفزعة مع الزمن لتتحول من صفة محمودة، فيها الإغاثة والعون إلى جانب سلبي فيه التلقائية وإنعدام التخطيط وفقدان المنهج .

لماذا نرى الفزعة في الشارع العربي ؟

لا تخفى على أحد حرارة مشاعر العرب، وانجرافهم بعاطفة تجاه كل حادث، فهم إن أحبوا أحبوا حد العمى، وإن كرهوا كرهوا حد الأذى، وما هذه الصفة عيب بذاتها وليست مديحة كذلك، إنما لب الكلام أنها سبب رئيس في فكر الفزعة لدى المواطن العربي، فإن العربي منجرف وراء عاطفته فلا يتعاطى الأحداث بروية بل يأخذها على صورة جرعة زائدة ، فما يجري في الوطن العربي مِنْ أحداث متتالية ومن جراح نازفة يعزز هذا الدفق العاطفي ويغذيه .

وللفزعة مظاهر تستعرض نفسها بشكل شبه يوم، منها ما تجده في الحكومات وفي الإدارات والمؤسسات، ومنها ما تراه في العائلات والأسر، ومنها ما تشاهده في الإعلام ومنها ما تقع عينك عليه في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، فلو نظرت إلى قنوات اليوتيوب ومصوري اليوميات -الذين يصعب حصرهم- أو رأتي الصفحات التي تبث المقالب – المكذوبة- لتحققت من فوضى الفزعة الفكرية يقينا .

ومن مظاهر الفزعة عند العرب تداول الأحداث الساخنة في الساحة العربية وهكذا طفت على السطح من جديد فزعة المواطن العربي في الأحداث الأخيرة فالبارحة كانت حماسة كسر القيود وزهو الانتصار صورة الشارع العربي، ونفق الحرية شعاره، ومواقع التواصل تحمل صور صناع الحرية وأ سماءهم، والجميع يصفق من جهت، وأما حال اليوم فتغيرت الصورة إلى مصدوم مكسور الخاطر، أو مهزوم غارق في غضبه يشتم خيانة العرب، ونسي الجميع أنّ كل ما سُمِعَ وبُثّ رواية العدو من أولها لآخرها.
ولست في صدد وضع سيناريوهات لما وراء الحدث، أو لكشف غموضه أو لتصديق رواية العدو، إنما ألوّح مشيراً إلى الحالة القائمة التي تجعل من المواطن العربي مشغول الفكر، قصير الذاكرة، تائه بين المرئيات، وسرعان ما يتحول عن فكرته الرئيسة وقضاياه الحقة، تاركاً الأمور المحورية وجارياً وراء أنواع الفوضى المتعمدة.

لصالح من تعمل الفزعة ؟

كثيرا ما غيرت الفزعة بوصلة الشارع العربي، ولصناعة الإعلام هذا الزمان دور واضح في تغذية الفزعة وتحريكها، فإذا وجدت العرب يعملون لشيء من أجل مستقبلهم ونهضتهم، فما هي إلا لحظات حتى يخلق لهم الإعلام حدثا يلهون به، وعندها ستراهم يتركون كل شيء ويعبثون بالأحداث تحليلا ونشراً، وستجد الشاشات والبرامج تحفل بهم، وتسلط الضوء على تغريداتهم وتعليقاتهم وأوسمتهم. هذه المشاهد تكشف عن أقصى حد وصلنا له من فوضى فكر الفزعة.

الأحداث والأخبار، ولا أدعوهم إلى ترك مؤازرة الأحرار في كل مكان، ولا أريد ترك حالة المؤازرة لكلّ إنجاز يُفْخَر به ، إنما أدعو إلى مَنْهَجَةِ حياة الشارع العربي، وتخليصه من فوضى الفزعة بأشكالها كافة، في الواقع أو في العالم الافتراضي، لما لهذا الفكر من آثار تنعكس على جوانب الحياة من الانشغال عن القضايا الأساسية، محو ذاكرة الشارع العربي الذي يلتهب دفعة واحدة ثم سرعان ما يهمد وتختفي كل آماله وطموحاته.

ويبقى التساؤل القائم هنا من المستفيد من هذه الحالة ؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...