التربية والإصلاح

إيطاليا تلغراف

 

 

 

مصعب البدور

 

 

شهد الشارع العربي دفقة عالية من صيحات الإصلاح ومحاربة الفساد، وكانت الحراكات الإصلاحية في السنوات القليلة الماضية بين اشتداد وخفوت، ولها مطالبات متعددة تشمل الإصلاح في كثير من الجوانب، كالإصلاح السياسي والاقتصادي ومحاربة الترهل الإداري، وفي هذا السياق هناك الكثير من القضايا تحتاج إلى إصلاح لخلق جيل لا يعرف الفساد، جيل عاش منهجا صالحا، وتربى على نبذ الخطيئة، ورفض أشكال الفساد .وقد تتسبب بعض السلوكات التربوية بخلق جو من القبول للفساد والتعايش معه، وبعضها الآخر من شأنه المساهمة في الإصلاح.

الأم والوساطة
إن من أكبر الآفات التي تنخر أجهزة الدولة في الوطن العربي الكبير الوساطة والتي تتضح في هضم الحقوق، وتقديم أصحاب المهارات المحدودة على الكفايات العلميّة والخبرات العمليّة، والوساطة باتت في الوطن العربي أمرا ضروريا لتحصيل بعض الحقوق، وتعود الوساطة في جذورها إلى أسباب تجعل منها أمرا مقبولا عند المواطن العربي، والذي وصل بدوره إلى حد التفاخر أحيانا بها ، فستجد من يتحدث عن وَصْفة فايتمين (واو) الذي يعالج كلّ مشاكل المواطن في المصالح والدوائر الحكوميّة، وأهم هذه الأسباب نابعة من أساس المجتمعات ،منبثقة من رحم التربية الأسرية، والوساطة سلوك تمتاز به الأمهات وله مظاهر عشناها جميعا وتربينا عليها، كتدخل الأم بين الأب والابن في إجراءات الآباء التربوية بحق الأبناء، و دفع الآباء إلى التراجع عن قراراتهم، فستجد الأم استطاعت إلغاء جميع الإجراءات والتدابير الذي اتخذها الأب من منطلق عاطفة الأمومة والشفقة على الأبناء، فتأتي الأم بقرار الصفح والعفو السريع، مثل هذا السلوك يولّد عند الطفل مفهوم الوساطة في أعلى صوره، فاقتراف الأخطاء المتعمدة ممكن الحدوث في أيّ وقت مادامت الأم موجودة كغطاء على الأخطاء بحجة خلق فرصة جديدة أمام الطفل، وهذا من شأنه أن يجعل الوساطة أمرا مقبولا في العقل الباطن لدى الأجيال .

الأب والتمييز
يغرق الشارع العربي في مستنقعات فكر الطبيقية، فوجود طبقة واحدة تستحق الاحترام والتقدير غير مستغرب في شارعنا، لأننا نعيش في أذهاننا طبقيّة مستعصية العلاج، فالمسؤول مصدر مهابة وخوف، وهو شخص فوق المساءلة وله نصيب من التبجيل، أما غيره من الناس فضمير غائب وله فضلة الاحترام، فالإنسان العادي كثير الحضور في وحل الواقع غائب عن ساحات الاهتمام، وهذا شعور كرسته الكثير من تصرفات الحكومات من صناعة هالة للمسؤول ووضع الحواجز بينه وبين الرعايا والشعوب وتقديمه في كل شيء، مما ولّد شعورا بالاستعلاء عند ا لمسؤولين وحواشيهم على البقية، وما أود تسليط الضوء عليه هنا وجود جذور لهذه القضية تتصل بالعائلة فإن ما يمارسه الآباء من رسم هالة كبيرة حول بعض الأبناء وتفضيلهم وتمييزهم عن غيرهم له دور كبير، في صناعة صورة مشابهة في واقع الحياة عندما يكبر الصغار، وأما جو التسلسل الإداري داخل أروقة البيت وتشريع مبدأ وجوب خدمة الأصغر للأكبر دون حاجة حقيقية لهذه الخدمة، فهذا أيضا من الأسباب التي تجعل المواطن العربي يحس بهالة لكل شخص يحسن مظهره ويتصرف كمسؤول وتجعله ينظر إلى نفسه باستصغار أمام أستاذية القرارات وهيمنة أصحاب القرار .

الممتلكات العامة والحفاظ عليها
ومن المظاهر التي ينبغي أن يشار لها في الحياة الواقعية لتصحح مسيرة الجيل القادم وتوجيههم نحو الطريق الصواب احترام الممتلكات العامة، والحفاظ عليها فمما شهده الواقع العربي استباحة بعض ممتلكات الدولة من قبل الجميع المسؤول وغير المسؤول، فمن يطلب من طفله أن يساعده في قلب عداد الماء، أو وصل سلك الكهرباء الرئيس للبيت بعد العداد سيجعل من الأطفال أجيالا لا يلتفتون إلا إلى المصالح الفردية، وسيكون الفساد في كل مكان، فكل واحد يمارس فساده بحسب مستواه، وما يستطيع الوصول إليه، وهذا ما يتنافى مع حقيقة الإصلاح وطموحاته، الذي يثلهث وراء الوصول إلى كلمة تذوب فيها الذوات وتختفي فيها الهالات والاعتبارات وتتساقط المصالح الفردية أمامها وهي (الوطن).

التطبيق العملي أهم من التنظير
إن الإصلاح من حيث النظرية أمر سهل ميسور، والجميع يتحدث عن تسريع عجلة الإصلاح، وإن أغلبية الشعوب العربية مشاركة في العملية الإصلاحية بوصفهم منظرين لها بعيدا عن المشاركة الفاعلة، لذلك لا بد من تربية عملية في جميع الجوانب ليكون جيل المستقبل جيل عملي يتكامل دورهم في التطبيق مع دعوات الإصلاح ونظرياته،أما ما نراه في كل مؤسساتنا من كثرة الكلام وانعدام التطبيق، فله صلة بمشاهدات الأهل المخططين من أجل المستقبل في سهرتهم والقاعدين عن التنفيذ في وقت الاستحقاق، ولها علاقات قوية مع الأهل الناهين عن الخطأ مساءً،والمقترفين له صباحاً، لذلك على الأسرة أن تربي في الأجيال قيما سلوكية راقية وعملية، وأن تزوّد الأجيال بمعتقدات دينية صافية من شأنها التشجيع على الإقبال على الخير والإحجام عن الشرور وانعكاساتها في الشارع العربي .
وخلاصة القول إن مسؤولية الإصلاح تبدأ من الأسرة ومن سلوكها مع أطفالها، وتتمظهر في ساحات السياسة والإقتصاد، ولا تعفي الحالة القائمة من فوضى وغياب منهج تربوي المسؤولين من أخطائهم، ودعمهم الواعي أو اللاوعي للفساد، ويجب أن يهب الجميع لبناء جيل تربى على رفض الفساد ومحاربته.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...