ما سرّ التفوّق الكاسح للغة الأنجلوساكسونية عالميا؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*مولود بن زادي

 

استطاعت اللغة الأنكلوساكسونية أن تحقق نجاحا باهرا عالميا، منتشرة في ربوع الدنيا، متفوقة على اللغات الرومانسية المنبثقة عن اللاتينية، لغة أعظم إمبراطورية في تاريخ البشرية – ومنها الفرنسية التي كانت في يوم ما سيّدة حتى في عقر دارها، في لندن وإنكلترا. ورغم النمو الاقتصادي الهائل والتطور العلمي والتكنولوجي السريع اللذين تشهدهما الصين، تبقى الإنكليزية في كرسي الريادة متقدّمة بفارق شاسع على الصينية، اللغة الأم الأكثر استخداما في العالم. فما سرّ هذا التفوق الكاسح؟ وما سرّ الإقبال المتزايد على الإنكليزية دون غيرها في عالمنا؟ وهل الاشتراك في لغة عالمية حتمي في عصر العولمة؟

ما الذي يحدد تفوق اللغة

يرى كثيرون أن العامل الاقتصادي من أهم العوامل التي تتحكم في تقدم اللغة وانتشارها. المبررات الاقتصادية وجيهة لا يمكننا نكرانها. فالإنتاج الصناعي مرتبط بالإنتاج اللغوي، والدول المنتجة للسلع الاستهلاكية هي التي تحدد الألفاظ والمصطلحات وطرق استخدامها. وبالتالي، الدول المتقدمة في الإنتاج الصناعي والتكنولوجي تكون بالضرورة متقدمة في الإنتاج اللغوي. يقودنا ذلك إلى سؤال يردده كثيرون: هل تستطيع لغات أمم تشهد تطورا اقتصاديا وتكنولوجيا هائلا على منوال الصين واليابان وكوريا أن تتفوق على الإنكليزية يوما – أو على أقل تقدير أن تنافسها؟ والجواب على ذلك يكون حتما بالسلب. فعكس هذه اللغات التي لا يتكلمها إلا سكانها الأصليون، تعد الإنكليزية اللغة الأكثر انتشار وتوازنا عالميا والفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى الإمبراطورية البريطانية، التي بسطت نفوذها في أنحاء العالم، وهو ما سمح لها بنشر لغتها لتصبح الإنكليزية لسان كثير من الشعوب، واللغة الأم لثقافة شعبية مشتركة جامعة لجماهير واسعة في أرجاء الدنيا. فالصينية، على سبيل المثال، التي يتكلمها نحو 1.3 مليار نسمة، تظل منحصرة ضمن رقعة جغرافية محددة، بينما يتكلم الإنكليزية نحو 1.5 مليار نسمة، منتشرين في كل أرجاء المعمورة، ولو أنه لا يستخدمها لغة أولى في الواقع إلاَّ ما يعادل 400 مليون!

لغة الويب بلا منازع

لعل أبسط الاستراتيجيات لتقدير مدى هيمنة لغة ما معرفة مقدار استخدام اللغة في محركات البحث على شبكة الويب. تؤكد لنا هذه التقنية بدقة متناهية تربع اللغة الإنكليزية على عرش عالم الإنترنت وتفوقها على سائر اللغات. وفقا لإحصائيات ستاتيستا، الشركة الألمانية المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين، الإنكليزية هي اللغة الأكثر تمثيلا على الإنترنت بنسبة 25.3% من مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء العالم. أحد أسباب انتشار الإنكليزية الواسع على الشبكة العنكبوتية طابعها العالمي، إذ غالبا ما يختارها أشخاص من جنسيات مختلفة كوسيلة مشتركة للتواصل. الويب ميدان عولمة بامتياز، يجتمع في كنفه مستخدمون من كل أقطار العالم يتكلمون لغات مختلفة يحتاجون إلى التواصل بلغة مشتركة، ولن تكون اللغة المشتركة غير الإنكليزية.

صعوبة التعبير في اللغات الأم

من مبررات الإقبال المتزايد على الإنكليزية صعوبة التعبير عن المسائل العلمية في اللغات الأخرى بما في ذلك الصينية، وهو ما اعترف به كبار الخبراء في العالم. فها هو يانغيانغ تشانغ عالم فيزياء في جامعة كورنيل في إيثاكا في نيويورك، وأحد كبار العلماء الصينيين يؤكد ذلك، «لقد قدَّم الباحثون الصينيون مساهمات ضخمة في العلوم على المستوى العالمي، لكنهم فعلوا ذلك في الغالب مستخدمين اللغة الإنكليزية. اللغة الصينية غنية وجميلة، لكنها لا تزال تفتقر إلى كثير من المفردات اللازمة لوصف العلوم الفيزيائية». ويجد كثير من العلماء في العالم صعوبات في الحديث عن أبحاثهم وأعمالهم في لغاتهم الأم رغم إتقانها أمثال يانغيانغ تشانغ الذي يقول، «لا أدري حتى كيف أتحدث عن عملي باللغة الصينية. سيتطلب ذلك كثيرا من الجهد».

الحاجة إلى توفير الموارد

مما يؤيد أيضا الإقبال على الإنكليزية لجوء كثير من المؤسسات في العالم الأنكلوساكسوني اليوم إلى استخدام أفراد يتقنون الإنكليزية توفيرا للوقت والجهد. فاستئجار من لا يتقن هذه اللغة يحمل هذه الشركات على قضاء وقت إضافي في تدريبهم لغويا وإعدادهم للقيام بمهام يستطيع القيام بها محليون أو أفراد من الجاليات أتيحت لهم فرصة تعلم الإنكليزية وإتقانها. هذا ما أكده سنيها داروادكار، عالم الأحياء البرية في مركز دراسات الحياة البرية في بنغالورو في الهند حيث قال، «غالبا ما ينظر العلماء في الهند باستخفاف إلى الأشخاص العاجزين عن التحدث باللغة الإنكليزية. أعمل في مجال الحفظ. فعندما يأتي العلماء إلى هنا من أوروبا أو أمريكا الشمالية لإجراء بحث ميداني، تجدهم يجتهدون لاختيار موظفين يحسنون الإنكليزية».

أخطاء الترجمة

كثير من المدافعين عن التنوع اللغوي في العالم يشيرون إلى دور الترجمة في حل مشاكل اللغة والتواصل بين البشر، لكن كثيرين لا يدركون نقائص الترجمة وصعوباتها وأخطاءها الفادحة، وهو ما لمستُه شخصيا بحكم اختصاصي وعملي في هذا الحقل. الأمثلة عن ذلك كثيرة أذكر منها قضية إقبال بيجوم التي أثارت اهتمام الرأي العام في بريطانيا. أدينت بيجوم بقتل زوجها عمدا. وبعد ثلاث سنوات أعيد فتح القضية ليتضح أنّ الحكم الصادر عن المحكمة لم يكن عادلا نتيجة خطأ فادح في الترجمة حيث تُرجم (القتل غير العمدي) بـ(القتل العمدي)! وبعد مراجعة الحكم، أطلق سراح المتهمة.
أخطاء الترجمة تتردد بكثرة في الحقل الأدبي. مثال بسيط على ذلك، لفت انتباهي، ترجمة عنوان كتاب L’attentat إلى اللغة العربية بـ(الصدمة) وهو خطأ، فمقابل كلمة (الصدمة) بالفرنسية هو Le choc. والصواب هو (الاعتداء) على منوال Un attentat terroriste بمعنى (اعتداء إرهابي). أخطاء الترجمة في حقل الطب والعلوم والتكنولوجيا تؤدي إلى صعوبة الفهم وتنتج عنها دراسات خاطئة اعتمادا على مكونات وعناصر ومقاييس غير دقيقة. مشاكل الترجمة من الأسباب التي تبرر دعوتنا إلى استخدام لغة واحدة في عالمنا يتواصل بها كل البشر ـ الإنكليزية.

اللغة السيئة تفرز دراسات سيئة

من النتائج السلبية لعدم إتقان العلماء الإنكليزية عرضهم دراسات دون المستوى، وهو ما أكدته فيرا شيريدان، باحثة في اللغة والعلاقات بين الثقافات في جامعة دبلن سيتي، «يحتاج الموجهون إلى قضاء المزيد من الوقت في مساعدة الطلاب على فهم أعراف الكتابة العلمية وتوقعات المجلَّات المختلفة. أعرف حالة قدَّمَ فيها باحث من الهند ورقة بحثية عادت إليه إلى حد كبير بسبب مشكلات اللغة. كان يعتقد أنه قد عالج المشكلة ولكن تم رفضها مرة أخرى، ليس لمسألة تتعلق بجودة البحث وإنما بجودة اللغة الإنكليزية. نظر الباحث إلى التجربة على أنها واحدة من أسوأ التجارب في حياته». ومن المشاكل الأخرى التي يواجهها العلماء الأجانب الذين لا يحسنون الإنكليزية صعوبة النشر في المجلات الأنجلوساكسونية المعروفة. فالقدرة على النشر باللغة الإنكليزية ضرورية للاستفادة من هذه المجلات التي تضفي نوعا من الشرعية وتسمح للباحثين بالانتشار والارتقاء إلى درجة عالية في عملهم.

معركة اللغة حاسمة للعولمة

وهكذا رغم النمو الاقتصادي السريع الذي تعرفه الصين وأمم أخرى ناطقة بلغات أخرى، تبقى الإنكليزية اللغة الأكثر انتشارا وسيادة في العالم. فعظمة اللغة لا تُقاس بعدد الناطقين بها، ولا بمقدار التطور الاقتصادي والتكنولوجي، ولا حتى بالنفوذ السياسي، وإنما بالأهمية التي تكتسبها هذه اللغة في العالم ومدى تقبل سكان العالم هذه اللغة لغة عالمية ووسيلة مشتركة للتواصل، وهو ما تجسده اللغة الإنكليزية بامتياز. عظمة اللغة الإنكليزية في العالم ليست حديثة وإنما تضرب بجذورها في أعماق التاريخ وتعود إلى الفتح الأنجلوساكسوني في القرن الخامس الميلادي الذي صنع تآلفا وتفاعلا بين الشعوب الغازية والمحلية وسمح ببناء ثقافة مشتركة. وقد ترسخت دعائم هذه الثقافة لاحقا من خلال الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فصارت الإنكليزية لسان هذه الثقافة العالمية. وتظل اليوم الإنكليزية لغة سيدة في العالم بعدما تقبلها سكان المعمورة على أنها وسيلة عالمية للتواصل، وهي اليوم همزة وصل بين كل الأمم. ولن تكتمل العولمة التي نعيشها إلا بحسم معركة اللغة التي ستكون طويلة وطاحنة، تواجه فيها الإنكليزية اللغات الرومانسية والصينية ولغات أخرى، الغلبة فيها حتما للغة الويب والعلوم والتكنولوجيا والثقافة العالمية المشتركة الجامعة لكل البشر، الإنكليزية.

*كاتب من الجزائر

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...