ماروكينو أو ساراتشينو سجين الزمكان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.أحمد براو

 

 

لا يجرمنّكم عدم معرفة مصطلحات العنوان على ألا تواصلوا تصفح سطور المقال، كأني أسمع منكم من يعارضني ويصر على اشتراط وجوب تحرير الألفاظ لمتابعة القراءة، لكني أنا أيضا لدي نفس التحفظ هو لاستدراجكم للوصول إلى ما أريد، أو أنهي هذا المقال هنا قبل البداية، على أي حال ما حصل في هذه المقدمة هو ما كان في ذهني لكي تصلوا معي إلى هذا السطر ولكم الآن أن تتساءلوا كيف أصبح الماروكينو هو السّاراتشينو؟

يعني أن هناك خلط في الأبعاد بين الإتجاهات والأزمنة فالماروكينو في إيطاليا هو المغربي نسبة للماروكّو وإذا شئنا الغربي لأن المغرب في أقصى الغرب، وبذلك سمي المغرب الأقصى وقد فتحه الفاتح عقبة بن نافع الفهري رحمه الله لما تأسف على ضفاف مدينة آسفي وتمنى خوض المحيط للوصول لأمريكا – ولكل امرئ ما نوى – فهو مكتشفها وفاتحها بالنية الصادقة، وبالمناسبة فمدينة آسفي هي موطن أجدادي بنو هلال القادمون من اليمن والمستقرون ببلاد أحمر نسبة لبني حمير تلك القبيلة اليمنية الشهيرة أول رجل من بني آدم كسى الكعبة كان التبع أسعد أبو الكرب الحميري ، تقول الأساطير كان السلاطين في المشرق إذا انتفضت قبيلة أو قامت ثورة أو عصيان مدني ضد تأدية الضرائب، يرسلون لهم جنود لا قبل لهم بهم من بنو هلال وبنو سليم، لإخمادها واستقروا بعدها في بين عبدة “آكلي الكبدة” عفوا هكذا يسمونهم رغم أنهم من بني عمومتهم وفخد منهم، و بين الحوز وتانسيفت قضاء مراكش والسراغنة، ومدنها الشماعية واليوسفية وسيدي شيكر، ولك أن تتحقق من الحكاية عند تفقدك مواسم المنطقة وفلكلورات شرفاء رجال أحمر البارعة في الفروسية والرقص بالبنادق، كما تقول نفس الأسطورة أن دعاؤهم مستجاب وقد دعوا على قبيلة لم تؤَدِّ لهم العُشر فجفت أراضيهم ويبست مزارعهم وماتت مواشيهم ومن تم شاع الخبر أرجاء البلاد وهابتهم العباد، وأصبحت تقول في الموروث اللغوي القبلي “شيلاه أرجال احمر” دعنا من هؤلاء الشرفاء الراقصون، ولنذهب لنا نحن؛ الماروكينو لم يتغير في إيطاليا وبقي غربيا عفوا بقي شرق-غربيا، كيف ذلك؟ لم يتحرر الإسم، لأن الإيطاليين منهم من يعتبره عربيا أو مغربيا أو إفريقيا أو شرق أوسطيا أو بالأحرى آسيويا من الهند والسند كل هؤلاء يمكن اعتبارهم ماروكينو في المخيلة الإيطالية، وإذا شئتم اسألوا كم من سنغاليا أو تونسيا أو حتى غجرا من الكوسوفو نادوهم بالماروكينو، كلكم سواء لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا في الجنوب، يضيفون بهارات أكثر مثل سكان الحوض المتوسط يحبون الكسكسي ويضيفون المناداة بكلمة حميمية “كودجينو ماروكينو” أي ابن عمي الأجنبي.
لماذا يكره الإيطاليون الساراتشينو رغم أنه غنى له المطرب الشعبي الشهير ريناتو كارسوني سنة 1958 أغنية بارعة في الجمال وهي من بين أكثر الأغنيات الشعبية استماعا تسمى “أو ساراتشينو – بيللو واييو”

تقول الأغنية:
أوو ساراتشينو أوو ساراتشينو
ذاك الشاب الوسيم
كل الفتيات تهيم في حبه
لديه شعر مجعد
عيونه كقطاع الطرق
الشمس تلاطف وجهه
ليس هناك فتاة لا تقشعر
عندما تراه وهو يمشي
سيجارته في فمه
ويده في جيبه
يجول كل المدينة
شاب وسيم
الفتيات يتنهدن عند لرؤيته
بهي الوجه
طيب القلب
إنه محبوب – إنه غاو – إنه شقي
نظراته تجعلك تهواه
امرأة شقراء سممت نفسها
وسمراء انهارت يائسة
هل هو سم قاتل
أوو ساراتشينو أوو ساراتشينو

ضغينة الإيطاليين للشرقيين مركب، ممكن هذا الهراء في كرههم لهم بداعي الحسد لأنه كان غاية في الجمال والوسامة الشجاعة والغنى وكان يستميل الحسناوات الإيطاليات، لربما وقد تعرض لبروباغاندا مضللة ومليئة بالخبث من طرف كنيسة القرون الوسطى الظلامية، وكأنه ذلك الرجل الشرير العربي المسلم الذي يدل على الغازي الرحالة ناهب الأموال ومغتصب السبايا وسارق الغنائم ممكن أيضا تقول “ساراتسين” مرادف لكلمة “سارقين” ومتخصصين في السطو”Saccheggio” لأنهم “بيدويني” أو صحراويون يمتطون الجمال ويسكنون الخيام ويلبسون اللثام.

قلت لكم لا داعي للبحث عن شرح المرادفات قبل مواصلة القراءة وهأنذا أوصلت لكم معاني المصطلحات دون مراجع أصل الكلمات أو علم الاشتقاق وبدون الرجوع لعلماء اللغة أو النحاة، بقي كلمة الزمكان فهي كلمتين إذا التقتا بينهما فاحذف آخر ما سبق أو إدغامها فيما لحق، فالزمان هو ما بين القرون الوسطى وما بعد سبعينات القرن الماضي عندما أعاد الماروكينو المغاربة البضاعة للإيطاليين وأما المكان هو بين نابولي وبني مسكين فبعد أن كان أهل النابولي يجولون في المغرب باعة متجولون وينادون في الأحياء والأزقة والقرى لبيع “الكورّيدو” أو الأفرشة والأغطية بأصواتهم العالية المنبعثة من حنجراتهم الموسيقية الغناء، ليسمّعوا المغربيات من النساء والمقبلات على الزواج والحناء، من داخل البيوت للبيع والشراء، ما يفتخرن به على بعضهن من جمال النسيج الإيطالي. فهاهم بعد ذلك مهاجرو قبيلة بني مسكين من الشاوية والعلوة والمزاب يقومون بنفس العملية ويطوفون بين القرى والمدن الجنوبية وكأنه طبق الأصل لما كان يفعل النابوليتانو ويصيحون لإغراء النساء بأن البضاعة مناسبة الثمن والجودة ومن بلاد المغرب البعيد، يجولون وفوق رؤوسهم الزرابي وبين أذرعهم الإزارات و الأغطية الدافئة لمواجهة برد الخريف وصقيع الشتاء.

هذه أحداث ومحطات وخواطر لا تخطر لمن هاجر من المغرب مباشرة للعمل في الشركات عند موجات هجرة الماروكيني – بصغة الجمع- لإيطاليا في تسعينات القرن الماضي خصوصا من مدن بني ملال وخريبكة والقلعة وبعض الحواضر لمناطق لومبارديا وإيميليا والفينيتو و والبييمونتي واستوطنوا مدن ميلانو وطورينو و بولونيا وفيرونا… قليل منهم من كان يمر على الجنوب حتى إذا استوت الأوضاع وسنحت الظروف ورتبوا المقام هناك إما في “الدورميطوريو” المرقد الجماعي أو عند بعض المعارف هاجروا هجرتهم الثانية بحثا عن العمل والكسب. وأغلبهم لم يخطر له أي فكرة عن دراسة اللغة أو الثقافة أو التعرف على الأعراف والتقاليد التي تساعد على الاندماج فتاهوا وانفصمت الهوية، وأصبح الأمر أدهى بعد التجمعات العائلية والأجيال المستقبلية التي ضاعت أحلامها و مالوا إلى الإنغلاق أو الذوبان إلا ما رحم ربي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...