أخلاقياتُ عمليّةِ تسليمِ السُّلط في الإدارة العموميّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عبدُ الله شنفار

 

 

 

– أولًا: التسليم الإداري للسّلط بوصفه إعادةً خفيّة لتشكيل السلطة والمعنى

    لا تكمن أهميّة عمليّة تسليم السُّلط الإداريّة (passation des consignes) في بعدها الإجرائي الظاهر، بقدر ما تتجلى في قدرتها على إعادة تشكيل المجال الرمزي الذي تتحرك داخله السلطة داخل المؤسسة. فالإدارة، في لحظات الانتقال بين مسؤول مغادر وآخر وافد، لا تنقل فقط اختصاصات ووثائق وملفات؛ بل تنقل، في مستوى أعمق، طرائق مخصوصة في رؤية الواقع وتأويله وتحديد ما ينبغي اعتباره مشكلة أو أولوية أو تهديدًا. ومن هنا، فإنّ لحظة التسليم لا تبدو مجرد مرحلة تنظيمية لضمان الاستمرارية، بل مفصلًا دقيقًا يُعاد عبره ترتيب العلاقات والتوازنات وأنماط الإدراك داخل البنية الإداريّة.

    ذلك أنّ ما يُسلَّم فعلًا لا يقتصر على الوقائع، بل يشمل أيضًا أنظمة ضمنيّة من الأحكام والانطباعات والتصنيفات الجاهزة. فبين المعطى الموثّق والمعنى المصاحب له، تتسلل سلطة تأويليّة خفيّة، تجعل المسؤول الوافد يرى الأشخاص والملفات بعين السلف قبل أن تتكوّن له تجربته الخاصة. وهنا يتحول التسليم الإداري للسّلط من ممارسة تقنيّة إلى ممارسة سياسيّة وأخلاقيّة وإبستمولوجيّة في آنٍ واحد؛ لأنّ الأمر لا يتعلق فقط بنقل المعرفة، بل بالتحكم في شروط إنتاجها وحدودها.

    غير أنّ المفارقة الأعمق تظهر حين يُفترض في الحركة الانتقاليّة داخل الإدارة أن تُحدث قدرًا من التجديد في الرؤية وأساليب التدبير، فإذا بها تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج النمط ذاته بأشخاص مختلفين. ففلسفة التداول الإداري، في أصلها، تقوم على ضخّ “دم إداري جديد” يسمح بإعادة اختبار الخيارات والعلاقات والتوازنات من زاوية مغايرة، بما يمنع تحوّل المواقع الإدارية إلى دوائر مغلقة تعيد إنتاج نفسها بصورة آلية. لكنّ هذا المعنى يفقد جوهره حين يصبح المسؤول الوافد مجرد امتداد ذهني وسلوكي للمغادر، يتبنى لغته وأحكامه ومنطقه في التقييم دون مساءلة.

    ولا يكشف هذا الامتداد عن تأثير شخصي عابر بقدر ما يكشف عن قوّة البنية التنظيمية نفسها؛ تلك البنية التي تُخضع القادم الجديد تدريجيًا لقواعد غير مكتوبة، وتدفعه إلى استبطان “الصيغة المقبولة” للاندماج والبقاء. وهنا يصبح التداول الإداري تداولًا شكليًا للوجوه داخل البنية نفسها، لا تداولًا حقيقيًا للرؤية أو أنماط الفعل. فالتجديد المؤسسي لا يُقاس بتغيّر الأشخاص، بل بقدرة المؤسسة على السماح بإنتاج قراءة جديدة للواقع الإداري، وتحرير القرار من الوصاية الرمزية للماضي.

– ثانيًا: من العنف الإداري الهادئ إلى العنف الإبستمولوجي واستبطان الهيمنة

    يستند الخطاب الإداري الحديث، نظريًا، إلى الفصل بين “المعطيات الموضوعيّة” و”الانطباعات الشخصيّة”، باعتبار الأولى قابلة للتوثيق والتحقق، فيما ينبغي إقصاء الثانية من المجال الرسمي. غير أنّ هذا الفصل يظل، في كثير من الأحيان، فصلًا شكليًا؛ لأنّ التأثير الأكثر فاعليّة لا يمارس داخل الوثيقة، بل في الهوامش غير المكتوبة: في الحوارات الجانبية، والإيحاءات العابرة، والصمت الانتقائي، وطريقة ترتيب الوقائع وعرضها.

    فحين يختزل موظف في توصيف من قبيل “غير مندمج” أو “صعب المراس”، لا يُقدَّم هذا الوصف عادة باعتباره رأيًا شخصيًا قابلًا للنقاش، بل باعتباره حقيقة مستقرة تسبق التجربة ذاتها. وهنا يتجاوز الأمر حدود التحيّز الإداري البسيط ليبلغ مستوى ما يمكن تسميته بـ”العنف الإبستمولوجي”: أي إنتاج معرفة منحازة عن الأشخاص والوقائع، ثم فرضها بوصفها إطارًا شرعيًا للإدراك والتقييم واتخاذ القرار.

    والأخطر أنّ هذا العنف لا يحتاج دائمًا إلى سوء نيّة صريح؛ فقد ينشأ ببساطة من الثقة المفرطة في “خبرة” السلف، فتتحول الخبرة من أداة استئناس إلى وصاية معرفية غير معلنة. بذلك لا يعود الخلل كامنًا في القرار الإداري النهائي، بل في البنية الإدراكية التي سبقته ووجّهت إمكانياته منذ البداية. ومن هنا، تبرز إشكاليّة عميقة تتجاوز حدود الأخلاق الفردية: كيف يمكن للمؤسسة أن تميّز بين الخبرة بوصفها معرفة قابلة للنقاش، والخبرة حين تتحول إلى احتكار للتأويل وإعادة إنتاج للهيمنة؟

    ضمن هذا السياق، تتكشف أزمة أخرى أكثر تعقيدًا، تتعلق بالبنية القيمية للمؤسسة ذاتها. فبعض البيئات الإداريّة تعلن، نظريًا، تقديرها للنزاهة والصراحة والكفاءة، لكنها تعيد، عمليًا، مكافأة السلوك الأكثر قدرة على التكيف مع منطق الجماعة. فالصراحة المهنيّة، حين تقترن بالنقد أو الاعتراض، يُعاد تأويلها بوصفها “صعوبة في التعامل”، بينما تتحول المجاملة التنظيمية إلى دليل على المرونة والانسجام.

    إنّ الأمر هنا لا يتعلق بحادثة معزولة، بل بتحول عميق في معيار الشرعية داخل المؤسسة: من شرعية الكفاءة إلى شرعية الانسجام الرمزي. وحين يحدث ذلك، يصبح “الاندماج المؤسساتي” أداة لاحتواء الاختلاف أكثر منه ضمانًا للعمل الجماعي. فلا يُطلب من الفرد أن يكون كفؤًا فقط، بل أن يتبنى أيضًا اللغة الضمنية للجماعة، وأن يتخلى تدريجيًا عن استقلاليته النقدية مقابل القبول والاستقرار.

    وتبلغ الهيمنة ذروتها حين تُستبطن نفسيًا؛ أي حين يبدأ الفرد في رؤية نفسه من خلال التصنيفات المفروضة عليه. فالموظف الذي يُوصَف باستمرار بأنه “غير مندمج” قد يعيد تشكيل سلوكه وهويته المهنية وفق هذا الوصف اتقاءً للعزلة أو الإقصاء الرمزي. وهكذا تنتقل السلطة من كونها علاقة خارجية إلى كونها بنية داخلية يعيد الأفراد إنتاجها داخل وعيهم الخاص.

– ثالثًا: نحو حكامة تأويلية مسؤولة وأفق مؤسسي جديد

    إنّ تجاوز هذا المأزق لا يتحقق عبر الدعوة الساذجة إلى “الموضوعية المطلقة”، لأنّ كل عملية نقل للمعرفة تتضمن، بالضرورة، زاوية نظر ما. فالموضوعية الخالصة وهم إدراكي؛ غير أنّ الاعتراف باستحالة الحياد التام لا يعني السقوط في النسبية المطلقة، بل يفرض الانتقال نحو ما يمكن تسميته بـ”الموضوعية المسؤولة”: أي وعي الفاعل الإداري بتحيزاته وحدود إدراكه، وسعيه إلى تقليل أثرها على استقلالية حكم الآخر.

    غير أنّ هذه الموضوعية لا يمكن أن تظل مجرد فضيلة أخلاقية فردية؛ بل ينبغي أن تتحول إلى بنية مؤسسية مضادة لاحتكار المعنى. وهو ما يقتضي ترسيخ قواعد للحكامة التأويلية تقوم على تعددية مصادر التقييم، والشفافية بشأن حدود الأحكام الشخصية، واعتماد قرينة الكفاءة إلى حين التقييم الفعلي، وتمكين الأفراد من حق الرد المؤسساتي قبل أن تتحول الانطباعات إلى حقائق إدارية مستقرة.

    وفي العمق، تقود هذه الإشكالات إلى مساءلة نموذج المؤسسة ذاته. فالكثير من التنظيمات الحديثة تعلن تبنيها لقيم المشاركة والاستقلالية، لكنها تشتغل فعليًا بمنطق الضبط الهرمي وإدارة الولاء. تنشأ بذلك مفارقة بنيوية دقيقة: المؤسسة تريد عقلًا ناقدًا، لكن بشرط ألّا يربك توازناتها الداخلية. ومن هنا يتعايش داخلها نموذجان متناقضان: نموذج يرى في الانضباط والانسجام أساسًا للاستقرار، وآخر يعتبر النقد والاستقلالية شرطًا للحيوية والتصحيح الذاتي.

    غير أنّ أغلب المؤسسات تحاول الجمع بين النموذجين دون حسم، فتتبنى خطاب الانفتاح، بينما تعيد في العمق إنتاج ثقافة الطاعة والامتثال. وتصبح أزمة عمليّة تسليم السُّلط الإداريّة، في نهاية المطاف، عرضًا لأزمة أعمق تتعلق بطريقة تعريف المؤسسة لذاتها: أهي فضاء لإنتاج الكفاءة والمعنى، أم جهاز لإعادة إنتاج الولاء والانطباع؟

    ولعلّ السؤال الأكثر حساسيّة لا يتعلق فقط بكيفية إصلاح إجراءات التسليم الإداري، بل بقدرة المؤسسات المعاصرة، تحت ضغط المنافسة والاستقرار وهواجس التماسك، على احتمال قدر حقيقي من الاستقلالية الفكرية والنقد الداخلي. فحين تخشى المؤسسة الاختلاف أكثر مما تخشى الجمود، يصبح التجديد خطرًا، وتتحول الاستمرارية من ضمان للاستقرار إلى آلية لإعادة إنتاج العجز نفسه.

    ومن هنا، فإنّ أخطر ما قد يصيب الإدارة ليس نقص الكفاءات، بل تحوّل التجديد المؤسسي إلى طقس شكلي يغيّر الأشخاص ويُبقي العقل ذاته. ففي الفرق الدقيق بين الخبرة بوصفها معرفة قابلة للنقاش، والخبرة بوصفها وصاية رمزية ممتدة، يتحدد ما إذا كانت المؤسسة تنتج الكفاءة فعلًا، أم تعيد إنتاج الانطباعات تحت غطاء الشرعية الإجرائية.
______
– مقتطف من كتاب: الفعل الإداري المغربي: دراسة في عقليّة الإدارة المغربيّة ومتطلبات التنميّة
*للدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، اشتغل في أبحاثه على قضايا الإدارة العموميّة والتنمية والسياسات العامة، وله مؤلفات رصينة من أبرزها: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000)، الفاعلون المحليّون والسياسات العمومية المحلية (2015)، الفاعلون في السياسات العمومية الترابية (2020)، والصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي (2025).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...