مسلمو إيطاليا و ظواهر التمييز والكراهية ضدهم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو

 

 

أن تكون ناشطا مسلما وفي ذات الوقت قريبا من الحركات الاجتماعية ذات المرجعية الاشتراكية ، التي تشارك معها بعض المُثل والقيم كالحقوق والمساواة ، يكاد يكون ضربا من الخيال ولا يخطر على من تشرّب الإسلام الحركي منذ الصغر تحدي هذا التدافع الفكري بين الإيمان والإلحاد . ومحاولة الإلتقاء بينهما أمر جدير بالإهتمام والبحث السوسيولوجي، وقد تكون بعض المراكز الإجتماعية والنقابات العمالية ميادين لهذا التماجز الفكري والجدال الفلسفي ، لذلك أعمل قدر المستطاع على أن أكون حياديا، ودون أن أضفي على شخصيتي أي أيديولوجية خاصة بي بالرغم من اعتزازي بالفكر والفلسفة الإسلاميَيْن، ولذلك أيضا أجد نفسي في موقف صعب ، وغالبًا ما أكون مستهدفا سواء من قبل المسلمين أنفسهم الذين لا يقلبون البثة أن يتعاملوا مع هكذا مواقف وتجارب وأن يجلسوا على مسافة واحدة مع الملاحدة تماما مثل معارضي مسألة حوار الأديان ، ومن جانب آخر من جهة النشطاء الاجتماعيين الإشتراكيين أنفسهم بسبب الأحكام المسبقة وقبولهم بأفكار “أفيون الشعوب” يجعلهم مترددين، لكن لما يحصل التعايش والإحترام المتبادل والإتفاق والإجتماع والتعاون تكاد تكون النتائج مبهرة وفي صالح الجانبين ، ولذلك أحاول أن أضع نفسي كحلقة وصل “interfaccia” للتوسط بين ثقافتين مختلفتين ولكنهما قريبان جدًا من الناحية الإنسانية والحقوقية وأتمركز في الوسط بحكم عملي كوسيط ثقافي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب ، الإسلام والعلمانية، النخبة والمواطنين، الجاليات والمؤسسات. ومن النادر أن تجد أشخاصًا قادرين على عيش حياة طبيعية في ثقافة مختلفة ، ولكن الأصعب من ذلك العثور على أولئك الذين يمكنهم تسهيل وتطبيع هذا الوضع وجعله ممكنا وطبيعيا.

– انحسار العنصرية والكراهية في إيطاليا في اليمين الفاشستي المتطرف

أنا مقتنع تمامًا بأن الأمّة الإيطالية ليست عنصرية ولا يمكن أن تكون عنصرية ، لكن في نفس الوقت لا أخفي أن بينهم بعض السطحيين الجهلة يريدون احتواء العادات واحتكار ثقافة البلد لإضفاء الشرعية على العنصرية تحت مسمى الدفاع عن هوية بلادهم من الغزو الثقافي و التحول الديمغرافي للأجانب ومجابهة ما يسمى المجتمعات المتعددة الثقافات و الإثنيات والأديان ، فهؤلاء ليسوا إيطاليين حقيقيين ولا يمكن إضفاء الطابع الإيطالي عليهم رغم امتلاكهم لحقوق المواطنة والجنسية ، وذلك بسبب نشاطهم الهامشي في المجتمع الذي لا يكاد يُعتدّ به ، فيما يعملون على إيجاد مواقع لهم هناك حيث يمكن أن يتمركزوا ليجدوا لهم موطئ قدم ، على الرغم أنهم لم يتعلّموا ولم يطَّلعوا، لا يعرفون التاريخ والجغرافيا ولا الثقافة الإيطالية ولا حتى اللغة الدانتية نسبة لِ”دانتي ألغييري” ، ولا يعلمون أن الشعب الإيطالي لا يمكن أن يكون إلا متعدد الأجناس والثقافات والإثنيات، وهو شعب “لقيط” Bastardo بحكم توالي الهجرات بسبب موقع البلد في قلب العالم ومركز الكرة الأرضية ووسط البحر الأبيض المتوسط ، للأسف في السنوات الأخيرة تضاعف هؤلاء العنصريون الشعوبيون واستغلالهم لسياسة الهوية في سياق المعلومات المضللة ؛ حيث لم تعد هناك حقائق يمكن التحقق منها في بيئة المعلومات المتنازع عليها -ولا سيما الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي- التي تُمهد الطريق لإثارة الخوف والاستقطاب السياسي، وهناك ضغط هائل من أجل ظهور صورة أبسط للخير والشر في أوقات استقطاب الهوية بفضل الرسائل العاطفية الشعبوية لبعض السياسيين المزيفين ، “سالفيني وميلوني” مثلا ، أولئك الذين ليس لديهم حجج وبرامج ، ولكن فقط يستغلون الشعارات ودغدغة العواطف ، التي تعلّموها عن ظهر قلب وتلقّفها ضعاف الناس من الشعب ، وتفاقم الوضع عند ذلك الأجنبي الأعزل بسبب ضعف موقفه وعجزه عن الدفاع عن نفسه ، لأنه تم تهميشه واستبعاده وتركه خارج الثنائية الاجتماعية والثقافية، ومفهوم الاندماج ، وتم التمييز ضده لأنه ليس لديه أجسام مضادة ضد فيروس العنصرية التي تؤثر على عمق أحاسيسه و تجرح مشاعره .

إن هؤلاء العنصريين الإيطاليين الجدد يمثلون حالة طوارئ حقيقية ، أقولها ولا أتهم بها الجميع ، بل حتى ضحايا الدعاية السيادية مقصودة للإيقاع بهم، وبمن يتأثرون بسرعة ويصدّقون شعاراتهم ومعلوماتهم المزيفة خصوصا كبار السن والمتقاعدين رغم أنهم يقتاتون على ضرائب المهاجرين ، ولكن الأسوأ من ذلك أنْ تجد بعض النُّخَب من المثقفين وكتاب الرأي والحكماء الذين يقدمون أنفسهم أنهم متسامحون وضد العنصرية والتمييز ومع التعايش والإندماج ويفضلون المجتمع المتعدد الأعراق والثقافات ، لكنهم يلومون الأجانب الذين يعانون من مضاعفات العنصرية ، ويواجهونهم متهمين إياهم بكلمات أصبحت تلوكها ألسنتهم وتقدمها أقلامهم مثل : “الغزو الإسلامي”، “هناك الكثير من الأجانب” ، “نحن وأنتم” ، ” أنا لستُ عنصريًا ولكن” إلخ..

لا أجادل الرأي الذي يقول أننا كلنا مسؤولون عن هذا الوضع الذي يكتسح البلاد ويهدر علينا الكثير من الوقت والطاقة والفكر الذي يمكن أن يساهم في وضع هذا البلد الجميل معًا في مكانه الذي يستحقه في طليعة العالم ، ونحن بحاجة إلى رجال ونساء حقيقيين يقدمون مصالح الوطن والأجيال القادمة على مصالحهم الشخصية ، نحتاج إلى تشخيص شر فيروس العنصرية والعثور على علاج على الفور حتى تعود إيطاليا إلى اللمعان كما عرفناها دائمًا وعهِدناها أمة رائعة ، جميلة مثل صوفيا لورين ومونيكا بيللوتشي ، وليس مثل رودولفو غراتسياني أو جورجيو ألميرانتي .

– مسلمي إيطاليا أكبر المستهدفين من التمييز العنصري

أحد أهم الأسباب التي تعقد الوضع هي تلك المشاكل المتعلقة بظاهرة الهجرة الفوضوية والتي هي نتاج عدم وجود دراسة متعمقة ، وبرامج هادفة وخطط محكمة ، مما خلق ارتباك إداري لسياسة الاستقبال والاندماج للأجانب ، و استشرى الخوف المحفوف بالغضب والذي لا علاقة له بأزمة الشعب الإيطالي المالية ، وهذا التسيير الإداري الفاشل هو نتاج لظروف وقتية لها علاقة بالإجماع الانتخابي و سبر الآراء ، ولكن بالنسبة لي ، فإن الحقيقة الدامغة هي أن غالبية اللاجئين هم من أصل إفريقي آسيوي وبالتالي من أتباع الدين الإسلامي – مع استثناء الغجر “روم”- ، الذي يُنظر إليهم منذ قرون على أنهم تهديد للغرب، يؤثر كثيرًا على القرار المتوجس من الخطر الديمغرافي للغزو الثقافي الإسلامي وما يعزز هذه الفرضية هو عدم تفشي مظاهر التمييز والعنصرية ضد الأجانب من شرق أوروبا أو أمريكا الجنوبية إلا نادرا ، بحكم دياناتهم الغير إسلامية فيما يعاني منها بعض الإيطاليين المتحوِّلين للإسلام.

أخْذًا بكل ما تقدم ، هو ما يجعل أصحاب القرار يتراجعون خطوتين إلى الوراء قبل اتخاذ خطوة إلى الأمام للالتقاء والحوار وحل المشاكل مع المستهدَفين الذين يعانون من التمييز ، هنا في هذا الجانب كل المؤسسات والمسؤولين وخاصة السياسيين وصانعي القرار ، لا يوجد بينهم استثناء في “المذاهب أو الأفكار”؛ اليمينيون أو اليساريون ، المسيحيون أو العلمانيون، الرأسماليون أو الاشتراكيون ، الكل مُجمع ويتفق هنا على عدم السماح بالمساحات والفرص للمسلمين من أجل تعايش إنساني عادل وصادق يتسنى فيه للكل أن ينعم بمجتمع إيطالي ذو تماسك اجتماعي متعدد الثقافات ، كل هذا التمييز يتكرس ويتجلى في نقص الخدمات والحقوق المقدمة للجاليات المسلمة الأجنبية ، وهو – على الرغم ما ينص عليه الدستور الإيطالي الذي يعتبر من أرقى الدساتير الإجتماعية الأوروبية- ما جعل الجالية المهاجرة وبالأخص المسلمة تعاني من التهميش في انعدام أماكن عبادة لائقة ، ودور حضانة للأطفال ، ومؤسسات تربوية لدراسة لغتهم ودينهم ، وحوافز للحفاظ على تقاليدهم وممارساتهم الدينية في الملابس ، والطعام ، وجانب الهوية ، وفي الاحتفالات والأعياد الدينية ، وبعض الخدمات الضرورية كالختان والمقابر والمسالخ والمحاكم الأسرية ، وبالمجمل غياب الإتفاقية الرسمية المنظمة للأحوال الشخصية للمسلمين على غرار جُلّ الأديان والمذاهب الأخرى مايطلق عليه إسم “إنتيزا” Intesa ، وكذلك ضيق المساحة للتعبير عن آرائهم الدينية دون الخوف من التمييز أو الإدانة ، من قبل الجهلة أو على الأقل ضحايا الكراهية والإسلاموفوبيا.

– صرخة من أجل تدارك وتصحيح المسار

التحدي هو أن نتحلى بالشجاعة لقول الحقيقة وتسمية الأشياء بمسمياتها ، دون الإخفاء أو التظاهر بأنها ليست مشكلة ثقة بين الإسلام والغرب ، أو ربما الإعتماد على طمس هويتهم ، وبالتالي لا يذهب لحلها ، مخاطرة بصراع اجتماعي محتمل و خطير مع وصول الجيل الثاني من الإيطاليين الجدد المنتمين للدين الإسلامي وهذا ما حدث في بعض الدول الأوروبية مثل ثورة الضواحي في باريس..

فشل سياسة الاندماج التي اتبعتها الحكومات الإيطالية المتتابعة طوال حوالي ثلاثة عقود التي تتهم بها الجالية المسلمة لا يعزى إلى عجز المسلمين أو الأجانب عن الاندماج وإنما يعود إلى خلل ما يوجد في تلك السياسة أو إلى خلل في آلية التواصل لإيصال فحوى الاندماج إلى الآخر ، ما أدى إلى تزايد مظاهر العداء السياسي والإعلامي ضد الإسلام وتفشي ظاهرة الكراهية للمسلمين والتمييز ضدهم بالتالى عرقلة عملية تحقيق التعايش السلمي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...