د . أحمد غاني
كاتب ومتخصص في الفكر الإسلامي
غريب أمر هؤلاء الذين لا يموتون، و مقصودنا بالذين لا يموتون أولئك الذين يحضرون في كل زمان ومكان بغض النظر عن وجودهم المادي ، أولئك الذين تخلدهم مواقفهم أو أعمالهم الصالحة أوفكرهم ،فهؤلاء يظهرون في كل عصر مختبئين وراء عطائهم ،عرفهم من عرفهم وجهلهم من جهلهم، ولكنهم حاضرون ،ومن بين هؤلاء صاحب المنفرجة ابن النحوي التي تصدح الأصوات بمنفرجته في حلقات الذكر وفي جنبات الزوايا وعبرالأثير، فقد أبت إلا أن تكون أنشودة يتغنى بها أحد مشاهير الطرب الحديث بالمغرب.
لنعرف أولا المكان الذي استقر به ابن النحوي بفاس والذي لابد لنصل إليه من أن نمر بكثير من الدروب والمنعرجات الضيقة ، إنه عقبة بن دبوس،ولكنها جولة ممتعة ،ففاس القديمة بأزقتها ودروبها لها رائحتها الخاصة.
كتب الشاعر محمود درويش أن «للمدن رائحة»، وأن كل مدينة لا تُعرف برائحتها «لا يعول على ذكراها»، وهكذا، فإذا كان لموسكو رائحة النقانق، وباريس رائحة الخبز الطازج والأجبان، ودمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة، وتونس رائحة مسك الليل والملح، وبيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون، فإن للرباط رائحة الحناء والبخور والعسل.
لا ندري لمَ أغفل محمود درويش ذكر فاس.و لو كان ذكرها لتحدث عن رائحتها مقرونة بعبق التاريخ ورائحته ،وأسماء العظماء والعلماء الذين ولدوا فيه، ومروا أو دفنوا به، فاس حيث «التاريخ ينز من الجدران، يطلع من النوافذ، يمسكنا بأيدينا ويسير أمامنا» .
وقبل أن ننتقل الى أحداث المكان الذي أقام فيه ابن النحوي في فاس، أي عقبة بن دبوس، لنقم بجولة تاريخية لنتعرف على الرجل صاحب المنفرجة ،وعلى الأحداث التي قادته إلى فاس.
أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف، التوزري الأصل، التلمساني، القيرواني، القلعي، المعروف بـ “ابن النحوي التوزري”، مجتهد، نحوي، ناظم، فقيه، من أهل تلمسان. ولد بمدينة توزر سنة 434هـ = 1042م، لذا لقب بالتوزري نسبة الى توزر مسقط رأسه في الجنوب التونسي. ودخل سلجماسة وفاس وصفاقس والقيروان، وله رحلة إلى الأندلس، ثم استوطن مدينة القلعة عاصمة الدولة الحمادية الأولى فقيل له “القلعي”، وعُدّ من أهلها.
أتيحت له الفرصة خلال عمره الطويل (ثمانين سنة) ليصيب من العلم أوفر نصيب سمح به زمانه. فقد كانت توزر في عصره (القرن 5هـ / 11م) بها أعلام كثيرة مثل عبد الله بن محمد الشقراطسي، نسبة إلى قلعة شقراطس القريبة من قفصة (ت 466 هـ) .
رحل إلى القيروان للأخذ عن شيخ فقهاء عصره الشيخ “أبي الحسن علي بن محمد الربعي اللخمي (ت 478هـ)”، فقرأ عليه كتاب “التبصرة” وروى عنه صحيح البخاري، وقد سأله عن سبب مجيئه إلى القيروان، فقال لـه ابن النحوي: جئت لأنسخ كتابك التبصرة، فأجابه الشيخ قائلًا: إنما تريد أن تحملني في كفك إلى المغرب. وهي إشارة إلى أن علمه كله في هذا الكتاب.
. في حدود سنة 493هـ غادر ابن النحوي قلعة بني حماد وهو ابن ستين سنة، متوجهًا إلى سجلماسة بالمغرب الأقصى، ولكن إقامته بسجلماسة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اصطدم بأهلها ، فلما شرع في تدريس أصول الدين وأصول الفقه بالمسجد ، مرّ عليه أحد رؤساء المدينة وهو عبد الله بن بسام، فسأل باستخفاف عما يقرئه أبو الفضل، فقيل له: أصول الدين وأصول الفقه. فقال: أرى هذا يريد أن يدخل علينا علومًا لا نعرفها، وأمر بإخراجه من المسجد. وقام أبو الفضل من مكانه ثم قال له: أمتَّ العلم أماتكَ الله ههنا.
. استجاب الله دعوة ابن النحوي فحين مرت جماعة من قبيلة ملواتة الصنهاجية في اليوم التالي ، قتلت ابن بسام بالرماح في نفس المكان الذي دعا عليه فيه.
اضطر ابن النحوي إلى ترك سجلماسة التي لم توفر له الجو المناسب لتبليغ رسالته العلمية، فلجأ بعد ذلك إلى حاضرة أخرى من حواضر المغرب الأقصى وهي مدينة فاس التي حل بها سنة 494هـ. وزاول التدريس بها ،فلزمه الطلبة وأخذوا عنه وأعجبوا به. ومنهم أبو عمران موسى بن حماد الصنهاجي قاضي الجماعة بمراكش، والصوفي الشهير علي بن حرزهم الذي أخذ عنه في صباه، وعيسى بن يوسف من بيت بني الملجوم، وغيرهم من طلبة وشيوخ فاس. ويبدو أن ابن النحوي قد افتتن بجمال هذه المدينة التي أخذت بلبه فحلاها بالأبيات التالية:
يا فاس منك جميع الحسن مسترق *** وساكنوك أهنيهم بما رزقوا
هذا نسيمك أم روح لراحتنا *** وماؤك السلسل الصافي أم الورق
أرض تخللها الأنهار داخلها *** حتى المجالس والأسواق والطرق
ولكن هذا الاستقرار الذي أحس به في هذه المدينة لم يخل من متاعب كالتي تعرض لها في سجلماسة، فإلى جانب دفاعه عن الإمام الغزالي وانتصاره لقضيته، وإظهاره لميوله الصوفية، أقدم على تدريس العلوم التي حظرها الفقهاء المرابطون وهي الأصول وعلم الكلام والدعوة إلى الاجتهاد. فكان من الطبيعي أن يقع الصدام بينه وبين فقهاء المدينة، فجرى له مع أهل فاس مثلما جرى له مع أهل سجلماسة ولقي من القاضي ابن دبوس مثلما لقي من ابن بسام.
القاضي ابن دبوس هذا هو صاحب كتاب الإعلام بالمحاضر والأحكام، وما يتصل بذلك مما ينزل عند القضاة والحكام، وهو ابن دبوس عبد الله بن أحمد الزناتي اليفرني قاضي فاس (ت511هــ) وكتابه يقع في أربعة أجزاء لا يعرف منها إلا جزءان بمكتبة القرويين .
وقد ذكر صاحب بيوتات فاس أن بيت ابن دبوس هم بيت علم وثروة ،إلا أنهم لا عقب لهم ،وإليهم تنسب عقبة ابن دبوس بفاس ،وأن أصلهم من بني يفرن الذين طغوا بالمغرب وقضى عليهم يوسف بن تاشفين وأهله .
جاء في التشوف :
توجه أبو الفضل ابن النحوي إلى فاس فنزل في عقبة بن دبوس القاضي ، فجرى له مع أهل فاس مثل ما جرى مع أهل سجلماسة ،ولقي من ابن دبوس مثل ما لقي من ابن بسام فدعا ابن النحوي على القاضي المذكور.
وجاء كذلك في التشوف :
إن ابا الفضل لما أغار عليه ابن دبوس ،وعزم على الخروج من فاس، قطع الليلة التي عزم على الخروج فيها في سجدة واحدة، دعا في آخرها فقال اللهم عليك بابن دبوس النحوي فأصبح القاضي ميتا.
لقد ذكر له ابن الزيات هذه الخارقة التي أظهرها عند خروجه من فاس فقال :
لما خرج ابو الفضل من فاس شيعه تلامذته وفيهم ولد القاضي ابن دبوس ، فأمره بالرجوع ، وقال له ارجع لتحضر جنازة أبيك ،فرجع فوجد القاضي ميتا.
أتهزأ بالدعاء و تزدريه تأمل فيك ماصنع الدعاء
سهام الليل لا تخطي ولاكن لها أمد و للأمد انقضاء
يبدو أن بعض فقهاء فاس قد ضاقوا بابن النحوي ذرعًا، فاستبدلوا أسلوب المواجهة الفكرية بالتهديد والوعيد ،حين أغار عليه أحدهم وهو ابن دبوس قاضي المدينة وأمر بإبطال دروسه. وحين أحس ابن النحوي أن الأمور أصبحت تسير في غير ما يروم بمدينة فاس، وأن حياته أصبحت محفوفة بالمخاطر، قرر الرحيل متوجهًا إلى القلعة الحمادية.
في أثناء وجود ابن النحوي بمدينة فاس صدر الأمر من السلطة المرابطية في عهد علي بن يوسف بن تاشفين إلى أهلها بالتحريج (التضييق) على كتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، وأن يحلف الناس بالإيمان المغلظة أن الإحياء ليس عندهم. ولم تكن مدينة فاس وحدها التي شملها هذا القرار، بل إن الأمر يتعلق بقضية سياسية عامة تبنتها الدولة المرابطية بهدف محاصرة الاتجاه الصوفي بالغرب الإسلامي والتضييق عليه، وفرض نمط ثقافي وفكري محدد على الناس.
إن تاريخ إحراق كتاب الاحياء لازال يداعب ذاكرة كل من مر بأحياء فاس الضيقة ، فمن مر بالطالعة الكبيرة ،أكبر شريان بالمدينة القديمة، يجد طريقا فرعية، وبالضبط عند وصوله الى الشرابليين ،هذه الطريق الفرعية تمر به بمكان فران الشط ،هذا الفرن الذي كان مخصصا لإحراق نسخ الإحياء تنفيذا لتوجيهات كثير من علماء البلاط ،وبإيعاز من الوشاة ،و منهم أبو عبد الله محمد بن حمدين عرّاب الإحراق..
لقد تصدى ابن النحوي لعلي بن يوسف بن تاشفين سلطان المغرب اثر قراره حرق «كتاب الإحياء» للإمام الغزالي، و لم يكتف ابن النحوي بإصدار فتوى عدم لزوم أيمان من أنكر حيازته للإحياء، ولا بالرسالة التي بعثها إلى الأمير المرابطي، بل أصدر فتوى أخرى دافع فيها عن الغزالي ورد على خصومه. وهي الفتوى التي تجاهلها مترجموه أيضًا وأهملوا ذكرها في مصادرهم، ولكنها لحسن الحظ توجد مخطوطة في الخزانة العامة بالرباط. وقد جاءت الفتوى في صورة جواب من أبي الفضل إلى فقهاء تلمسان حين سألوا عن كتاب الإحياء.
ومما يؤكد ذلك قول صاحب التشوف أنه لما كتب علي بن يوسف بالتجريح على كتاب الإحياء، وتَحْلِيف الناس بالأيمان المغلظة أن ليس عندهم، استفتى علي بن حرزهم الشيخ ابن النحوي في تلك الأيمان، فما كان من أبي الفضل إلا أن كتب إلى أمير المسلمين في ذلك، وأفتى بأن تلك الأيمان لا تلزم .
ونقل البعض أن اﻟﻮﻧﺸﺮﻳسي ذﻛﺮ أن اﻟﻐﺰاﱄ ﺳﺮﻩ اﻧﺘﺼﺎر ابن النحوي ﻟﻪ و للإﺣﻴﺎء، وﺷﻜﺮ ﻟﻪ ﻋﻤﻠﻪ.
أما كتاب الإحياء فانتسخه أبو الفضل في ثلاثين جزءًا، فكان إذا دخل شهر رمضان قرأ منه في كل يوم جزءًا، وكان يقول: وددت أني لم أنظر في عمري سواها.
وأخيرا قرر ابن النحوي الاستقرار في قلعة بني حماد. و باشر مهمة التدريس ، ولقي احترامًا
لا من أهلها فحسب، بل من أولي الأمر فيها أيضًا.
لم يهتم ابن النحوي بالتأليف، إذ لم تُشر مصادر ترجمته إلى اشتغاله بذلك، باستثناء ابن الأبار الذي ذكر أن لـه تآليف، ولكنه لم يذكرها. كما أشار أبو علي صالح الأيلاني في مخطوطه الموسوم بـ: رسالة في القبلة، أن لابن النحوي كتابًا سمّاه “قبلة أهل المغرب” ووصفه بأنه كتاب حفيل في فنه، ولكنه بناه على الهندسة قل من يفهمه. والكتاب لا يزال في حكم المفقود.
ومن أطول وأجود شعر أبي الفضل ابن النحو “القصيدة المنفرجة” والتي تسمى “أم الفرج”، في أربعين بيتا، والتي نظمها على إثر ضائقة لحقته، والتي صحح نسبتها إليه كثير من أهل العلم ومطلعها:
اشتدّي أزمة تنفرجي *** قد آذن ليلك بالبلج





