*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
مع بداية الحرب على سوريا، أدرجت العديد من السيناريوهات ضمن مخطط الحرب، وتم الانتقال عبر الخطط الموضوعة وفق سياق يتناسب مع متطلبات الاجندات التي عندست عناوين الحرب على سوريا، والمتابع لتفاصيل الحرب على سوريا، يدرك بأن الانتقال من الخطط العسكرية ومنها إلى السياسية، ومن ثم الانتقال لعناوين الحرب الاقتصادية، كل ذلك يندرج ضمن مخططات أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية، لإقصاء سوريا عن دورها الإقليمي الفاعل والموثر، وفي مرحلة لاحقة، وبعد فشل الحرب العسكرية والسياسية، تم الانتقال الى الحرب الاقتصادية، والتي تأتي في الجوهر والمضمون، ضمن سياق الحرب على سوريا، بغية تأليب الشعب على دولته، ومن ثم اختراق حالات التذمر الشغبي، ورفع مستوى تلك الحالات، للمطالبة بإدارات مركزية، وعناوين التقسيم، تحت ذريعة عدم قدرة الدولة على تلبية مطالب الشعب، وتحسين مستواهم المعيشي والاقتصادي.
ضمن ذلك، لا يمكن الاغفال بأن الفساد في سوريا، ينتشر كالنار في الهشيم، وهو نتيجة منطقية وطبيعية لمفرزات الحرب على سوريا، لكن الدولة السورية تبذل جهود مضاعفة في إطار مكافحة الفساد، عبر تشريعات وقوانين محدثة، تؤطر حالات الفساد، وتؤسس لمشاهد إدارية جديدة، تعود بالنفع على السوريين وواقعهم المعيشي والاقتصادي، لكن في المقابل، فإن غالبية السوريين ارهقهم الفقر والعوز، وقد لا يغيرون انتباها لمحاولات الدولة السورية بتحسين أوضاعهم، فالمسار طويل، والعوائق كثيرة، لكن هناك الكثير من الإجراءات الحكومية والتي تأتي في إطار استقرار الوضع الاقتصادي في سوريا، وبما يلبي طموحات السوريين، بعد ما بذلوه من تضحيات في سياق الحرب العسكرية التي شنت على سوريا.
وبالتالي، فإن مجمل التطورات في سوريا، تأخذنا إلى واقع جديد، تتم هندسته في الخارج، بمعنى ركوب موجة التذمر الشعبي جراء الفساد والواقع الاقتصادي، لرسم مسار جديد غايته فقط أضعاف الدولة السورية من الداخل، ولعل انتشار الوحدات العسكرية السورية في بعض مناطق الجنوب السوري، وتحديداً في السويداء ودرعا، يأتي ضمن الإطار السابق، والمتمثل بالاستعداد لأي سيناريو مفاجئ، يتعلق بما تُخطط له القوى المعادية لسوريا، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل.
حقيقة الأمر، أن طبيعة الاحتجاجات في الجنوب السوري، تزامنت مع جملة من الإجراءات الحكومية، المتعلقة برفع الدعم عن بعض المواد، وإعادة التوزيع للفئات الاكثر حاجة، وبالتالي، فإن دواعي الاحتجاجات لا تبدو في ظاهرها منطقية، خاصة أن جوهر إعادة تنظيم الدعم وايصالة للمستحقين، إنما تنطلق من آليات هدفها الأول والأخير، دعم السوريين الأشد حاجة، وبذلك فإن ماهية تلك الاحتجاجات وتوقيتها، يبدو واضحاً أنه يأتي ضمن خطة موضوعة في الخارج، لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهنا لا نُنكر إطلاقاً أحقية بعض مطالب السوريين، لجهة محاربة الفساد وكشف منظوماته، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين السوريين، لكن بذات التوقيت، فإن أعداء سورية ينتظرون مثل هذه الفرص، وتدعيمها باجندات تقسيمية، كما ذكرنا تحت ذريعة عدم قدرة الدولة السورية على تعديل الأوضاع المعيشية والاقتصادية الحالية للسوريين، لكن هذا السيناريو يحمل في طياته الكثير من عناوين تقسيم سوريا، وهذا ما لا ترضى به القيادة السورية.
في ذات السياق، وضمن سلسلة تحركات غير بريئة، وتهدف في تأجيج المشاعر الطائفية، لكن بالإطار الوطني الهشّ، ودليل ذلك، تحركات دروز فلسطين والتي تزامنت مع حركة الاحتجاجات في مدينة السويداء، إضافة إلى زيارة موفق طريف إلى موسكو، لتسجيل موقف ضد الدولة السورية، لجهة عدم تحركها تجاه أهالي السويداء ومطالبهم، وفي هدف أعمق، فإن زيارة طريف، تأتي في إطار بحث حيال وضع السويداء كمحافظة، خارج أي سيادة سورية، وهذا الأمر تؤكدة تقارير عديدة، توضح أن تزامن تلك التحركات لا تأتي إطلاقاً في سياق تهدئة أهالي السويداء، بل على العكس، تهدف إلى ضخ دماء الطائفية وزعزعة الاستقرار، لهندسة أرضية صلبة، تكون بوابة انفصال السويداء، وتشكيل منطقة آمنة، وهذا ما تسعى إليه إسرائيل، والتي فشلت في مرحلة سابقة من الحرب السورية، من الوصول إلى هذا الهدف، وهنا لا ننسى حجم الأكاذيب التي يروج لها الإعلام العبري، والتي تأتي أيضاً في سياق اللعب على الوتر الطائفي، وزعزعة استقرار عموم الجنوب السوري.
في جانب آخر، وبالتوازي مع الأحداث في السويداء، وردت تقارير متعددة، تؤكد بأن هناك حملة تبرعات كبيرة، من قبل عرب 48، في الداخل الفلسطيني، وهي تبرعات تذهب مباشرة إلى الشمال السوري، لبناء وحدات سكنية وتحديداً في منطقة عفرين، في ريف حلب، فضلاً عن اشراف تركي وقطري على تلك المشاريع، والتي تأتي حُكماً في سياق أبعد من إيواء اللاجئين، لتصل إلى أجندات تقسيمية واضحة المضمون والأهداف.
كل ما سبق، يأخذنا وبشكل مباشر الى أجندة واضحة المعالم، فبعد ما حُقق في سوريا من انتصار عسكري، وتخطي غالبية العناوين السياسية المؤطرة للحرب على سورية، جاءت الأن معزوفة الحرب الاقتصادية، واستغلال سوء الأوضاع المعيشية للمواطنين السوريين، وركوب تلك الموجة من قبل واشنطن وغيرها من الدول الإقليمية، لضرب استقرار سوريا، لكن السوريين الذين خَبِروا عناوين الحرب عليهم، قادرين على تخطي عناوين الحرب الجديدة عليهم، ذات العناوين الاقتصادية، مع التأكيد دائما على دور الدولة السورية، للتصدي لتلك الحرب، عبر محاربة الفساد، والضرب بيد من حديد على منظومة الفساد، واستمرار العمل على تحسين واقع السوريين المعيشي والاقتصادي.
*إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط من سوريا





