البحث عن تحالفات إقليمية .. من إكراهات التطبيع إلى توسيع الهامش

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

خيري عمر

 

 

انعقدت في الشهر الماضي (مارس/ آذار) أربعة اجتماعات، تناولت جوانب من الشؤون الإقليمية، انصبّ هدفها الرئيس على تكوين شبكات/ تحالفات إقليمية، سواء لأغراض أمنية أو اقتصادية، وقد تلازم تتابع الاجتماعات مع تصاعد التنافسية الإقليمية بطريقةٍ تثير النقاش حول فرصة تكامل نسق إقليمي أو التلاقي على أهدافٍ مشتركة في مفاضلات بين التطبيع الإقليمي مع إسرائيل والعداء لإيران وتوسيع هامش الفاعلية.

وقد تنامت الاتصالات السياسية في اجتماعات شرم الشيخ والعقبة والنقب، ثم بتحسّن العلاقات التركية العربية، وعلى الرغم من اقترابها من ترسية المصالح المتبادلة، فإنها ما زالت في المرحلة التمهيدية للتواصل الثنائي. وعلى مدى شهور ماضية، ظلّ الحديث عن دعم أمن الخليج ضمن الاهتمام المشترك لبلدان كثيرة في أثناء زيارة مسؤولين منها كلا من الإمارات والسعودية، فمع تتابع هجمات الحوثيين، شكّلت مصر العامل المشترك في كل اللقاءات الثنائية والجماعية، كما كانت هناك تصريحات إسرائيلية عن الاهتمام بأمن الخليج. ثم تزايد التفاعل الإقليمي مع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، بحيث صارت بلدان المنطقة أمام اختياراتٍ سياسية ما بين التحالف مع الولايات المتحدة أو التقارب مع روسيا.

.. التقى وزيرا خارجية مصر، سامح شكري، والأردن، أيمن الصفدي، في 9 مارس/ آذار في القاهرة، لمناقشة انعكاس التغيرات الراهنة على القضية الفلسطينية وتسويتها على أساس حل الدولتين، وهو ما يُمثل امتداداً لتنسيقٍ مشترك ومع السلطة الفلسطينية لإبقاء التناول السياسي في نطاق الحفاظ على الحدّ الملائم للكيان الفلسطيني، ليكون طرفاً في التسويات النهائية. وفي 22 مارس، انعقد لقاء بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، في شرم الشيخ، ثم ما لبث أن تحول لقاءً ثلاثيا، بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينت. وحسب البيانات المنشورة، كان الحديث عن التعاون المشترك والتشاور بشأن الاستقرار في المنطقة وأمن الطاقة، بجانب التفاهم على دورية لقاءات المسؤولين لمتابعة التطورات الدولية والإقليمية.

وبعد خمسة أيام، انعقدت قمة العقبة، 26 مارس، بمشاركة، الأردن، العراق، الإمارات، مصر والسعودية، وناقشت التعاون بين الدول الخمس في التجارة، الاستثمار، معالجة آثار الأزمات العالمية والطاقة. وبجانب ارتباطه الواضح برابطة “الشام الجديد”، يمكن النظر إلى هذا الاجتماع كصيغة قريبة من إطار “بغداد للتعاون والشراكة”، أغسطس/ آب 2021، حيث يفتح الطريق للتشاور مع البلدان العربية الأخرى وتركيا وإيران حول الملفات المشتركة.

تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى اجتماع النقب ثمرة لتطور مسار التطبيع ليكون قاطرة تعاون إقليمي

وفي اجتماع النقب، 28 مارس، شارك وزراء خارجية، إسرائيل، الإمارات، البحرين، المغرب، مصر والولايات المتحدة، فيما غاب الأردن والسلطة الفلسطينية بجانب العراق والسعودية. وقد لقي هذا الاجتماع صخباً، سواء لطريقة انعقاده أو في متابعة مراميه وانعكاساته على العلاقات الإقليمية. وحسب المشاركين، يُزاحم اجتماع النقب مشروع الشام الجديد وإطار بغداد للشراكة ليزيد من احتمالية التنافسية فيما بين الأطر الإقليمية.

المحتوى والتوجهات
لا تكشف التصريحات/ البيانات عن صورة واضحة لمواضيع الاجتماعات، حيث اقتصرت على التصريحات وغابت البيانات الختامية، ما يمكن تصنيفها لقاءات تشاورية بشأن العلاقات بين الدول، مع اختلاف في الإفصاح حول تنسيق السياسات والمشاريع المستقبلية. وبغضّ النظر عن المشاركين، تغيرت الموضوعات حسب الاجتماع ومكان انعقاده، وقد عكس التناول الإخباري الرسمي اختلافاً في أهداف الدول من الاجتماعات، بحيث توزّعت الاهتمامات على العلاقات الثنائية والجماعية.
وقفت الدول على مسافاتٍ مختلفة في تقدير أهداف الاجتماعات. تقوم الفكرة الإسرائيلية على أن الانطلاق من بؤرة النقب يجعلها ضمن مراكز صنع القرار الإقليمي. وقدّم وزير الخارجية، يئير لبيد، لاجتماع النقب بوصفه مظلة حضارية وإطارا لهيكل إقليمي جديد، يتضمن التكنولوجيا والتسامح الديني والأمن والتعاون الاستخباراتي، كأدوات لردع إيران والمنظّمات التابعة لها، بالإضافة إلى شبكة من المصالح، تشمل العمل والتعليم والصحة، الطاقة والسياحة والغذاء والمياه، وهو تصوّر لاستعادة المفاوضات متعدّدة الأطراف، مؤتمر مدريد 1992، والتي فشلت لتناقضات واختلاف المنظور الأمني والتعاون بين البلدان.
وتنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى اجتماع النقب ثمرة لتطور مسار التطبيع، أغسطس/ آب 2020، ليكون قاطرة تعاون إقليمي، حيث شكّل التمثيل الديبلوماسي بين البلدان الأربع، الإمارات، البحرين، المغرب وإسرائيل، نقطة ارتكاز لعلاقات ثنائية على أمل تحويلها إلى تفاعل جماعي. ولذلك، أبدت السياسة الإسرائيلية اهتماماً كبيراً باجتماع النقب، عندما اعتبرته تطويراً لشبكة علاقات ومصالح فوق إقليمية، تشمل تركيا وإثيوبيا، بجانب توسع العلاقات الإسرائيلية مع أفريقيا.

ظهرت تنافسية بين الاجتماعات، تُثير الجدل بشأن مركزية اجتماع النقب في التفاعلات السياسية

وقد تماثلت هذه التطلعات مع خطاب الإمارات والبحرين، عندما تحدثت عن التعايش المُستدام، وأن الاجتماع كان وسيلة جيدة للتعرّف على إسرائيل، وفرصة لتعويض خسائر التباعد السابق. وعلى خلاف هذه المواقف، اقتصرت مصر والمغرب على الحديث عن مجالات محدّدة، حيث اعتبرتا اجتماع النقب لتعزيز السلام وأهمية حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين وفق حدود 67، وليس تحالفاً ضد طرف آخر. ويمكن تفسير اختصار التصريحات المصرية على القضايا المركزية والتجارة بوضع علاقاتها العربية في أولوية السياسة الخارجية.

ويشير تحليل الصورة الرسمية، تشابك الأيادي، لاجتماع النقب، نوعاً من فانتازيا الإعلان، وبدت سينمائية أكثر منها موضوعية، فقد انهار الإيحاء بالتساند على خلفية تباين المواقف تجاه إيران وغمط القضية الفلسطينية، ما أثار تحفّظات فورية وجدلية من مصر على الانخراط في تحالف عسكري. ويرجع هذا النمط من التصوير والدعاية لميراثٍ من التأثير في نفوس الجماهير، وثمّة احتمال بأن اللجوء لصورةٍ ذات طابع إعلاني بمثابة تعويض عن رفض مصر زيارة قبر بن غوريون والتغطية على التباعد بشأن إيران.

وفي سياق هذه التفاعلات، ظهرت تنافسية بين الاجتماعات، تُثير الجدل بشأن مركزية اجتماع النقب في التفاعلات السياسية، فهناك نوعية من الاتصالات الثنائية ومتعدّدة الأطراف، فثمّة نقاش أن مشاركة مصر والإمارات في كل الاجتماعات تعني وجود ترابط فيما بينها، وخصوصاً مع ترويج إسرائيلي وأميركي لاعتبار اجتماع النقب خاتمة لتفاعلات إقليمية، غير أنه بالنظر إلى المشاركين واختلاف المحتوى السياسي، يمكن ملاحظة عدم التماثل فيما بينها، فضلاً عن ظهور تباينات في توجهات أساسية.

وحسب قمة العقبة، يمكن النظر إلى توسيع التواصل الإقليمي، بدون إسرائيل، بمثابة الاقتراب من الهيكل التقليدي للعلاقات السياسية. وفي هذا السياق، يمثل إطار بغداد للتعاون والشراكة، أغسطس/ آب 2021، حلاً مرغوباً للتفاعل الإقليمي، ليس لكونه مظلة لدول الخليج، مصر، الأردن، تركيا وإيران فقط، ولكن في إمكانية تسوية الاختلافات بين بلدانه. ويمكن قراءة التفاعلات المتبادلة بين مجموعة البلدان توجهاً إلى إيجاد سياقات جديدة، عبر تحسين العلاقات الثنائية والجماعية، فشبكة التقارب الجارية بين أغلبية هذه البلدان تعمل على تجميع المصالح وتحييد القيود، قدر الإمكان، المرتبطة بالأمن والتجارة.

تبدو معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل أقرب إلى اتفاقية فض اشتباك مفتوحة وقناة اتصال سياسي

وفي ظل هذه التطورات، يدخل “الشام الجديد” في تنافسية حادّة مع مبادرة السلام الأميركية، يناير/ كانون الثاني 2020، وتداعياتها الإقليمية، ويُمثل اجتماع النقب تقدّماً مرحلياً في تحويل القدرات الإقليمية نحو إسرائيل، غير أنه مع وجود العلاقات الديبلوماسية لم يحدُث الإندماج السياسي، فعلى الرغم من مرور ما يقرب من 43 عاماً على توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، فإنها تبدو أقرب إلى اتفاقية فض اشتباك مفتوحة وقناة اتصال سياسي، وظلت مصر متحفّظة على التقدم في التطبيع لمخاطره الأمنية، كما لم يؤد وجود تمثيل رسمي لكل من الأردن وتركيا للاستسلام للمطالب الأميركية والإسرائيلية.
وبشكل عام، لا يمكن اتخاذ العلاقات الرسمية مؤشّراً على التماهي مع اجتماع النقب، فعلى الرغم من مرور عقود على اتفاقيات السلام، كانت مواقف مصر والأردن الأكثر تَحفُظاً على المضي في ترويج التطبيع غير المشروط. ويشير رفض مصر انعقاد اجتماع النقب في القدس لكبح محاولات تجاوز قضايا الحل النهائي، كما بدت المسارعة في دعم العلاقات مع قطر، 28 مارس، توجهاً إلى نشر التفاعلات الإقليمية والخروج من قيود المحاور الإقليمية، وخصوصاً مع توضيح وزير الخارجية، سامح شكري، أن المشاركة في اجتماع النقب كانت لتعزيز السلام، وليست لإنشاء تحالف ضد أطرافٍ أخرى. وفي سياق متكامل، دخل الأردن لتحييد الأثر المحتمل لاجتماع النقب عبر عقد لقاء مع السلطة الفلسطينية في رام الله، للربط ما بين الاستقرار الإقليمي وتسوية شاملة للقضية الفلسطينية ووقف الإجراءات الأحادية في القدس. كما بدا يُفسّر غياب السعودية والعراق عن اجتماع النقب مؤشّراً على التريث أو تجنب الانخراط في مشوار التطبيع، والرغبة في الابتعاد عن الحشد لمعاداة إيران.

ومن الوجهة الأمنية بشأن اجتماع النقب، توضح استعادة طرح مبادرة “منظّمة الدفاع للشرق الأوسط” في 2017، حيث كانت مشروعاً مُقترحاً في 1952، صيغة دفاعية للخلطة الدينية، يجري من خلالها تقاسم مُنتظم للمعلومات الاستخباراتية وتسمح للشركات العسكرية الإسرائيلية بالعمل في العالم العربي، فبجانب انحسار المسألة الفلسطينية في السياسات الجماعية، تتركّز مهمة هذه الصيغة في حشد الدول “المعتدلة” للانضواء تحت مظلة تحالفٍ عقيدته الأمنية محاربة إيران الثورية، بعد أن كان نظام الشاه حليفاً للغرب وإسرائيل، وهو ما يعني تعريف المُنظمة من خلال السياسة الغربية وأهدافها.

يقف الفلسطينيون على عتبة خيارات التجديد السياسي واقتراح مسارات عملٍ تُلائم التغيرات السياسية والديموغرافية

كما يمكن النظر إلى انعقاد اجتماع النقب في ظل حرب أوكرانيا مطلباً اضطرارياً للولايات المتحدة لمكافحة الدور الروسي في الشرق الأوسط ومنع انفراط حلفائها، ومن ثم، قبلت بتعدّد أهداف المشاركين. وفي هذا السياق، يمكن فهم عدم دعوة الفلسطينيين إلى ارتباط الاجتماع بتنسيق العقوبات الدولية، وخصوصاً بعد ظهور ميول تجاه روسيا والاستقلال بتجارة النفط. وقد اقتضت هذه السياسة البحث عن تحالف الحد الأدنى بين الحلفاء الإقليميين. وهنا، وفّرت مبادرة السلام الأميركية الإطار المشترك لجمع دول عربية مع إسرائيل، غير أن الاجتماع واجه تناقضين، عدم نضج مسار التطبيع المُخطط وإعلاء معاداة إيران هدفاً مشتركاً، فيما الولايات المتحدة تفتح التفاوض حول الملف النووي، بحيث صار الاجتماع في إطار تشاوري.
وبشكل عام، تواجه تلك التحرّكات معضلة مزدوجة، فمن جهة، بدت سلسلة التفاعلات السياسية محاولة لبلورة نسق إقليمي بدون إيران. وقد تكون إثارة عودة سورية إلى جامعة الدول العربية ضمن محاولات تخفيف النفوذ الإيراني. ومن جهة أخرى، يكون إدماج إسرائيل أمنياً واقتصادياً وفق المبادرة الأميركية للسلام، يناير/ كانون الثاني 2020، مُحاطاً بقيود تحول دون استقرار الترتيبات الإقليمية. ويمكن قراءة اتصال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بالسعودية، محاولة لاستدراك تأثير غيابها على تطلع الولايات المتحدة إلى أن تكون إسرائيل فاعلاً مركزياً في السياسة الإقليمية.

المعضلة الفلسطينية
وفقا للسياقات الدولية، بات حل الدولتين القاسم المُشترك بين المبادرات المختلفة، فيما يقضي التمديد المستمر للاستيطان والتغيير القسري لخرائط السكان والأملاك، بشكل مستمر، على إمكانية الحل السلمي، كما يعمل تحوّل السلطة الفلسطينية امتداداً للاحتلال من دون دعم مشروع الحكم الذاتي على انهيار فكرة حل الدولتين، فبعد مرور 30 عاماً على اتفاقية أوسلو، يقف الفلسطينيون على عتبة خيارات التجديد السياسي واقتراح مسارات عملٍ تُلائم التغيرات السياسية والديموغرافية وطريقة الاقتراب من التحرّر السياسي.

تتلاقى الآراء النخبوية والشعبية لدى كل من الإسرائيليين والفلسطينيين على التشكك في جدوى التحرّكات الدولية

ولذلك، بدت العمليات الفدائية سياقاً مناظراً للتوجهات السياسية الدولية. وتُمثل أحداث الخضيرة وتل أبيب محاولة لصياغة التعبير الفلسطيني تجاه ترسيم التطبيع غير المشروط، فهي تؤكّد، من جانب، على العودة إلى النمط التقليدي في الدفاع الذاتي والاقتراب من خطاب التحرّر الوطني وتجاوز جدليات السلطة وشبكاتها المتناثرة.
وبشكل عام، تتلاقى الآراء النخبوية والشعبية لدى كل من الإسرائيليين والفلسطينيين على التشكك في جدوى التحرّكات الدولية، وتراجع قدراتها على تكوين تسوية مقبولة. ولعل هذه النقطة تُمثل تحدّياً لمحاولات بناء نظرة مشتركة بين الدول، تكون قابلة للتحقيق. وبالعودة إلى سياقات الاجتماعات في المُدن الثلاث، يمكن ملاحظة تشتّت اهتماماتها بين الأمن الإقليمي ومكافحة إيران، وهي بطبيعتها تطلعاتٌ فوق إقليمية، فيما جاءت الإشارات إلى فلسطين محدودة النطاق في خطابي مصر والمغرب.

الخلطة الدينية وتناقضات السياسي
ومع وصف اجتماع النقب امتداداً للمناقشات الإبراهيمية، تبدو السياقات الثقافية أمام تغير في السياسي. وفي غياب مشروع سياسي ناضج، تذهب السياسة الأميركية إلى تكوين أطر بديلة لأفكار السلام التقليدية القائمة على المعاهدات الثنائية/ الجماعية والأرض مقابل السلام وغيرها من الاقتراحات المُستهلكة، حيث تتطلع إلى الانتقال إلى إطار جماعي يقوم على تجانس الأديان، اتفاقيات أبراهام، وترسيتها حلاً أساسياً كأرضية للعلاقات الشاملة.

وتُعد إثارة إطار “اتفاقيات أبراهام” ملتقى للمشترك الديني في الشرق الأوسط، دون غيره من المناطق، مُثيرة للجدل. فمن حيث التفكير، هي محاولة لتجميع مُتناقضات سياسية وخلافات دينية، فهي تجمع بين عدة شعوب (العربية، التركية، الكردية، اليهودية) شهدت نمواً في النزعة على مدى القرن العشرين، بحيث صارت عوامل الاختلاف والانقسام نمطاً سائداً في المخيال الجمعي. وبجانب النزعة القومية، لا يتوقف جدل الاتفاقات الإبراهيمية عند حدود النزاعات الدينية والمذهبية، حيث إن تحميله بمضمون سياسي يعمل على مضاعفة التشدّد الديني، عندما يدور الصراع على أولوية القيم السائدة في ظل ضعف القدرة على إيجاد قواسم مشتركة بين المُعتقدات. وبهذا المعنى، سوف يعمل التداخل الديني والسياسي على استدعاء الصراعات الدينية المُتضافرة مع وجود الانقسامات الإثنية والعرقية وتوطيدها.

تظل الثقافة السياسية للمجتمعات مستقرّة على اغتراب إسرائيل عن المنطقة، فضلاً عن الانقسامات المذهبية والاختلافات الإثنية

وبالعودة إلى أفكار الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، يمكن ملاحظة استمرار عوامل فشل هذه الأفكار في التركيبة السياسية والاجتماعية في بلدان الشرق الأوسط، فعلى مستوى الحكومات، ليس هناك تلاق على تكوين تحالفٍ متجانسٍ تكون إسرائيل واحدةً من أطرافه، كما تظل الثقافة السياسية للمجتمعات مستقرّة على اغتراب إسرائيل عن المنطقة، فضلاً عن الانقسامات المذهبية والاختلافات الإثنية في بلدانٍ عديدة.

وبغض النظر عن استبعاد إيران من الحالة الإبراهيمية، تبدو كثرة استدعاء تلك الاصطلاحات مع كل نشاط سياسي نوعاً من التلفيق، حيث إن انحصاره في نطاق اليهود والعرب يُعدّ أمراً توظيفياً لا يُفسر حالة الحرب في أوكرانيا، ويتجنّب الإكراهات الأميركية في البلدان العربية وهزّها الاستقرار في باكستان. ومن ثم، لا يبدو الحديث عن التعايش الديني والسياسي بين العرب وإسرائيل قادرا على الحياة سوى بتعريف جذور الصراع والقبول بمعالجتها وإزالتها.

ويمكن القول إن تتابع هذه الاجتماعات في وقت قصير كشف عن تناقضاتٍ يصعب القفز عليها لبناء علاقات إقليمية متساندة، ليس بسبب الخلافات الثقافية والدينية فقط، ولكن لنقص نضج التطلعات السياسية. على الأرجح، بدت كردّ فعل على أزمات دولية أكثر منها مُخطّطة، فضلاً عن اعتمادها على تصوّرات فقيرة القدرة على التكيف الثقافي. وعلى أية حال، يسمح تزايد اهتمام الولايات المتحدة بروسيا والصين بالفرصة لظهور فواعل إقليمية يمكنها تغيير هيكل العلاقات السياسية وصياغة الهامش المستقل والتَخلي عن الاستلاب السياسي والثقافي لدى تناول وضع إسرائيل وافتراض جاهزيتها لكل التغيرات.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...