عبد المولى المروري
لقد وصل الإسفاف والابتذال التلفزي إلى أدنى مستوى من دركات العفونة، ولا أعتقد بوجود درك أسفل منه، فالتلفزة المغربية بقانتيها الرسميتين لم تراعي لا إسلامية الدولة والشعب، ولا شهر رمضان المعظم، شهر الصيام والقرآن، وشهر القيام.. فهذه الزبالة ” الفنية ” التي يعاقب بها الشعب المغربي خلال هذا الشهر الفضيل، خاصة بعد أذان المغرب، غير مقبولة خارج هذا الشهر الفضيل.. فكيف بها خلاله..
ففي كل شهر رمضان يصاب الشعب المغربي المسلم بصدمة أعنف من التي قبلها.. وهكذا تتوالى الصدمات.. ويزداد الإسفاف التلفزي، ويتضاعف الابتذال حتى يتم تمييع الذوق، واغتيال الحشمة وتحطيم الحياء في المجتمع والأسرة.. وتنتشر ثقافة الميوعة والصفاقة.. دون أن أدخل في ضرب الأمثلة أو تحديد منتوج فني دون آخر، فالقائمة طويلة، والمحتوى بلغ درجة من العفونة البصرية والسمعية ما تمجه النفس؟ ويأبى العقل عن تصديقه ووصفه..
إن الدولة من خلال القائمين على الشأن الإعلامي الرسمي لها مخطط واضح ومكشوف، بلا خوف أو حياء من الشعب، ولا احترام للقيم والمقدسات، ولا حرص على أخلاق الشباب والأطفال من الانحراف والميوعة.. وهي ماضية في مخططها هذا إلى نهايته.. بتحدٍ وصل درجة الوقاحة المفرطة.
لم يعد خافيا على ذي عقل وفَهْمٍ بسيط أن أهداف هذه الأفلام والمسلسلات الماجنة أخلاقا، والفارغة ثقافة، والتافهة مضمونا هو الاستمرار في مخطط إعادة تشكيل الأسرة والمجتمع، والمضي قدما في ذلك، من خلال قطع صلته الفكرية والثقافية مع قيمه وهويته التي كان عليها كل تلك القرون الماضية.. وإدخاله – بعد غسل دماغه واغتيال ذاكرته – إلى منظومة قيم أخرى لا تعرف شيئا عن دينها، ولا تعطي اعتبارا لا لأخلاق أو احترام بين أفراد الأسرة الواحدة..
فاغتيال الذاكرة وتشويه التاريخ واضح من خلال مسلسل ” فتح الأندلس “، وتغيير قيم المجتمع وإعادة توجيه نظرته المحتقِرة تاريخيا لبعض المهن المرفوضة اجتماعيا من خلال المسلسل ” المكتوب “، واختراق الأسرة المغربية ودَسِّ مجموعة من القيم والأخلاق القاتلة فيها من خلال مسلسل ” الكابتن حجيبة ” الذي يعطي صورة هجينة ومشوهة للمرأة المغربية المعروفة تاريخيا بحيائها وخجلها، فقدمها المسلسل بدون حياء أو احترام، ومسلسل ” الفلوكة ” حيث يقوم الابن بالاستخفاف بوالديه والتهكم عليهم، وسلسلة ” زنقة السعادة ” التي قدمت العلاقة الأسرية والاجتماعية والإنسانية بأبشع صورة يمكن تخيلها، فهذه السلسلة عبارة عن خليط فاسد وملوث وغير متجانس من الكلام الرديء والصور القبيحة والحركات السخيفة .. جعلت من الشعب المغربي المتفرج عبارة عن أضحوكة ومشاهد غبي .. أضف إلى حزمة التفاهة هاته سلسلة ” تي را التي ” وغيرها.. فالناظم في كل هذه السلسلات هو تفاهة المضمون، وفراغ المحتوى، وانحراف الأخلاق، وتمييع المجتمع، وتخريب قيم الأسرة، ورداءة الأداء، وأهم شيء هو ضخ أموال طائلة في جيوب هؤلاء الممثلين (الفاشلين فنيا) في زمن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، مكافأة لهم على إجرامهم في حق شباب وأطفال البلد، واستخفافهم بعقول المغاربة قاطبة ..
إن الدولة تدرك جيدا ما تقوم به، وتسعى جاهدة إلى الوصول إلى أهدافها بأسرع ما يمكن، وبفعالية قوية، وتركيز دقيق .. فتدجين الشعب، وتوجيه فكره وانشغاله بقضايا تافهة مثل الجنس والعلاقات الاجتماعية الشاذة، والبحث عن لقمة العيش خارج الإطار المقبول عرفا وأخلاقًا .. وتخفيض مستوى وعيه إلى أدنى مستوى ممكن وتبليد حسه وتشويه ذوقه حتى يسهل على السلطة التحكم فيه، وتوجيهه الوجهة التي تريد، بالشكل التي تريد، وفي الوقت الذي تريد (انتخابات 8 شتنبر نموذجا)، بدل الاهتمام بمشاكله الاجتماعية والاقتصادية التي تسببت له فيها الدولة نفسها (غلاء الأسعار، رداءة المنظومة الصحية، انهيار التعليم، تراجع الحريات …) وبذلك تتخلص الدولة من احتمال ظهور حركات احتجاجية مرة أخرى على غرار حركة 20 فبراير، لأن هذه الحركات تتطلب مستوى جيد من الوعي والتعليم..
إن عملية تدجين الشعب وتجهيله تسهل عملية اقتياده والتحكم فيه، فإذا رفعت الأسعار فإن الشعب يتألم ولا يغضب، وإذا انتهكت الحريات فإنه يحزن ولا يحتج، وإذا أهلكت المنظومة الصحية فإنه يبكي ولا يسخط، وإذا دمرت التعليم فإنه يستاء ولا يحنق.. باختصار، يصبح الشعب عبارة كتلة من المشاعر السلبية عديمة الفعالية ومنعدمة الحركة ومتبلدة الحس، لن تطالب بتحسين الأوضاع ولا بتحقيق العدالة ولا باسترجاع الحرية والكرامة..
لقد نجحت الدولة – إلى حدود اليوم – في مشروعها الرامي إلى التحكم في المشهد الثقافي والإعلامي، وإهانة المثقفين والمفكرين عندما قررت وزارة الثقافة توزيع جائزة مالية بئيسة وهزيلة على مجموعة من الكتاب المغاربة، وقرر وزير الثقافة بعد ذلك سحبها لأسباب لا تقل سخافة وبؤسا عن قيمة هذه الجائزة، في حين يتم توزيع ملايين الدراهم على فنانين يقدمون الرداءة والتفاهة بكل أشكالها وأنواعها، فهل بعد كل هذا ننتظر خيرا لهذا الوطن؟
كما نجحت الدولة في إخراس الأصوات الحرة والآراء الجريئة، فاعتقلت وهجَّرت ولاحقت كل من سولت له نفسه الاعتراض أو الرفض أو الاحتجاج على كل هذه المصائب والمهازل، كما استطاعت شراء أصوات آخرى كي يبقى أصحابها على الحياد، أو يكتفوا بالمعارضة الناعمة، أو يباركوا بعض إنجازات الدولة الباهتة..
إن ما وصل إليه المشهد الثقافي والإعلامي يشكل في نظري نهاية الإفساد الذي يمكن الوصول إليه، وإذا تم تجاوز هذا المستوى الخطير، فسنصل إلى مستوى الدمار الشامل للأخلاق والقيم، فمتى يتم إيقاف هذه الكوارث؟ وكيف؟





