في وداع شيرين أبو عاقلة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د.سعيد الغماز

 

 

ماتت شيرين…لكنها لم تمُت، لأنها سقطت في ساحة الكلمة الحرة، وفي ميدان مواجهة أفضع احتلال في تاريخ البشرية. نعم، لم تمُت شيرين…لأنها كلمة حق في عالم غابت فيه حقوق الشعب الفلسطيني. لم تمُت شيرين…لأنها الخبر الذي وقف أكثر من 25 سنة في وجه تزييف الحقائق وتغيير معالم الجرائم الإسرائيلية طيلة عقود الاحتلال. وحتى بعد موت شيرين برصاص الغدر الإسرائيلي، ورغم أنه غدر موثق بالصوت والصورة، وبحضور الشهود والصحافيين، أبى الإحتلال إلا أن يتمادى في تزييف الحقائق، وتغيير معالم الجريمة وطمس إجرامه كعادته… شيرين أبو عاقلة بهذه الصفات…لم ولن تموت.

كانت شيرين ستكون في عداد الموتى لو تركها الغدر الإسرائيلي تموت وفق سنن الحياة… كانت شيرين ستموت لو كان موتها طبيعيا بفعل مرض ألزمها الفراش أو سكتة قلبية مفاجئة في زاوية من أرض ازدادت وترعرت فيها شيرين…كانت شيرين ستموت لو ألقت بجسدها في سرير منزلها تنتظر ساعة لقاء ربها…كانت شيرين ستموت لو كانت في غرفة داخل مستشفى في أرض فلسطين وهي تعلم جيدا أنها قد تستمر في الحياة كما أنها قد تلتحق بالرفيق الأعلى. لكنها لم تمُت، لأنها خرجت من منزلها لتأدية واجب الكلمة الحرة، ولتصدع بكلامها الهادئ وتعاليقها القوية وتقاريرها التي تقض مضجع احتلال يخاف من الحقيقة ومن توثيق جرائمه…خرجت شيرين من منزلها وهي تنوي الرجوع إليه لتستمر في اليوم التالي في أداء واجب فضح جرائم الاحتلال…لكنها لم تعد إلى منزلها، بل سقطت وهي ترتدي عل صدرها سترة الصحافة وعلى رأسها خودة تقيها من شر جنود الاحتلال، لأنها تعرف جيدا أنه احتلال لا يعترف لا بالحقوق ولا بالقانون الدولي…شيرين لم تمت لأنها وُلدت في القدس وماتت خلال اقتحام جنود الاحتلال مدينة جنين الفلسطيبية… لذلك كله، فشيرين لم ولن تموت… فصورة شيرين وهي ممددة على أرض جنين، وبجانب شجرة شاهدة على رصاصة الغدر الأسرائيلي، وترتدي سترة وخودة الصحافة، ستبقى عالقة في ذاكرة الكلمة الحرة ووصمت عار على جبين الإحتلال الجبان.

إنه أبشع احتلال في تاريخ البشرية…فلم يكتفي باغتصاب الأرض، ولا بتهجير أصحاب الأرض، ولا بالتنكيل بالطفل والشيخ والمريض، ولا بهدم المنازل فوق رؤوس أصحابها، ولا بخرقه المستمر للقوانين الدولية، بل حتى الحق في الموت الطبيعي سلبه من شيرين، فأسقطها أرضا برصاصة جبانة أصابت رأسها وهي بلباس الصحفي كما تقتضيه شروط الكلمة الحرة.
نعم… لم تمُت شيرين لأنها ستبقى عنوان الكلمة الحرة والحقيقة الصادعة في مواجهة احتلال يريد تزييف الحقيقة والتستر على معالم الجريمة.

*كاتب وباحث من المغرب

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...