حينما يحذر المغرب دول منطقة الساحل وجنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا من تنامي ظاهرة الارهاب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*الدكتور شنفار عبدالله

 

 

على هامش اجتماع التحالف الدولي ضد (داعش) بمدينة مراكش بالمملكة المغربية؛ الإرهاب مِلَّة لا دين له؛ وليس مجرد ظاهرة عابرة؛ بل هو فكر ونظام؛ فيه عدة عناصر متداخلة؛ فيه نظام مدخلات ونظام عمليات ونظام مخرجات؛ ونظام تحكم؛ وتتولد عنه ردود فعل داخلية وخارجية؛ من عمليات التنديد والشجب والاستنكار؛ (المنتظم الدولي، مجلس الأمن، الأمم المتحدة)؛ وتغذية-راجعة؛ حيث الاستعداد لمحاولات أخرى وعمليات التصدي والردع.

والارهاب كتنظيم؛ يمر عبر مسلسل الإعداد؛
* ثم بلورة الفكرة؛
* وعمليات الحشد؛ للأموال والبشر؛
* وعمليات التعبئة الإعلامية؛
* وعمليات التجنيد والتدريب والتسليح؛
* وعمليات تحديد الأهداف؛
* ومسارات التنفيذ.

حينما نتذكر قتل مغاربة أبرياء شمال مالي؛ لأول مرة في التاريخ؛ ويتعلق الأمر بسائقي شاحنتين كانا يؤمنان نقل (الخبز) والمواد الغذائية والدواء؛ لشعوب تعاني من الجوع والفقر والمرض، بدول: مالي وإريتريا وإثيوبيا والصومال وكينيا… وغيرها من البلدان بمنطقة الساحل والصحراء؛ تطرح عدة تساؤلات، يمكن اختزالها فيما يلي:

لماذا استهداف شاحنة مغربية بالذات دون غيرها؟ من له مصلحة في قتل هؤلاء المغاربة الأبرياء؟ ما الهدف من وراء تصفيتهم بواسطة السلاح، من خلال إمطارهم بوابل من الرصاص؛ بحيث كان بإمكانهم عرقلة حركة المرور بواسطة وضع متاريس أو حجارة في الطريق إذا كان الهدف السرقة؟
وحيث أن الاعتداء لم يكن بهدف سرقة حمولة الشاحنتين والسطو عليها؛ فلمن يريدون توجيه هذه الرسالة المشفرة من خلال هذا الفعل؟ لماذا اختيار هذا التوقيت بالذات؟ من يقف وراء هذا العمل الارهابي الشنيع؟ لماذا اللجوء إلى عملية التمويه من خلال تنفيذ العملية بواسطة تسخير ملثمين؟

لفهم هذه العملية؛ التي لم تشكل أبدًا مفاجأة للأجهزة الأمنية المغربية بجميع تشكيلاتها الخارجية والداخلية؛ يجب استحضار تحذيرات المغرب للمنتظم الدولي ولدول منطقة الساحل جنوب الصحراء والقرن الإفريقي، في العديد من المناسبات من اتساع دائرة الخطر الإرهابي؛ خاصة بعد اندحار وهزيمة تنظيم (داعش) وأخواتها في المناطق الرئيسية الحاضنة له في سوريا والعراق وأفغانستان؛ حيث لوحظ تنامي نشاط منظمات ما يسمى بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في منطقة الساحل والصحراء واستغلالها استمرار صراع الأطراف في ليبيا، وفي دول مجاورة لها مثل مالي وموريتانيا والجزائر؛ التي لم تستطع تأمين حتى حدودها البرية الشاسعة.

ففي ظل سياق إقليمي جد معقد وغير مستقر، تتجاذبه مشاكل الجوار والحدود الجغرافية المباشرة، وما ترتب عن تفكك منظومة ترسانة الأسلحة الليبية وصراع الأطراف الذي عمر طويلا، ولايزال حيث لم ترفق الأطراف المتصارعة في إجراء انتخابات، وتسلل مقاتلين عبر الحدود التونسية، واتخاذهم من مخيمات تندوف كأحد المنافذ التي يتسلل منها الإرهاب الداعشي والقاعدي وكحاضنة للقتل وقطاع الطرق، وحرب العصابات المنظمة وتنامي واستفحال ظاهرة الأنشطة الإرهابية بمنطقة الساحل جنوب الصحراء. مما شكل فعلًا قلقًا كبيرًا لشركاء المغرب في الاتحاد الأوروبي؛ خاصة فرنسا وألمانيا، وعجزها عن مواجهة التهديدات الارهابية وعدم قدرتها على إجهاض عدة عمليات إرهابية ضربتها في عمق دارها وتهديد استقرارها وأمنها الداخلي والخارجي. مما شكل حرب استنزاف للمقدرات المالية للدول؛ في إطار الحرب الاقتصادية، أو ضرب مصالح البلد.

هذا، بالإضافة إلى مختلف عمليات التشويش والازعاج ومحاولات خلق نوع من الارتباك لدى السلطات الأمنية؛ عبر حرب العصابات وقطاع الطرق وخلق نوع من الفوضى لإعطاء الانطباع بغياب الأمن والاستقرار لدى الناس؛ والعمليات التحضيرية النوعية التي يتم التصدي لها وإجهاضها في مهدها؛ والتي تقوم بها في محاولات زعزعة الأمن والاستقرار؛ في شكل عمليات انتحارية وارهابية نوعية.

المغرب غير ما مرة حدر المنتظم الدولي؛ خاصة دول منطقة الساحل والصحراء والقرن الإفريقي؛ من تنامي خطورة بؤرة الارهاب؛ وقد راكم عدة تجارب من خلال مسلسل سياسة استباقية متعددة الأبعاد والمسارات في مواجهة التطرف والإرهاب؛ حيث نجحت الأجهزة الأمنية المغربية في الحد من التهديدات الأمنية التي تشكلها التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، عبر تفكيك العديد من الخلايا النائمة والتصدي لمخططاتها الارهابية في زعزعة عقيدة الناس وأمنهم واستقرارهم؛ خاصة تنظيمي الدولة الإسلامية “داعش” وأخواتها من القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
هذا؛ فضلاً عن التقاطع في المصالح بين الخلايا الإرهابية النائمة والنشيطة؛ والعصابات المنظمة وقطاع الطرق والشبكات الواسعة المتعددة الجنسيات، والتي استفادت على هامش الحدود سهلة الاختراق؛ التي تنشط في تهريب البشر والأسلحة والمخدرات والمعادن النفيسة وجلود الحيوانات وقرون الفيلة… وغيرها.
ومما يزيد في تعميق المشكل؛ هو غياب التعاون والتنسيق الأمني بين المغرب والجزائر وموريتانيا؛ على الرغم من التهديدات الأمنية المشتركة التي تواجهها شعوب هذه البلدان.

وهنا تكمن الصعوبة والمتاعب للمغرب في مواجهة هذه التنظيمات المختلفة والمتنوعة؛ والتي تحافظ على علاقتها الوطيدة بالمجتمعات المحلية التي تعاني الفقر والهشاشة والجهل والأمية والمرض والجوع وانعدام الوعي؛ حيث يتم استغلال سذاجتها وتسخيرها وتسليحها للقيام بعمليات ارهابية وانخراطها في صفوفها؛ بالنظر لما توفره من ريع مادي؛ وهي أقرب في التوصيف إلى اقتصاديات الظل الغير المنظمة التي تمر متخفية تحتها، مما يسمح لها بالتنامي والانتعاش يومًا بعد يوم.
بعض الأمم والشعوب المحتضرة؛ تنظر للقتل كجريمة شنعاء ودنيئة كبرى تستوجب عقوبة الإعدام أو المؤبد؛ من أجل تحقيق الردع العام والخاص؛ وذلك حسب القصد الجنائي وسبق الإصرار والترصد أو القتل الخطأ أو دون نية وقوعه أو إحداثه.
نجد في قوله تعالى بُعد عمليات القتل والترهيب في النفوس: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.) لكن هل هذه المبادئ الكونية معروفة لدى جميع شعوب العالم والدنيا؟
أفعال القتل لدى بعض الأمم والشعوب الأفريقية؛ لا تشكل فعلًا جرميًا شنيعًا يثير الانتباه أو الاهتمام.

فالقتل لدى تلك الشعوب؛ هو فعل عادي جدًا؛ وعلى الرغم من إدخال المستعمر الأوروبي لقوانين تردع مرتكب هذا الفعل؛ إلا أنه مع ذلك لازال فعل القتل مستمرًا بشكل يومي وعادي؛ والإبادة الجماعية للأفراد والجماعات معروفة في العديد من البلدان الأفريقية.

لذلك من السهل استغلال وتسخير وتحريض هذه الآلات البشرية لارتكاب عمليات قتل مأجورة من طرف إرهابيين أو حتى مؤسسات عسكرية نظامية ومخابراتية؛ دون اعتبار للكرامة الوجودية للإنسان وحقه في العيش والحياة.

وهذا يجرنا إلى طرح عدة أسئلة حول؛ ما هي طبيعة الصراع بين البلدين الجارتين؟ وما هي حدود وخصائص هذا الصراع؟ هل هو صراع صفري يقوم على محاولة إقصاء الآخر وإخراجه من المعادلة في الصراع؟ أم هو صراع تنافسي يهدف إلى التفوق الاقتصادي أو السياسي أو الاستراتيجي بالمنطقة؛ وبالتالي يتطلب البحث عن حزمة تسويات؟ من الخاسر في هذا الصراع؟ وماذا خسرا ويخسرا وسوف يخسر كلا الطرفين في هذا الصراع؟ ماذا يقصد بالحدود الشفافة للدول؟ هل من متدخل بخيط أبيض بين الإخوة الأعداء؛ أم قدرنا كشعوب؛ هو الاستمرار في العيش في الصراع والتناحر إلى ما لا نهاية؟
إن مفهوم الحدود الشفافة للدول من حيث تبادل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية؛ أصبح يجعل من الصراع حول الحدود الطبيعية الجغرافية؛ غير ذي أهمية.

وبالتالي فإن من له مصلحة استراتيجية معينة تتجاوز حدود السطو والسرقة؛ هو من يقف وراء هذا العمل الارهابي الشنيع الذي يهدد الاستقرار والأمن الدوليين بمنطقة الساحل والصحراء.

*مفكر وراصد اجتماعي مغربي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...