صدام الهويات في زمن الحرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*يحيى عالم

 

 

 

استندت الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا على عدة مقومات، شكلت لدى الجانب الروسي أرضية لتبرير الغزو، وكما هو جلي في الخطوات السابقة للحرب المفتوحة في أوكرانيا، كان التدخل أول الأمر في إقليم دونباس من خلال دعم الانفصاليين وإعلان استقلال لوغانسك ودونيتسك عن أوكرانيا من طرف واحد، وبذلك يكون قد استند التدخل الروسي، بالإضافة إلى العوامل الجيوسياسية، على مرتكز هوياتي يهدف إلى حماية العنصر الروسي، ومعهما اللغة والثقافة في مناطق يشكل المكون الروسي فيها أغلبية داخل النسيج المجتمعي الأوكراني، مما ينبهنا إلى الأبعاد الأخرى الخفية والظاهرة في آن واحد، والتي يمكن أن تفرزها الحرب الراهنة في السياق الأوروبي، وتلك الأبعاد ذات صلة بصدام الهويات.

فكيف يمكن أن تسهم الحرب الراهنة في عودة الخطاب الهوياتي المنغلق في الغرب والشرق معا؟ وأين تتجلى معالم الصراع الهوياتي بين روسيا والغرب؟ وما مخاطره المستقبلية؟ كيف يمكن أن يؤدي الاستثمار السياسي في موضوع الهويات إلى إذكاء التعصب؟

الهوية الانعزالية والمنغلقة على ذاتها.. مخاطرها وبدائلها
تشكل الهوية أحد الأوجه التي برزت في الحرب الراهنة، ذلك أن سردية الخطاب الهوياتي متجلية بقوة عند الطرفين، سواء باعتبارها مستندا لتبرير الحرب عند الجهة الغازية (أي روسيا) بالإضافة إلى باقي الأسس التي ارتكزت عليها، أو باعثا على المقاومة ورد العدوان الروسي من الجهة الأوكرانية، وبالنظر إلى ما تقدمه الهوية من قدرة على التبرير أو ميكانيزمات حماية جماعة أو شعب معين في حال تعرضه لأزمات واضطرابات أو اعتداء خارجي، فإن استدعاء عناصر الهوية في الحروب قد يشكل أرضية خصبة للتعصب، مما يؤدي إلى إذكاء نزعة العنف، إذ يصبح الآخر من منطوق التعصب الهوياتي في موجب الملغى من الحق في الوجود.

تستهدف الهوية الجانب النفسي في الإنسان، وتخاطب الوعي الباطن والقسمات التاريخية والثقافية التي شكلت ذاكرة الأفراد والمجتمعات، والطبائع والعادات التي تميزها، فتصبغها بصبغة الخصوصية المحلية والتفرد في المقارنة بهويات أخرى، غير أن ذلك -في الوضع المعتاد- لا يجعل من الهوية منغلقة على ذاتها؛ ثابتة ومعادية للتطور والتغير، أو انعزالية غير قادرة على مد الجسور مع هويات أخرى لتقرض وتقترض في علاقة تفاعلية مع مختلف الثقافات التي تغذي المشترك الإنساني، فتعريف الذات أو الأنا الفردية والجماعية لا يتم إلا من خلال الآخر.

على خلاف المنظورات المريبة بحق الآخر، التي تعتبر أن العلاقة معه هي علاقة عداء وصدام وفوبيا تستبطنها الأنا/الذات في حق المختلف، يمكننا القول بأن الآخر ضروري لوجود الآنا، ومن ثم فإن الهوية قد تكون مصدر غنى وثراء إذا كانت تنظر للمجموع الإنساني بروافده وتعدديته التي تعكس أحد الأبعاد الجمالية في الاجتماع الإنساني، وقد تكون عنصر إضرار بالمجتمعات إذا كان هناك تطرف أو تقديس للذات على حساب الآخرين، أو من خلال قراءة التجمعات البشرية من زاوية هوياتية منغلقة وغير متفاعلة مع الديناميات التي يمر بها الوعي والمجتمعات معا. وبصيغة أخرى، قد تكون الهوية حسب أمارتيا صن “مصدرا للثراء والدفء، كما يمكن أن تكون مصدرا للعنف والترويع، وسوف يكون من غير المعقول أن نعتبر الهوية شرا على العموم. وعلى العكس يجب أن نعتمد على فهم عنف هوية عدوانية يمكن مواجهته بالقوة المحركة لهويات منافسة. وهذه الهويات المنافسة يمكن بالطبع أن تشمل المعنى العريض العام لإنسانيتنا، غير أنها تشمل أيضا هويات أخرى كثيرة ينتمي إليها كل منا في الوقت ذاته”.

يطرح أمارتيا صن هنا بعدا علاجيا لعدوانية الهوية، يتوجب مواجهته بالإنسانية المتنوعة الروافد والاستمدادات، بحيث لا يكون التعصب مؤديا إلى التعصب المضاد، لكن في حالة الحرب تنتصر الغريزة على العقل والعنف على السلم والقوة على الحكمة، وليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها دولة إلى التوظيف المفرط للهوية بغاية دوافع سياسية أو عسكرية تدفع إلى الاحتراب وتقويض العيش المشترك والنظر للآخر بنظرة تستبطن العداء، حدث ذلك مع هتلر، بحيث كان البعد الهوياتي أحد المرتكزات التي أسس عليها نظامه السياسي ومشروعه الذي أدى لكارثة كبرى في أوروبا والعالم، وقد كانت مقدمته قبل الاجتياح الكامل المطالبة بإقليم سوديتنلاند من تشيكوسلوفاكيا بداعي غلبة العنصر الجرماني على نسيجه الاجتماعي، ولا يختلف التدخل الروسي في اللحظة الراهنة في إقليم دونباس بأوكرانيا عن تدخل الأمس في تشيكوسلوفاكيا، وما تبع ذلك من حرب عالمية كبرى، تغذت على البعد القومي والعرقي.

فكيف استند التدخل الروسي على البعد الهوياتي؟ وما مخاطره؟

استدعاء التاريخ والاستناد على النزعة القومية
لقد كان استدعاء التاريخ في الخطاب الأول للرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذرا ببروز نزعة جديدة ستهيمن على طبيعة الصراع لعقود في أوروبا والعالم، ذلك أنه عمل على التعبير عن تموقع إستراتيجي يخص روسيا الجديدة، بتوظيف عدة عناصر هوياتية، غير البعد الجيوسياسي والأمني، نذكرها كالآتي:

أولا: العمل على تصحيح اختلالات التاريخ
أي تاريخ روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، وهي الاختلالات التي حصلت في نظر القيادة الروسية الحالية مع يلتسن، وقبله داخل القيادة السوفياتية مع غورباتشوف، والتي لم يتحفّظ الرئيس بوتين عن نقد خياراتها الخاطئة في نظره، وفي هذا المضمار تشكل العودة للتاريخ لتصحيح ظلم قد وقع مشكلة محملة باضطرابات حينما تكون الدول في يد ساسة يتمتعون بكاريزما ونزوع مطلق في الحكم وهيمنة على المؤسسات ومقدرات الدول، كما أن دعوى تصحيح الماضي بالقوة قد يرافقها إحداث اختلالات كبرى في مجتمعات ودول تهدد استقرارها المجتمعي، وهو ما نراه في أوكرانيا، التي يمكن اعتبارها ثاني أكبر أزمة منذ التعصب الصربي في حق مسلمي البوسنة والهرسك، الذي راح ضحيته عشرات الآلاف.

تستبطن النظرة التاريخية للقيادة الروسية أن أوكرانيا امتداد لروسيا ومهد لقيام دولتها، لذلك فإن تغيير قبلتها من موسكو إلى الغرب يشكل تهديدا لروسيا، ليس على مستوى الأمن القومي وحسب، وإنما للذاكرة المشتركة -وهي أحد العناصر التي تغذي ملامح الهوية- وللوجود الروسي كدولة وأمة معا، وما دون الاحتلال الشامل لأوكرانيا أو تغيير نظامها السياسي، تفاوض روسيا أوكرانيا مسنودة بقوة السلاح والحرب المفتوحة على ضمان حيادها التام وعدم التفكير في الانخراط في حلف الناتو، بالإضافة إلى نزع سلاحها، والاعتراف باستقلال لوغانسك ودونيتسك، والقبول بضم شبه جزيرة القرم لروسيا.

وفي خضم الحرب تقبل أوكرانيا بالبنود الأولى مع رفض الشرطين الأخيرين، لكن في الحالات جميعها، فإن نزع سلاح دولة والتدخل في إرادتها السياسية وقرارها الإستراتيجي كيفما كان نوعه يعد إضرارا بالسيادة وسلبا للقرار الوطني، كان يمكن تحقيقه في واقع الأمر دون خوض حرب من روسيا، أو الوقوع تحت عدوان بالنسبة لأوكرانيا، والذي يدفع إلى التساؤل عن المستفيد من الحرب التي أصبحت مستنقعا للقيادة الروسية، وخرابا وتهجيرا لملايين الأوكرانيين.

إن الحرب حينما تتغذى على خيالات التاريخ ونظرة قومية مغلقة للذات تغيب معها السياسة والحكمة وتحضر القوة والنزعة الشمولية في ممارسة السلطة، إذ يرى القائد نفسه مجسدا للتاريخ والذاكرة المشتركة لشعب وأمة معينة، تكون أشبه بانزياح متطرف نحو الفناء، وكثيرة هي الحروب والمذابح التي عاشتها مجتمعات متنوعة في نسيجها الاجتماعي، وعرفها التاريخ بسب ضيق الأفق على هذا المستوى، أي الانغلاق والتقوقع على الذات.

ثانيا: العنصر اللغوي
يمثل مرتكزا في الخطاب السياسي الروسي إبان الحرب الراهنة منذ خطاب بوتين الذي برر به التدخل أول الأمر في إقليم لوغانسك ودونيتسك، بغاية حماية المكون الروسي من دعوى تعرضه للإبادة من طرف القوميين المتطرفين، والانحراف عن مقتضيات اتفاق مينسك، الذي عمل على ضرورة ضمان الحقوق اللغوية بالإضافة لمنح الإقليم حكما ذاتيا.

وبالنظر إلى أغلبية المكون الروسي في شرقي أوكرانيا، فإن صبغة التعددية تطبع التركيبة الديمغرافية للإقليم وكل أوكرانيا، كانت أحد محددات الانقسام بين تعصب وتعصب آخر مضاد له، بحيث عملت روسيا على تقديم الدعم لانفصاليي دونباس الموالين لها، مقابل كتيبة آزوف التي انخرطت مع الجيش الأوكراني سنة 2014 في قتاله الانفصاليين، إلى أن تم دمجها نهائيا في الحرس الوطني الأوكراني بتاريخ 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 من طرف رئيس أوكرانيا حينذاك بيترو بوروشينكو.

في الواقع تعد الإثنيات عادة مدخلا للانقسام المجتمعي والاحتراب، كما أنها مصدر لغنى وثراء المجتمع، وقد تتحول إلى أداة للتدخل الخارجي في الدول التي تفتقر إلى الأفق الوطني الجامع والمستوعب للتعددية الثقافية واللغوية التي يزخر بها النسيج الاجتماعي، وبمقدار ما تعد الحرب الراهنة مشكلة كبرى بالنسبة لأوكرانيا، فإن انحدار مشكلة التعدد الإثني الهوياتي قد يبقى ملازما لها لما بعد الحرب، على الرغم مما قدمته الحرب من أرضية للحمة الوطنية ضد الغزو الخارجي بين الأوكرانيين، لكن التداخل بين روسيا وأوكرانيا بسبب الثقافة المشتركة واللغة والتاريخ والامتداد الجغرافي، سيحتم مقاربة الإشكالية من منظور مختلف، لا سيما وأن مواجهة روسيا لخصومها في العقدين الأخيرين استندت على الدافع نفسه من حيث الواجهة، بينما يصب في تطلعاتها الجيوسياسية من حيث العمق، ونشير هنا إلى تدخلها العسكري في جورجيا سنة 2008.

ثالثا: الدين والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية
ليس خافيا أن الدين عنصر استثارة للوعي الجمعي والحشد باسم الحقيقة الدينية ووحدة المعتقد أو المذهب والطائفة، وقد يصبح مغذيا للتطرف والتطرف المضاد حينما يتلبس بنزعة شمولية تقصي الآخر، أو حينما يصبح خطابا لمباركة الحروب والزحف المقدس، وهذا ما حصل مع بطريركية موسكو والتي وصف راعيها النظام السياسي في أوكرانيا بأنه “قوى شر” مع اعتبارها حدود أوكرانيا حدودا مقدسة، مما يعيد العلاقة بين الكنيسة والدولة في روسيا، أو الدين والسياسة، إلى الواجهة، بحيث استعادت الكنيسة دورها المحوري بعد حقبة الاتحاد السوفياتي، كما شكلت ملاذا للبحث عن الهوية الروسية حينها، والذي يبرز في صياغة هوية محافظة لروسيا التي تضع نفسها في مفاصلة حدية مع الغرب في نهجه الليبرالي وأديولوجيته الثقافية والسياسية.

لم تجد الكنيسة الأرثوذكسية في سياق الحرب نفسها بمعزل عن الانقسام، فقد أعلنت كنيسة كييف انفصالها عن كنيسة موسكو في أكتوبر/تشرين الأول 2018 بموافقة ومباركة من بطريركية القسطنيطينية، مما أدى إلى إعلان القطيعة بين بطريركية موسكو وبطريركية القسطنطينية المسكونية، ومع كنيسة الروم الأرثوذكس بالإسكندرية وكنيسة اليونان بسبب اعترافهم جميعا باستقلال وانشقاق كنيسة كييف. إن هذا النزاع قد برز في الواقع عقب ضم روسيا شبه جزيرة القرم سنة 2014، وتطور بعد ذلك في سياق الحرب الحالية إلى جدل لاهوتي يتلبس بلبوس السياسة، مما يجلي انخراط العامل الديني في الصراع الدائر.

حين ننظر في أبعاد الصراع الهوياتي في جغرافيا حضارية تتشكل قسماتها على تداخل بين الدين واللغة والعرق والتاريخ المشترك، يبدو لنا أن الأزمة، بالإضافة إلى مخلفاتها الجيوسياسة، ستترك ندوبا وجروحا عميقة في الذاكرة المشتركة بين روسيا وأوكرانيا، إذ إن مخلفات الصراع السياسي قد تُطمر في ثنايا المصالحات والتسويات السياسية، لكن صراعات الهوية المصحوبة على فوهة المدفع والعنف تورث أحقادا وجروحا في الوعي الجمعي للشعوب والمكونات التي تتألف منها المجتمعات، وتحتاج نقلات ثقافية وسياسية كبرى لتجاوز مخلفاتها وارتداداتها، مع أن ارتدادات الحرب الراهنة تتجاوز روسيا وأوكرانيا إلى إذكاء التعصب الهوياتي في كل أوروبا، لا سيما وأن الانقسام حاد الصبغة في التداول الخطابي بين الشرق والغرب.

ارتدادات توظيف الهوية في الحرب على المستوى الحضاري الغربي
يتجاوز تأثير الحرب الأبعاد الجيوسياسية، كما سبق، إلى تأثيرات ذات أبعاد هوياتية وثقافية، مما يعيد التذكير بالانقسام الحاد بين الشرق والغرب، وكما هو حاضر في المخيال الأدبي الروسي في القرن الـ19، فإن هناك تباينا ظاهرا للعيان على مستوى المرجعيات والرؤى، رغم الانتساب للرقعة الجغرافية نفسها، فالثورة الثقافية التي أحدثتها الحداثة الأوروبية ونظم القيم والمبادئ التي ارتكزت عليها، ظلت موضع جدل في روسيا كما تجلي ذلك النصوص الأدبية والفكرية لرموز الأدب الروسي في القرن الـ19، مما يعكس نزوعا لدى الشخصية الروسية إلى التمايز عن النمط الأوروبي، ولعل تبني الأيديولوجيا الاشتراكية أحد أوجه ذلك الاختلاف في القرن الـ20. ثم إن البحث عن الجذور الدينية والثقافية لمرحلة ما قبل ثورة البلاشفة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، يزيد من تكريس الاختلاف في قسمات الهوية بين روسيا التي تنسب نفسها إلى الشرق، وبين الغرب الأوروبي.

إن الإشارة هنا إلى هذا الملمح الثقافي والتاريخي تقربنا من تفسير ردة الفعل الأوروبية والأميركية، وهي الدول التي تجاوزت مراحل عنيفة من صدام الهويات على أرضية الدين والقومية والأيديولوجيات الشمولية، إلى نوع من العلمنة والتحديث الفكري والسياسي. وتكمن ردة الفعل في الشعور بالتهديد الذي أضحى قائما داخل الجغرافيا الأوروبية نفسها، ولعل إعلان التطوع للمشاركة في المقاومة مع أوكرانيا ضد أنموذج روسيا بوتين يعكس أحد الارتدادات التي ستكون لها تبعات تخص تنامي الشعور القومي من جديد، أو النزوع إلى التسلح الذي يتسبطن تخوفا قائما من المستقبل.

كان اليمين الأوروبي والزعماء الشعبويون أكبر الكتل السياسية المستفيدة من نهج بوتين السياسي، لكن الحرب الراهنة أذكت بعدا آخر ظل مضمرا في الخطاب السياسي والثقافي الأوربي برمته، وهو لا يتعلق باليمين فحسب، وإنما بشعور جماعي من تهديد جاثم على الحدود الشرقية، وهو تهديد يستثمر في أبعاد الصراع السياسي والعسكري، كما يضع مفاصلة حادة بين النموذج الأوروبي ذي النزعة الليبرالية مقابل روسيا والدول المرتبطة بها والتي تتلبس لبوسا محافظا على المستوى الثقافي مع رأسمالية السوق، مما يدفع بسؤال الهوية والثقافة إلى الواجهة، وقد بزرت في اللحظة الراهنة أنماط من الخطاب تجعل الاختلاف في حدود دائرة سياسية، لكنها بفعل التراكم ستنتقل إلى مستوى أعمق، إذ إن عدوانا يتلبس لبوس الهوية سيحفز في الاتجاه الآخر انتفاض البعد الهوياتي، نظرا لما تشكله الهوية من قدرة على تحفيز الشعور الجماعي بوحدة الانتماء، وهو شعور تكون الحاجة إليه ملحة لما توفره الهوية من ميكانيزمات حماية ضد تهديد هويات أخرى، أو نزعات سلطوية تتلبس لبوس الهوية، لا سيما وأن الآلاف من المنخرطين في المقاومة الأوكرانية سيزيدون من تحفيز الشعور الجماعي في المستقبل.

ختاما: إن الصدام على أرضية الهويات يحمل في طياته عادة أخطارا محدقة بالمجتمعات والدول، لذلك فإن اللبوس الهوياتي الذي تتلبسه الحرب الراهنة وتحاول روسيا من خلاله تبرير الحرب على أوكرانا، إذا لم يتم التخفيف من حدته ومحاصرته سيزيد من حدة التعصب وينتج أنماطا أخرى من التطرف، كما أن رد الفعل في الاتجاه الآخر، والمتمثل في العزل الشامل لروسيا من كل المحافل الثقافية والرياضية، وانزياح مواقع التواصل الاجتماعي إلى القبول بخطاب عدواني في سياق الحرب، يزرع بذرة الانقسام على مستوى حضاري أعمق، مما قد يجعل مستقبل البشرية برمتها تحت وقع التهديد بحرب الكل ضد الكل حسب عبارة الفيلسوف هوبز، ويسائل النموذج الليبرالي نفسه. لذلك فإن مواجهة الانقسام الهوياتي الحاد أو توظيف الهوية في الحروب، والتلبس بلبوس الهوية لتبرير العدوان، يحتاج إلى صياغة نموذج خطابي لمشترك إنساني يستوعب التعددية والاختلاف، بحيث يتلاشى معه الانغلاق والتقوقع على الذات.

*باحث سياسي مغربي في قضايا الفكر العربي الإسلامي والفلسفة

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...