يواجه المسلمون في البلدان الغربية، وخصوصاً ألمانيا، خطاب عنصرية متزايدا، خصوصاً بعد موجة اللاجئين التي بدأت سنة 2015، وهو الأمر الذي يرفع تحديات الجاليات المسلمة ويضعها أمام حركات وأحزاب عنصرية بدأت تجد مستقراً لها في المؤسسات التشريعية.
حول هذا الموضوع، نحاور عبد الصمد اليزيدي، الأمين العام للمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا خلال مشاركته في الملتقى السادس لمنتدى تعزيز السلم في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وهو ألماني من أصول مغربية نجح في الاندماج في بلاد الجرمان، وبات اليوم إطاراً كبيراً في إحدى شركات الشحن الجوي.
وإلى جانب عمله، ينشط اليزيدي في العمل الجمعوي، إذ جرى انتخابه قبل سنوات على رأس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، وهو مؤسسة ألمانية تسعى إلى تأطير المسلمين وتشجيع انخراطهم في المجتمع الألماني، وأيضاً مواجهة خطابات العنصرية وإشاعة التسامح والتعايش.
كيف بدأ مسارك في ألمانيا ثم العودة إلى المغرب للدراسة؟.
وُلدت في مدينة لينغن سنة 1975، وأعتبر نفسي من الجيل الثالث في ألمانيا، لأن جدي كان في ألمانيا وأبنائي اليوم من الجيل الرابع. درست في ألمانيا وكانت لدي فرصة أن أدرس في المغرب لمدة خمس سنوات خلال المرحلة الابتدائية. وعُدت إلى ألمانيا لمتابعة دراستي في مجال الاقتصاد، واليوم أشتغل مديراً للجودة في شركة للشحن الجوي في مطار فرانكفورت، وفي إطار عملي التطوعي تم انتخابي قبل ثلاث سنوات كأمين عام للمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، وهي أعمال تطوعية نسأل الله أن يجعل فيها البركة وتخدم الوطنين، ألمانيا والمغرب، والإنسانية بصفة عامة.
أنت كمغربي مُسلم في ديار المهجر كيف ترى قيمة التسامح في عالم اليوم؟
قيمة التسامح هي قيمة مهمة جداً، وقيمة التعايش أيضاً، وهي في هذه الظرفية التي نعيشها أهم، لأننا نرى التوترات وكيف تحاول حركات وجِهات وأحزاب أن تخلق الغضب بين أتباع مختلف الديانات. ونحن علينا أن نوضح أننا كلنا من آدم وآدم من تراب، وأدياننا تدعونا إلى التعايش والاحترام المتبادل، ولنا في سيرة نبينا محمد صلى عليه وسلم خير قدوة، وهو الذي أسس في المدينة المنورة عبر “وثيقة المدينة” لمدينة مدنية متعايشة وطنية جعل فيها الوطنية المدنية هي الأساس، ولم تؤسس على العرقية أو الأديان. وعلى هذا البيان انبثق إعلان مراكش للأقليات الدينية سنة 2016، ويناقش في منتدى تعزيز السلم في الإمارات سنوياً، وهو بيان يقر حقوق أتباع الأديان المختلفة في البلدان الإسلامية. ونحن كمسلمين نعيش في بلدان الغرب ندافع عن حقوقنا، وهذه الحقوق يجب أن تُعطى أيضاً لغير المسلمين في بلداننا، وهذه روح وصلب الإسلام.
هل صحيح أن ألمانيا أكبر بلد يعرف الإسلاموفوبيا والعنصرية؟.
ألمانيا للأسف الشديد تحولت من أقصى إلى أقصى، فقد كان يُنظر إليها كنموذج للعيش المشترك والتسامح، لكن منذ سنة 2015 بدأ تغير مجتمعي؛ فهذا البلد يتغير وكأنه يرجع إلى عصور النازية المظلمة، ونحن كمواطنين ألمان علينا مسؤولية للتصدي لهذا التوجه.
للأسف الشديد خلال الأسبوع الماضي تعرضت فتاة من أصول عراقية في سن 11 سنة لاعتداء بمدينة ساكسونيا في ألمانيا الشرقية، حيث تم نزع غطاء رأسها وضربها بطريقة مبرحة، وهذا يأتي في إطار سلسلة من الاعتداءات التي تواجه المسلمين وأقليات أخرى. ونحن، من باب المسؤولية، لسنا جالية في هذه البلدان أو عمالا ضيوفا كما كان يسمى آباؤنا في البداية، بل مواطنين كاملي المواطنة، وهذا يفرض علينا مواجهة هذا المد العنصري الذي قد يبدو في ظاهره أنه يستهدف الإسلام والمسلمين، لكنه في الحقيقة يستهدف قيم التعايش والاحترام التي تأسست عليها ألمانيا والدول الغربية.

لماذا ينتشر هذا الخطاب في ألمانيا؟ وكيف تواجهونه؟
نحاول أن نقوم بتحليل بعدي لهذه الظاهرة، وما وصلنا إليه أن هذه العنصرية كانت متجذرة في جزء من المجتمع الألماني ولكن كانت مخفية وغير ظاهرة، ومع دخول عدد كبير من اللاجئين، تجاوز عددهم سنة 2015 مليون لاجئ، بدأت سياسة التخويف من طرف أحزاب وحركات يمينية متطرفة تؤتي ثمارها، وتجعل جزءًا من المجتمع الألماني يتبع هذه الأصوات الشعبوية. لكن في الوقت نفسه يجب أن نقول إن الأغلبية في المجتمع الألماني متعايشون، ويجب أن ننفتح عليهم، وأن نكون تحالفا مع الناس الذين يريدون مصلحة البلاد ومواجهة هذه الظاهرة لكي لا تأتي بما لا تحمد عقباه.
ماذا يفعل المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا بخصوص تصاعد الخطاب العنصري؟
المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا هو مؤسسة ألمانية بالدرجة الأولى، أسسها مواطنون مُسلمون ألمان قبل أزيد من 30 سنة، وتندرج في إطار المجتمع المدني، لكنها تقوم بأدوار تقوم بها مؤسسات دينية رسمية مثلاً في البلدان الإسلامية.
الدستور الألماني يُقر نوعاً من التشاركية بين مؤسسة الدولة والمؤسسة الدينية، لذلك نقوم مثلاً بأدوار الإشراف على تدريس التربية الدينية الإسلامية في المدارس والجامعات، إضافة إلى تمثيل المسلمين أمام وسائل الإعلام والمجتمع والسياسة، ولدينا دور تأطيري للمسلمين من خلال هيئة للعلماء تستحضر ثقافة البلد، لأن ديننا يتأقلم.
كيف السبيل إلى إنجاح اندماج الأجانب في مجتمعاتهم الجديدة؟.
النقطة الرئيسية للنجاح في الاندماج هي الإقرار بالمواطنة في تلك البلدان، فمن معيقات الاندماج أننا كنا ننظر إلى أنسفنا كعمال ضيوف أو لاجئين أو مهاجرين. وإذا أردنا الحديث عن المواطنين الألمان من أصول مغربية مثلاً نجد أننا نعيش الجيلين الرابع والخامس، ولا يمكن أن نعتبر هذه الأجيال دخيلةً ومهاجرةً، بل مواطنة. وإذا ربينا أبناءنا وبناتنا على فكرة الانتماء الكامل إلى هذا الوطن، مع الحفاظ على الهوية الأصلية والثقافة المغربية سوف نحقق النجاح.
هذا الانتماء يجعلنا ننخرط سياسياً ونقابياً ومجتمعياً، ونعمل في إطار المجلس على تأطير أبناء المسلمين على هذا الانخراط والانتماء، ونؤكد لهم أنه لا يتعارض مع الانتماء الأصلي أو كونهم مسلمين.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين التشبث بالأصل والانفتاح؟
الكثير من الناس يعتبرون ذلك متناقضاً، بينما الطريقان متلازمان، وهكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يكونوا كلهم قرشيين، لكنهم جسدوا روح المواطنة والانتماء والعطاء والفعالية، وهذا ما يجب أن نصل إليه.
كثيرون من أبنائنا ربما أوقفناهم وسط الطريق لأننا قلنا لهم أنتم لن تنتموا إلى هذا البلد، ولن يتم الاعتراف بكم أبداً، والعكس أن لدينا كفاءات مسلمة في ألمانيا تشرف، وعلينا أن نتخذها قدوة ونربي أبناءنا على هذا النهج.
ماذا تعلمتم من ألمانيا والمغرب من قيم؟
أنا ألماني ومغربي في الوقت نفسه، وتعلمت من وطنيَّ قيماً كثيرة. في المغرب تعلمت قيم الأسرة والمحبة والانفتاح والتضامن، وفي ألمانيا تعلمت قيم الجدية والانضباط. أحس بأنني ألماني كامل المواطنة. أحب وطني ألمانيا، لكن أنتقد بعض الأمور فيه، مثل المد العنصري الذي لا يشرفنا بتاتاً، الأمر نفسه بالنسبة للمغرب، وطني الحبيب، أعتز به كما يمكن أن أنتقد فيه بعض الأمور، وهذه هي الموازنة التي يجب أن نربيها في أبنائها وأن نتسم بها.
هل ترون أن العلمانية حل للبلدان المسلمة مثل المغرب؟.
العلمانية في السياق الألماني مختلفة شيئاً ما عن العلمانية في بلدان أخرى؛ ففي ألمانيا هناك علمانية تشاركية، وفي فرنسا نجد علمانية قطعية أو لائكية، تتحايل على الدستور من أجل أن تنظم شأن الدين الإسلامي، وفي ألمانيا لا نحتاج إلى ذلك لأنها تقر نوعاً من التشاركية والتعاون.
أعتبر أن النموذج العلماني إيجابي، لكن لا يمكن أن نقول إنه صالح لكل زمان ومكان، فقد نختار نماذج أخرى، لكن الأساسي أن تكون الحقوق والحريات مضمونة؛ ففي المغرب مثلاً لدينا دولة دينها الأساسي هو الإسلام ويرأسها الملك، وهو أمير المؤمنين ويضمن الحرية الدينية لكل الطوائف الدينية.
والعديد من المسيحيين واليهود في المغرب يحسون بالانتماء إليه، وهذا المجال يجب أن نقويه وأن نُقر التعددية كما نطالب بها في السياق الغربي. وأرى أن النموذج الذي اختاره المغرب نموذج جيد ويمكن أن نحقق به الكثير من المزايا.
ما هي الإشكاليات التي يواجهها الأجانب من الديانة الإسلامية في ألمانيا؟.
من أهم الإشكاليات التمييز الذي يمكن أن يصل إلى التمييز العنصري؛ فهناك شباب يتربون في المجتمع الألماني ويتحدثون اللغة جيداً وينجحون في الحياة، ومع ذلك يجعلهم جزءٌ من المجتمع يحسون بأنهم لا ينتمون إليه. وهناك دراسات تبين استثناء المسلمين والمسلمات حين بحثهم عن وظائف في بعض القطاعات. وكألماني لا يشرفني أن نجد في الدولة التي تقر حرية التدين مُعلمة اختارت أن تلبس حجاباً لا يسمح لها بالتدريس؛ هذا أمر يجب أن نسعى ضمن الآليات الديمقراطية والحقوقية إلى الحد منه. نحن دائماً ننصح بألا نرجع إلى الوراء، وإنما أن تكون الأمور بالمدافعة السلمية.
كيف تتعاملون مع خطابات العنصرية التي تتبناها أحزاب عدة في ألمانيا؟
هناك حركة تسمي نفسها “بيكيدا”، تقول إنها تواجه محاولة أسلمة أوروبا، كانت تخرج إلى الشوارع وتقوم بسياسة التخويف من المسلمين. ومن هذه الحركة تطورت أحزاب منها حزب البديل من أجل ألمانيا؛ وهو كل شيء وليس بديلاً.. لكنه استطاع أن يدخل جميع البرلمانات الولائية الستة عشر والبرلمان الاتحادي بنسب مهمة جداً.
هذا الحزب ليس لديه مشروع لخدمة المجتمع الألماني إلا مواجهة الإسلام والأجانب. وقد أصبحت هذه اللغة الشعبوية تؤثر على الأحزاب العريقة المعروفة بأنها تركز على التعايش وحرية التدين والاحترام، لأن الشعبوية داء وصل كذلك إليها. لذلك ندعو عموم الألمان وليس المسلمين فقط إلى مواجهة هذا المد لأنه لا يضر الإسلام بالدرجة الأولى، بل يضر وطننا ألمانيا. ويجب أن ننخرط في العملية السياسية والنقابية والمجتمع المدني حتى تعلو كلمة السلم والسلام والتعايش والاحترام.





