المدرسة ورهان الصورة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د.الحبيب ناصري

 

 

تقديم

 

رهان ربح إصلاح التعليم، وما يرتبط به من مكونات تكوينية وبحثية وعلمية وثقافية، الخ، رهان، هو اليوم، من المقاييس التي تؤكد فعلا، أننا نملك نوايا حقيقية من أجل بناء مجتمع حقيقي، قادر على أن يجد له مكانة تحت شمس هذا العالم، وداخل عولمته وفي خريطة يعاد بناؤها اليوم وفق من يبتكر ويبدع ويكتشف.

تعليمنا، ومن المحيط إلى الخليج، والشأن نفسه بالنسبة لما يجري في إفريقيا وكل الدول النامية، عليه أن يفتح المجال للابتكار والابداع، وخارج هذا، سيبقى رهين التخلف والتكرار القاتل وبناء تعلمات فارغة من أي حس جمالي. طبعا داخل هذه العوالم النامية، قد نجد مستويات مختلفة على مستوى ما تم تحقيقه من خطوات محفزة على المضي في طريق الاصلاح، بالنسبة لبعض الدول، وفي المقابل هناك من لازال لا يملك إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية للقطع مع الجهل والأمية والتخلف، ولأسباب عديدة لا داعي للنبش فيها.

عالم الصورة في تعلم غير مؤمن بالصورة
عالم اليوم، عالم الصورة، بل إن الصورة اليوم تحتل مكانة نوعية بها يعاد بناء فهم العالم وعولمته و”قوالبها”، بل بها، تربح العديد من المعارك التجارية والسياسية والرياضية، الخ. فمتى نتصالح معها، ونفتح لها أبواب المدرسة والجامعة وكل المؤسسات الثقافية؟.

ما زلنا نعيش في قبضة تمثلات خاطئة عن الصورة، لاسيما في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص. تمثلات، هي خلاصة لرحلة الصورة في تاريخ عربي ثقافي بصري “بئيس” وغير مؤمن بها، بل و”محرم” لها ووفق ما رآه البعض الذي بنى حكمه على طبيعة ما كان سائدا قبل نزول القرآن الكريم. (قد نعود لهذا في موضوع مفصل لاحقا).
من منا اليوم، من لا يعرف أننا نعاني من أمية بصرية خطيرة ومقلقة، في زمن سوف لن يصبح فيه الأمي، هو من لا يعرف القراءة والكتابة، بل سيصبح الأمي هو من لا يفك شفرة الصورة، بمعنى لا يعرف قراءة الصورة.

كيف سيصبح تعليمنا العربي، والمغربي على الخصوص، حينما سيتم تبني هذا التعريف الجديد للأمي، من قبل بعض المؤسسات العالمية ذات الصلة بالتعليم والتربية، الخ، ؟. سؤال سيجعلنا نضع أيادينا على قلوبنا، إن لم أقل أننا سنصاب بدوخة تجعلنا نفقد كل ما جربناه وبنيناه.
جهود عديدة بذلت من أجل إصلاح تعليمنا المغربي، ولا أحد يشك في هذا، لكن هل فعلا تمكنا من تحقيق قفزات حقيقية، تدخلنا ضمن الدول التي خرجت من براثين التخلف بفضل الثورة الحقيقية التي تمكنت من تحقيقها في تعليمها؟. أكيد، أن الجواب لن يختلف حوله، من يتابع مسيرة إصلاح تعليمنا المغربي ومنذ بداية الاستقلال وإلى يومنا هذا.

الصورة أولا…الصورة أخيرا
إذا استثنينا، تجربة ورش بيداغوجيا الادماج السابق والمتوقف في عهد الراحل الوزير محمد الوفا رحمه الله، والذي أعتبره ورشا حقيقيا، مس ولأول مرة وبشكل كمي ونوعي، ما يربط المدرس والمتعلم والمحتوى المدرس، الخ، ماعدا هذه التجربة الجميلة، فمن الصعب القول إننا حققنا إصلاحات حقيقية ونوعية، تخص المتعلم ومعلمه، بل إننا لازلنا ندور خارج القسم، كالبحث عن بنيات تحتية مدرسية وموارد بشرية، الخ. إنه بحث أو استثمار مهم، لكن لا قيمة له، إن لم نشتغل على ما يقدم داخل القسم.
صحيح فالقانون الإطار 51/17 يتضمن العديد من المواد المفيدة للمدرس والمتعلم، الخ، لكن التنزيل اليوم، قد يكون من الفوق نحو التحت، مما يجعل المدرس ينظر إليه، كما نظر لما سبق من تنزيلات إصلاحية إدارية، انتهت بكونها أصبحت روتينا إداريا، لاغير.

وفق ما سبق، من الممكن القول، إن الصورة وما تتميز به اليوم من امكانات رحبة وغير مكلفة، قد تكون نافعة ومساهمة في تحقيق تلك الثورة الديداكتيكية والبيداغوجية والتربوية والابداعية والثقافية ككل. كيف ذلك؟.
سبق ولمرات عديدة، أن أكدت، على أن التعلم محتاج اليوم إلى الصورة، وفق استعمالات تساهم في تحقيق العديد من الأهداف والكفايات المنشودة (الكفاية الأساس والكفاية الاستعراضية أيضا)، وهو ما يتطلب أن نجعل من التكوين في الصورة وبنوعيها (الثابتة والمتحركة)، عنصرا قارا ضمن عناصر التكوين النظري والتطبيقي بكل الكليات والمعاهد والمراكز والمدارس المتخصصة في تكوين نساء ورجال التعليم (تربويا وإداريا).

بأدوات بسيطة، من الممكن، أن نربح رهان توظيف الصورة في بناء التعلمات. رهان هو اليوم، يشكل حاجة ضرورية لتطوير طريقة التدريس في كل مناحي حياتنا التربوية. توظيف الصورة في التدريس، من الممكن أن يحول هواتف المتعلمين إلى وسائل ديداكتيكية مساهمة في ترسيخ التعلمات، ومعلمة للمتعلم كيف من الممكن أن يوظف هاتفه المحمول، لكي يتعلم به، عوض استغلاله في تصوير “عورات” تربوية داخل القسم أو خارجه، قد تعرضه، لا قدر الله، إلى ما لا يحمد عقباه. بل حينما يمنع المتعلم من استعمال هاتفه المحمول في مدرسته وبيته، دون أن نقدم له بديلا نشغله به، ستزداد قيمة الهاتف عنده، وسيوظفه بحثا عن “البوز” الذي يمسخ ذوقه وقيمه الوطنية والدينية المعتدلة والإنسانية الكونية.

فرص عديدة تمنحها لنا الصورة، حد جعل المتعلم يبدع محتواه التعلمي الموازي والمعادل لدرس بل ولكل تعلماته، وهو ما من الممكن أن يساهم وبنجاح في تحقيق النجاح النافع والباني للقيم المفيدة للمتعلم ولمدرستنا ككل. مع الأسف الشديد معاهدنا وكلياتنا ومؤسساتنا المكلفة بتكوين المدرس، لازالت في المجمل بعيدة عن تكوين الطالب الأستاذ في ديداكتيك الصورة (علم الصورة)، بل حتى تكويننا المستمر وبدوره، غير قريب من هذا النوع من التكوين، مما يجعل حديثنا عن الصورة والمدرسة، وكما نقول في ثقافتنا الشعبية المغربية (حديث المعطي للمعطي)، أو بمثابة (حديث لوسادة) أو كم كان يقول جدي رحمه الله (نخيض الما). حديث سرعان ما يمحى بعد طرحه في منابر علمية أكاديمية، الخ. نقر بقيمته (نظريا على الأقل)، لكن حينما نعود إلى عملنا، تعود حليمة إلى عادتها القديمة، حيث تقديم الدروس بشكل عقيم في المجمل، تحت ضغط الامتحانات والوقت وضرورة انهاء المقررات، وبالتالي تضيع لذة التعلم، وبناء الإنسان وفق ما هو موجود في الدستور المغربي، ووفق ما هو موجود في العديد من المرجعيات التربوية، ووفق ما يستدعيه وطن اسمه المغرب، يتوفر على مخزون بصري جميل، هو رأسمال جمالي حقيقي، قادر على صقل وتقوية مخيال المتعلم، وجعله حالما بالجميل دوما، غير قادر على الحاق أي ضرر بالممتلكات العامة والخاصة، بل باحث عن الجمال أينما كان، وبالتالي قد يساعده كل هذا على أن يخرج نفسه، من كل مواطن القبح التي تتربص به في أماكن عدة، في ظل عولمة تتميز بهيمنة الصورة، وبالتالي يكون غير الملم بأسرارها، معقلا تنهشه الأمية البصرية وتفتك بأحلامه، بل يكون القبح مربيه الأول، وبالتالي، تكون فاتورة هذا الجهل البصري، جد مكلفة للمدرسة والمجتمع ككل.

*المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين
الدار البيضاء

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...