خوف من الكلمة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

ديار إبراهيم السَنْكَسَري

 

 

 

((الويل لنا! هل سيصبح كل منكم إماما ويرعى مسجدا؟! إن كان كذلك؛ والله لن تسعنا أرض في هذه البلاد!))
هذا ما قاله أحد شيوعيي إحدى مناطق كُردستان النائية في ثمانينات القرن الغابر، حين أبصر رهطا من طلاب العلم متفرقين في أكناف المسجد يتدارسون العلوم الشرعية.

ولماذا كل هذا الخوف من ثلة شباب، ليس في أيديهم غير أقلامهم، ولا على رؤوسهم إلا عمائم عتيقة لا يحسدون عليها؟ ولم الفزع في زمنٍ المتدينون وذووا الفكر الإسلامي مغلوب على أمرهم، والشيوعية منتصرة -كأخواتها من الأفكار- بالمقاييس الدنيوية؟ ومن أين ينبع هذا الرعب من عُزَّل وهم يمتلكون الأسلحة الجبارة؟ إنه الخوف من قوة الكلمة التي تصدر من أفواههم التي هي ترجمان عقولهم، ومن ألسنتهم التي هي أسلحتهم الفتاكة التي يخضع لها الشم من الأطواد العظيمة.
وهكذا كان شأن موروثهم (صلى الله عليه وسلم)، لقد دعا في مكة بغاية السلم والهدوء، ولكنهم نفروا منه وفزعوا، لا لأنه كان يمتلك النفوذ الواسع، ولا لأنه ذو قوة فائقة، بل لأنه كان يدعوهم لكلمة واحدة، وهي كلمة التوحيد: “أشهد أن لا إله إلا الله”، وكانوا يدركون كُنهَ هذه الكلمة، فقد كانوا يعلمون أن هذه الكلمة قادرة على إخضاع البشرية جمعاء، وتذويب جبال العبودية والإشراك والظلم الشاهقة الماثلة على القلوب، وأن هذه الكلمة سوف تنهي حكمهم الطاغي الذي تغلغل في نفوس الدهماء اللذين ظنوا أن ذلك لن يزول، فلذلك أفرغوا كل جهدهم ووسعهم في سبيل الإطاحة بداعي هذه الكلمة، ومحو وقعها على النفوس، ولكن هيهات لما يفعلون!

بعد إسقاط الإمبراطورية العثمانية في آخر معاقل دولة الإسلام، همَّ منتسبوا الغرب بحظر كل ما يَمُتُّ للإسلام والتدين والتحفظ بصلة، مع أن كل القوة كانت في أيديهم وأن المسلمين حينها هناك كانوا في أوج الوهن، إذ بنيت دولة جديدة على أطلال حضارتهم المهدومة، ولكن القوة الجديدة كانت تعلم أن نقطة قوة الدولة السابقة كانت في جوهر الرسالة التي أتوا به، من أجل ذلك امتدت طوال ما يقارب ستة قرون، لذا حالوا بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية من سلب أي رمز وعلامة تدل على الفكرة السابقة -وهي الإسلام- وتُشعِر بوجودها، فقد حرَّموا الأذان العربي، ومنعوا من لبس ثوب العلماء إلا لقلة مأذون لهم، وحظروا الحجاب في الأماكن الرسمية، لم كل هذا وقد سقطت الدولة سقوطا لا أمل في رجوعه؟ إنه الخوف من كلمة هذه الفكرة أن ينطق بها اللسان، أو يشير إليها البنان.
إنَّ دعاة التحضر لينفرون ممن يتعمم بدل التطربش، وممن يلبس جلبابا بدل بدلة، وإن كانت حجتهم التمدن والرقي ونفي التخلف، فإن الواقع أنهم يوجلون من أولئك، ويهابون من يقرأون في سيماه التحفظ الإسلامي، لأنهم يحيطون علما بأن أمثال هؤلاء، بوسعهم تسخير الحشود من أجل ما يهدفون، وإن المنحرفين أيضا بوسعهم ذلك، فالفريقان لديهم قوة الكلمة، ولكن المتخلفين ظاهريا المتقدمين باطنا يمتازون بأن كلمتهم حقيقة مزخرفة من الظاهر، ومملوءة من الباطن أيضا، وهذا هو الحائل بين الكلمة التي يدعو لها الإسلام، وبين ما يدعو لها غيره. وإن مثل هذه الكلمات لتترك أثرا طويل الأمد ووقعا كبيرا على النفوس والوجدان، لأن صدق الكلمة مع فكرتها كفيلة بإبقائها. ولقد نرى اليوم مع كل ما يحاك للإسلام والمسلمين من المكائد والمصائد، وكل العدوان الخفي والبارز عليهم، وتجريب شتى أنواع الخطط المحكمة المدروسة، فإن المآل إلى المساجد وفكرتها، ورب من لم ينفك عن المجاهرة بالمعاصي وهو الآن لا يهجر باب المسجد في أي صلاة، ومن لم يزل يعادي التحفظ وهو اليوم متصور بصورة المسلم المحافظ في ملبسه وجوهره، وإن كان هناك الكثيرون ممن سبق عليه الكتاب فعمل بعمل أهل النار، وهو الآن لا يمت بالتدين بصلة، وهذا عَرَض إثر كل النيران التي تضرم في ميدان الإسلام، وهي سنة الكون، فاللاعبون متفرقون بين الفريقين.

ولذلك؛ فليعلم المتهمون بالرجعية الموسومون بالمتخلفين، أنهم مهيبون مرجفون لخصومهم، فلا يحسوا بالضعف من نظرة الاشمئزاز، بل ليمشوا مشية الحازمين، وليرعبوا بكلماتهم وأقلامهم وعمائمهم من يتربصون بهم الدوائر، فإن الأُسدَ تُهاب، والثعالب تمكر، وشتان بين المهيب والماكر.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...