الجمعويون لا يجدون على الخير أعوانا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*ذ. أحمد براو

 

 

بغض النظر عن مرتبة هذا الحديث النبوي في الصحة والضعف، أو درجة قوته باللفظ المتدوال، فهو واقع يعيشه الحقل الجمعوي حاليا، لأن الأعوان على الخير أصابهم التراخي خصوصا في عصر العبثية واللهو للأكثرين، ووراء أيام الصبر للبعض وهم الأقلون، هي الأيام التي يضاعف فيها أجر المتمسك بقبضة يده على الجمر أضعاف خمسين من أجر الصحابة الكرام.

لا تكاد تصدق لأول وهلة أن هناك من الخلَف في هذا الزمان من يستطيع أن يحصل في عمله الصالح على أجر خمسين من السلف، وأنت تعلم أنهم قيل في حقهم “لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه”، لكن عندما تتأمل في تعدد الفتن في هذا الزمان وقلة الذكرى وموت العلماء وعموم البلوى والشرور، وعندما ينصرف الناس عن العلم النافع وعلم خبايا القلوب إلى علم اللسان الذي لا ينفذ أثره إلى الجنان ويصير فقط حجة الله على بني آدم، ولما يرفع من شأن الرويبضة ويقل شأن الأخيار المخلصين الذين يعملون العمل الصالح ولا يلتفتون للمصالح، عندئذ تدرك أنه بخلاف الزمن الأول لما كان الأعوان على الخير حاضرين يتعاونون على البر والتقوى يحشذون ويعينون، يسدّدون ويثبتون. أما في هذا الزمان فهناك تراجع عن النهج القويم وانتكاسة عن التمسك بالصراط المستقيم والعمل الصالح والتعلق بالمناهج الباطلة والسبل المنحرفة، والأنكى من ذلك الصدّ عن الخير ووضع العصي في دواليب حركة العاملين في النسيج الجمعوي.

– معوقات استقطاب الأعوان على الخير

يشكو النشطاء والفاعلون الجمعويون من ندرة المورد البشري الذي هو أساس العمل الخيري التطوعي وعزوف الناس عن التفاعل مع الدعوات التي تدعوها الجمعيات لإحياء المبادرات والمناسبات التي تعود بالنفع على الصالح العام. ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب التي تحول دون انخراط الناس في منظمات المجتمع المدني وبالتالي تدفعهم للتراخي عن العمل الخيري ولعل أهمها حملات الإتهامات الباطلة والدعاوى الجائرة التي تواجهها هذه الجمعيات والتي هي أولا وأخيرا ملك للمجتمع بأسره وليس لمجموعة خاصة، وممكن حسب القوانين المنظمة أن يتولى فيها أهل الإختصاص والخبرة والكفاءة أيا كانت مشاربهم خصوصا لأن القوانين الأساسية والتأسيسية يجب أن تُحترم فيها التعددية والحرية في الإنتخاب، وطرق تولّي مهام هذه الجمعيات، لكن هناك ثقافة خاطئة رُوّجت لكون هذه الإطارات منغلقة ومتحكَّم فيها من طرف مؤسسيها وهذا تصور خاطئ وقع فيه الغالبية العظمى بل حتى من بعض المنتمين إن لم أقل أكثريتهم صدّقوا ذلك وظنوا أنهم مالكي هذه الجمعيات آمرين وناهين، وكل من يجرؤون على معارضتهم أو إبداء آراء مخالفة لمناهجهم يحاصرونهم ويسفهون أحلامهم ويتهمونهم بدكّ أسافين الفتنة والتفرقة ويحكمون عليهم بأنهم ضد الجماعة ولو أنها ليست لها أهداف واضحة المعالم.

إنها حالة من الضعف والوهن التي أصابت المجتمع المدني والجالية المهاجرة في مراحل ما بعد الوباء في إيطاليا، وكأنها مرحلة انتقالية، بين جيلين من المؤسسين الأوائل والشباب المتحمس لحمل المشعل بدون إغفال بعض المتطفلين الخوائيين الذين يفسدون ولا يصلحون، يمشون بالنميمة ويفرّقون بين الأحبة، هذا من جانب العامل البشري أما قلة التمويل والتسهيلات اللازمة للإنطلاق فحدّث ولا حرج، فلا تكاد تجد من يثق في الجمعيات لكي يدعم مشاريعها، والأكثر من ذلك الإنشقاقات سواء داخل الجمعيات والمنظمات والتكتلات وكذلك داخل المؤسسات، ثم ضعف الرؤى والتصورات والخرائط، وندرة الدراسات والإستشارات ما يؤدي إلى عزوف الناس عن الإنخراط في العمل الجمعوي فيما يتعلق بقطاع المجتمع المدني.

– أسباب العزوف وواجب التنبه لها

هناك أسباب أخرى متعلقة التناسب بين المهام والقدرات للمتطوعين وهو مخالف لما يتردد دائما على الألسن مثل عبارة “الرجل المناسب في المكان المناسب” بحيث تكاد تجزم بالعكس تماما، زد على ذلك مشكلة الشفافية عدم وضوع الإجراءات واللوائح المتعلقة بالجمعيات للمنخرطين واقتصارها على النخبة منهم ما يدعو للتوجس والحيطة والشك والريبة.

إن العديد من المتداخلين في العمل الخيري الجمعوي التطوعي يأملون في السعي وراء الرزق ويظنون أن مزاولة التطوع تستجلب الحصول على المال مقابل مجهوداتهم البدنية والوقتية، وهذا جهل عميق وأمية مستشرية وخبرة سلبية مسبقة داخل الذاكرة الجمعوية.

كما أن البناء الهيكلي للمنظمات الجمعوية فيما يخص التنظيم الهرمي والبنية المكونة وحدود الإختصاص وأساليب التفويض وضعف القيادة والإدارة غالبا ما يعرقل الأنشطة، ويؤكد ذلك غياب الرقابة والتوثيق ومراجعة البيانات، وضعف الكوادر والفنّيين وأهل الإختصاص. كل ذلك هي أسباب اجتمعت وتمخضت عنها أزمة حادة تمر منها الجمعيات والمنظمات الفاعلة في المجتمع المدني للجالية المقيمة بإيطاليا.

لابد أن العامل الخارجي بدوره يؤثر على العمل الجمعوي الخيري وهو عدم وجود الأعوان على الخير عبر مدّ يد المساعدة لإحداث المشاريع وتمويل الأنشطة ومواكبة استمرارية البرامج، والعقبات التي تفرضها المؤسسات الداعمة بأسباب واهية لا تؤثر على المرجو من تلك المشاريع والبرامج، وإثقال كاهلها بالبيروقراطية والتردد والتثاقل في الدعم والتمويل. ومن جهة أخرى هناك تضييق واضح على التبرعات والتحويلات والتسهيلات البنكية، ما ينفر الناس ويرهبهم ويشيع الخوف بينهم.

في حين يعلم الجميع أن هناك العديد من الإمتيازات التي تمنح لمنظمة دون أخرى أو جمعية دون أخرى فقط لأن الزبونية والمحسوبية تقوم بأدوار لا تستطيعها الكفاءات الحقيقية على الرغم من تفوقها ونجاعة برامجها واستحقاقها للدعم وتوقعات تحقيف نتائج باهرة ذات النفع العام على جميع المستويات.

– لا مجال لليأس والخمول في العمل الجمعوي

إن إيجاد الأعوان على الخير ليس مستحيلا رغم صعوبته ولذلك كان للعامل فيه أجور أضعاف مضاعفة، ولنا أن نبدأ بما نستطيع، وهو مضاعفة الجهد والعمل ثم العمل والنفس الطويل وعدم التراخي والتردد، والحذر ثم الحذر من التراجع أو الوقوف عند منتصف الطريق، و التخلي عن المسؤولية بدعوى التشكي والتذمر واليأس.

لا حل سوى ربط العلاقة والتواصل والتشاور والتعاون بين الفاعلين الجمعويين وتبادل الخبرات والتجارب، ليس هناك بعد مجال للتفرقة والتشرذم والعداوات، لأن الوقت عدو كما هو الحال بالنسبة لتبادل الإتهامات ولنركز على الأهداف التي من أجلها تعاهدنا على الإخلاص في العمل ونكران الذات، فلنثق في بعضنا لبعض ولنتحمل ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقنا ولا نلتفت إلى نعيق المغرضين المجانبين للصواب،

آن الأوان أن يتحد جميع النشطاء العاملين وأن يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه ولا عيب في الإختلاف، وأن يكونون عونا وسندا لتحقيق الأهداف لأن المنفعة إذا قام بها البعض استفاد منها الكل، طيب الكلمة وأمانة النصيحة والذود عن بعضنا البعض، يجعلها كتلة متراصة تقدم المتقدم وتعين المتأخر للحاق بالركب، وكلنا في سفينة واحدة.

*كاتب وباحث في الهجرة

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...