د.الحبيب ناصري
أصبح الكتاب اليوم، يعيش محنة غير مسبوقة، لاسيما في مجتمعاتنا العربية. مجتمعات، لا تتطور بشكل طبيعي ومنسجم مع حاجياتها وأولوياتها. تعيش على مبدأ الاستهلاك الأعمى. منظومات تربوية لاتعلم فعل القراءة، ولا تغرس في المتعلم عشق الحرف. منازلنا اليوم، وفي ظل أزمة السكن، من الصعب أن تجد فيها مكتبة. من يملك اليوم مكتبة في بيته؟. سؤال حارق وبه نقيس نسبة التحضر والوعي ونظرة حقيقية للمستقبل. في ظل زحمة التكنولوجيا ووفرة المعلومات في هواتفنا وحواسبنا، الخ، أصبح الكتاب لا يجد مكانته في البيت الا لدى الأجيال القديمة التي تشبعت بالكتاب وأحبته. الأجيال التي كانت تجد ورقة مكتوبة باللغة العربية وتقبلها وتضعها في مكان آمن بعيد عن أحذية المارين. الأجيال التي كانت تمر وتجد قطعة خبز فتقبلها أيضا وتضعها في مكان آمن أيضا .
لنلاحظ من خلال هذا السلوك مدى احترام ثنائية التغذية البطنية والروحية. أتذكر أنني منذ أن كنت تلميذا في زمن الستينيات وحلمي يتحدد في أن أشتغل وأملك مكتبة. تمرين ذهني ووجداني وثقافي، أحببته وعشقته. في سبعينيات القرن الماضي جمعت ما تيسر من نقود واقتنيت مكتبة صغيرة من القصب، وضعت، فيها كتبي ودفاتري المدرسية وكتبا أخرى لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وفي مقدمتها، كتاب دروس الفلسفة لأحمد السطاتي والجابري والعمري وتاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوري. بمجرد ما وضعت هذه الدفاتر والكتب القليلة على هذه المكتبة القصبية والصغيرة جدا، أحسست بفرحة لا توصف. وحينما حصلت على شهادة الباكالوريا، سنة 1981، وتوصلت بأول منحة جامعية، ستبدأ رحلة وحلم تحقيق مكتبة في البيت.وأنا أتدرج في سلم التعليم الجامعي، بدأت أيضا في اقتناء بعض الروايات وبعض الكتب النقدية الأدبية والفلسفية. أما حينما أصبحت مدرسا، أصبح حلمي أن أبني بيتًا وتكون فيه مكتبة مستقلة. مكتبة تتضمن ما يساعدني على إتمام دراستي والحصول على شهادة الدكتوراه . استمر الحلم وتحقق بكافة عناصره. اليوم، جيلي ومن سبقه ومن أتى بعده بقليل ، يسارع ويصارع الزمن . يقرأ ويكتب وينشر معتمدا على ما لديه من امكانيات وما يوجد في مكتبته وبلده من اهتمام شبه نادر بالكتاب. ويبقى السؤال المقلق، ماذا سيقع حينما نودع الحياة لهذه المكتبات في زمن قيل لي وقرأت فيه أن الورثة لا يهتمون بمكتبات آبائهم ؟. الكل يتنازل عن نصيبه من كتب أبيه !!. الحجة المبررة، ضيق شققهم وابتعاد تخصصهم عنها.فماذا سيفعلون بلسان العرب ومصادر عديدة خاصة بالتاريخ والأدب والفلسفة ؟. ماذا يفعلون بالروايات وكتب النقد السينمائي وغيرها؟. ما ذا سيضيف لجيوبهم كل من مؤلفات طه عبد الرحمان والجابري وسعيد يقطين وبول بولز وأدونيس والمجاطي وأمجد الطرابلسي ورولان بارت ودريدا ونجيب محفوظ ومحمد بنيس، واللائحة تطول بطول مكتبة صاحبها في بيته؟. وجد العديد من الكتاب والأساتذة والباحثين، ومن أصيب بولع وعشق اقتناء الكتب، فكرة جميلة. شخصيا أصبحت من أنصارها، وهي أن المكتبة لا تورث، وخوفا من حرقها أو رميها في المزبلة أو وضعها في علب كارطونية للتخلص منها واسترجاع بيت المكتبة لتحويله إلى غرفة نوم أو بيت للجلوس من أجل جلسات عائلية تافهة، أو ليستولي عليه أحد الأبناء ليستريح فيه ويستمتع بحوارته الهاتفية أو قل ما أردت . المهم وفي ظل ” موت” الكتاب وتأبين صاحبه، يصبحان عبئا ثقيلا في دولنا العربية التي انشغلت بكل شيء، ماعدا غرس حب العلم والعلماء وعشق الكتاب، مما يستوجب معه التخلص من ذكراهما. خوفًا من السقوط في هذا الوضع الأليم علينا أن نوصي ونرفع شعار، المكتبات لا تورث. فلنكتب وصية توزيعها بشكل عادل بين المؤسسات التعليمية والجامعية التي علمتنا، أو لتمنح للمكتبات العمومية الموجودة في مدننا وقرانا إن وجدت. رحم الله من مات وترك خلفه مكتبة، وأطال الله عمر من أحسن إليها وجعلها في خدمة من يستحقها ولم يقم برميها ليلا في ركن بعيد عن مسكن صاحبها. ما يقع لمكتبات الكتاب والمفكرين والأساتذة والمبدعين، الخ، في زمننا العربي، الجريح، بفعل ما ينخر عظامه من تخلف واهتمام بالعديد من التفاهات، يجعلنا نطرح السؤال التالي، إلى أين نسير؟. معيار الاهتمام بالكتاب، أحد المؤشرات الدالة على كوننا بدأنا فعلا السير نحو ما يضمن لنا البقاء في زمن هذه العولمة التي نوجد خارجها بل وخارج التاريخ ومنذ سقوط بغداد .





