تحركات أردوغان قرار جدّي أم لعبة إنتخابية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*غسان الاستانبولي

 

 

 

يجب أن نعترف بأن الرئيس رجب طيب أردوغان استطاع خلال توليه موقع القرار التركي، أن يستثمر المتناقضات الدولية بشكلٍ جيد، كما استطاع أن يلعب على حبال الدول المتخاصمة أو المتنازعة، مُرتكزاً بذلك على الحاجة الماسّة لمعظم دول العالم، وخاصّة الدول الكبرى إلى الدور التركي، وذلك لعدّة أسباب يأتي في مقدمتها موقعها الجيوسياسي، وربّما كانت هذه الأسباب كفيلة بأن ترتقي بتركيا إلى مصاف الدول العظمى، لو توفّر لها قادة يخلصون لوطنهم ويعملون لأجله، أكثر من إخلاصهم وعملهم لمصلحة شخصٍ أو حزبٍ أو مذهب.

لا شك أن الأزمات العالمية، وخاصّة بعد بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، جعلت كلّ العيون تشخص إلى الدور التركي وكلّ الأيادي وخاصّة الروسية والأميركية تحاول سحب تركيا لتكون أقرب إليها، ولاسيّما أن العالم يسير مُسرعاً ليس فقط لتغيير التكتلات القديمة بل لتغييرٍ في الهيكلية الجغرافية والسياسية لبعض الدول، وهذا التغيير هو أسرع مما يتوقعه صُنّاع القرار في تلك الدول.
في ظلّ هذا الغليان العالمي، وفي ظلّ حبال السحب الممدودة إلى تركيا، ومع تراجع الوضع الاقتصادي التركي، ودنو موعد الانتخابات الرئاسية، أصبح على الرئيس التركي أن يُحدّد خياراته، صحيحٌ أنه بدأ بخطوات مهمة من خلال تقاربه مع بعض الدول التي ناصبها العداء لفترات طويلة، مثل السعودية ومصر وغيرهما، ولكن هذا لا يكفي، كون هذه الخطوات غير مؤثرة، ولا تُعبّر عن اتجاه البوصلة التي سوف يهتدي بها، ولذلك نرى الضغط الأميركي على الرجل من خلال عدّة مفاصل موجعة، كالمفصل اليوناني، ومفصل الدعم الأميركي للفصائل الكردية في شمال شرق سوريا، بل والتمدّد ليكون للأميركي أيادٍ في مناطق تخضع للسيطرة التركية المطلقة في شمال سوريا، بغية تشكيل قوّة مُتمردة على أيّ قرار تركي بالتقارب مع سوريا، ولن تنتهي مفاصل الضغط الأميركي بمفصل إعادة التوتر العسكري بين أذربيجان المدعومة تركياً، وأرمينيا التي تعمل الولايات المتحدة لتعيدها إلى بيت الطاعة الأميركي، وإن نجحت، تكون قد وجهت ضربة مؤثرة بوقت واحد، لكل من روسيا وتركيا وإيران.

كذلك نرى الضغط الروسي، الذي يبدو أنه يتقدم على الضغط الأميركي، ربّما بسبب اختلاف أسلوب كلتا الدولتين، ففي الوقت الذي تتّبع فيه روسيا أسلوب الثواب والعقاب في علاقاتها الدولية، نرى أن الأسلوب الأميركي يعتمد فقط على الضغط والتهديد والعقاب.

ومع أردوغان تحديداً، يبدو أن الأسلوب الروسي الذي تم تدعيمه بنظرية الصبر الإستراتيجي قد بدأ يُعطي مفاعيله، بدليل تلبية الأخير لعدد من الرغبات الروسية، مثل انضمامه إلى منظمة شنغهاي وتراجعه عن دعم الحرب الأذرية مع أرمينيا، ووصول موقفه إلى نقطة مقبولة فيما يخص العملية الروسية في أوكرانيا، كذلك عدم انسياقه خلف الرغبات الأميركية فيما يخص تقييد حركة الطائرات الروسية في الأجواء التركية، وتقييد حركة الملاحة الروسية في المياه والمضائق التي تخضع للقرار التركي.

أمّا العقدة الحقيقية بالنسبة لأردوغان فهي القضية السورية، وذلك بسبب السقف العالي للأمنيات التي تمناها وعمل لتحقيقها، والتي جعلته الطرف الأبرز في الحرب على سوريا، ومعروفٌ للجميع الدور التركي في هذه الحرب.

الآن، وبعد فشل أردوغان بتحقيق أهداف حربه، وبعد انعكاس هذا الفشل على الوضع التركي بشكلٍ عام، وعلى شعبيته بشكلٍ خاص، الشيء الذي قد يحول بينه وبين الفوز في الانتخابات القادمة، تقدّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليلعب الورقة السورية، وبالتأكيد لمصلحة مشتركة بين كلٍّ من سوريا وروسية وتركية، هذا إن استمر أردوغان في السير صادقاً بهذا الملف، وما يدعو للتفاؤل هو التصريحات الإيجابية المتكرّرة لكبار المسؤولين الأتراك، ومنهم أردوغان شخصياً، والتي تؤشر إلى رغبة أنقرة للتقارب مع دمشق.

الشيء المؤكد أن هناك لقاءات أمنية بين الدولتين السورية والتركية، وهناك تسريبات عن لقاءات قادمة على مستوى وزيري خارجيتهما، وإن صحّت هذه التسريبات، فهذا يعني أن المفاوضات الأمنية وصلت بدعمٍ روسي إلى نتائج إيجابية، ولكن ما مدى نجاح الوساطة الروسية في ظلّ فروق كبيرة بين مطالب الدولتين، التي يأتي أولها البند السوري الذي يشترط انسحاب الجيش التركي من كلّ الأراضي السورية المُحتلة، بالإضافة لبنودٍ أخرى مُتبادلةٍ ولكنّها أقلّ صعوبة وستسير بشكلٍ جيدٍ لو تم الاتفاق على هذا البند، وهنا تتوارد مجموعة من التساؤلات بخصوص البند الأول، فمثلاً، هل يستطع أردوغان تنفيذ الشرط السوري الأول خلال الفترة المتبقية من رئاسته؟ وإن لم يستطع، هل تثق سوريا بأن يكمل أردوغان تنفيذ الانسحاب، إذا فاز بالانتخابات القادمة؟ وهل تستطيع روسيا أن تضمن تنفيذ أردوغان لبنود الاتفاق بعد الانتخابات؟ كلّ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها من هو على معرفة كاملة بحجم وفاعلية القيود الروسية التي وضعها بوتين ليلة القبض على أردوغان.

*كاتب وباحث سياسي سوري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...