*سامح المحاريق
الانقلاب الألماني الذي تناقلت وسائل الإعلام أخباره لم يكن لينجح وحتى العناصر المتآمرة لم تتصور أن يحالفها النجاح، فأوروبا تجاوزت زمن الانقلابات العسكرية، منذ المحاولة القريبة من النجاح التي نفذها الجيش الإسباني في فبراير 1981 لمصلحة الملكية، وأجهضها الملك خوان كارلوس ليعزز من الديمقراطية الناشئة بعد عقود من الحكم الديكتاتوري مع الجنرال فرانكو.
ومع ذلك، فالأحداث الأخيرة في ألمانيا تستدعي وقفة للتأمل في مستقبل أوروبا، بشكل عام، وألمانيا بوصفها الدولة الأكبر في أوروبا، ولنبدأ في التحليل من إشكاليات الشخصية الألمانية، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، والثغرة النفسية التي لحقت بألمانيا من خلال إشاعة فكرة العار داخل الشعب الألماني لتصبح فكرة مقيمة والعار، هو العنصرية والرغبة في التفرد والإعلاء من الذات، وهي مشاعر وإن كانت غير واقعية بالنسبة للألمان ولأي شعب آخر، فهي في المقابل، مشاعر طبيعية للغاية، وإنسانية بالكامل، على مستوى الفرد والجماعة.
بعد الحرب العالمية الأولى لحقت بألمانيا مسؤولية تقديم تعويضات هائلة ومرهقة للمنتصرين، خاصة فرنسا، وباستغلال مظلومية المتاعب الاقتصادية والتضخم الجامح والشعور بالمهانة الوطنية صعدت النازية لتصبح واقعاً يعيد أوروبا إلى نقطة الصفر ويدخل في حرب جديدة أخذت في طريقها عشرات الملايين من الضحايا، واستبدلت نزعة العقوبة النفسية الذاتية بالتعويضات المالية بعد الحرب العالمية الثانية، أنت ألماني، أنت مذنب بالضرورة، عليك أن تروض نفسك، أن تتواضع وأن تقبل كل شيء، أن تستمر في الاعتذار، أن يصبح التعبير عن مشاعرك الفردية محسوباً وضمن الأصول المقبولة.
تقول الرسائل المبطنة التي أشيعت وغرست بعد الحرب للألماني العادي: في داخلك وحش صغير، يجب أن تعمل على تقييده بصورة دائمة، وهذه الرسائل أخذت تستقر نفسياً داخل الألمان لتصبح خارج المساءلة، وتنتج شعباً لطيفاً بأكثر مما يجب وجافاً في الوقت نفسه، فالتعامل اللطيف في النهاية هو قيد أخلاقي يستقر على الأخلاق الكانطية، التي حاصرت الألمان لقرون، صحيح أنها كانت مفيدة في لحظة توحيد ألمانيا وبناء الدولة والمؤسسات، ولكنها أتت مكلفة بإعلائها لفكرة الواجب واحترام القانون، ومع الامتداد لفلسفة هيغل التي تعلي من مكانة الدولة، يجد الألماني نفسه محاصراً في التوجهات العامة وفي الصورة الواجبة للفرد والدولة. الفرنسيون الذين قاموا بهندسة الحصار النفسي على ألمانيا، بعد تعذر الحلب الاقتصادي، لم يلتزموا بأي منطق فرضوه على الألمان، فأخذوا يمارسون العنصرية في مستعمراتهم، ويطلقون وحوش الهندسة الاجتماعية لإحداث اضطرابات الهوية في المستعمرات الافريقية، ويوظفون العنف والقهر الممنهجين لتحقيق أهدافهم، فالمنتصرون لا يُسألون بالطريقة نفسها التي تفرض على المهزومين. الفلسفة الألمانية بقيت مؤثرة في القارة الأوروبية، والتأسيس للشخصية الألمانية الجديدة أحدث صدىً متواصلاً في دول أوروبا الغربية ذات الأغلبية البروتستانتية، والنزعة التنظيمية العملية، مثل هولندا وبلجيكا والدنمارك، وبذلك حضرت مرة أخرى الفلسفة الألمانية في تأثيرها على أوروبا مع ماكس فيبر. تقيم إسرائيل متحفاً للهولوكوست، وتوظف المحرقة في أدبياتها، فيستمر الابتزاز المالي والسياسي لألمانيا، وقبول الآخر، مهما يكن، وبغض النظر عن ممارساته، يصبح واجباً ألمانياً جديداً، والمثليون يجدون في ألمانيا جنتهم الخاصة، فالأسئلة العادية التي عليهم مواجهتها في أي مجتمع آخر تصبح في الفضاء الأخلاقي الألماني اعتداءً صارخاً على كيانهم وحرياتهم، وعلى ألمانيا، أن تتحمل بسلبية التحولات التي تطرأ على مجتمعها، ومن غير أن تنضجها بعملية جدلية واقعية تقوم على تعبير الكتلة الاجتماعية الألمانية، من أسر عاملة ومتوسطة الحال عن نفسها، فهي تسكن في العقدة النفسية، ومحاولة مغادرتها تشكل خطراً على الجميع، ومحاولة لإيقاظ الوحش النازي الذي يتصوره الألمان جزءاً جرمانياً قديماً يسكنهم وكأنه خطيئة أصيلة، عليهم أن يتطهروا منها بشكل دائم، وبالمناسبة، فماركس لم يجد مع جدليته فرصة للعمل في جنة الواجب الألمانية.
الانقلاب العسكري الذي أنهته قوات الأمن الألمانية قبل أن يبدأ، واعتقلت رؤوسه المدبرة و(الواهمة في هذه المرحلة على الأقل)، تقف وراءه عشرات الآلاف من المؤيدين بشكل عضوي أو نفسي، يشكل إشارة خطيرة على مستقبل ألمانيا، فهو ليس نزعة يمينية مثل التي تسود في دول أوروبية أخرى، ولكنه خلل عميق في العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو جمعي، يأخذ بعد ذلك الصفة القانونية والتوافقية الاجتماعية، ولذلك فالاضطراب الذي سيحدثه الانقلاب الفاشل في عالم الأسئلة الألمانية المكبوتة يشبه إصبعاً ضخماً، ولا يمكن إنكاره يهبط على الجرح النرجسي للأمة الألمانية، خاصة وأن قائده أمير سابق من الأرستقراطية الألمانية، التي عايشت جميع فصول التحولات عن كثب، والألمان الذين وضعوا كفوفهم على أفواههم للتدليل على حرمانهم من التعبير عن تعاطفهم مع المثليين في الدوحة، يحتاجون الآن إلى أن يرفعوها ولكن في برلين ولايبزيغ وفرانكفورت وميونخ من أجل طرح أسئلة طبيعية تجعل الألمان يتحدثون في مواضيع طبيعية في أي مجتمع آخر، مثل الاعتزاز الوطني وحدوده وبنية المجتمع وتماسكه خارج الأساطير المؤسسة لعقدة الذنب الحديثة التي تبدو أثقل من أي تكلفة اقتصادية على الشخصية الألمانية.
ألمانيا بلد مركزي في أوروبا، ومؤثر عالمياً، وحاجته لمراجعة عملية لحقبة كاملة تصبح ضرورية، لأن الأسئلة المسكوت عنها يمكن أن تتفجر بطريقة أو بأخرى، وفي ظروف درامية متسارعة، فالانقلاب الفاشل أكبر من مجرد مغامرة مجنونة، مع عدم إهمال أن التصرفات المجنونة في المجتمعات الراكدة يمكن أن تصنع التاريخ على طريقتها.
*كاتب أردني





