ملعب كرة أم ميدان حرب؟

 

 

 

 

د.ياسين جلوني

 

كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية والأكثر متابعة في العالم، ولا أدل على ذلك عن كون أخبار مونديال قطر تطغى على بقية الأخبار الاقتصادية والسياسية، وأصبحت الكرة القضية الأولى التي انشغل بها الرأي العام الوطني والدولي في الآونة الأخيرة. إلا أن التساؤل يطرح دائما عن السر الكامن في هذه الرياضة دون غيرها حتى أصبح لها أتباع ومريدون، وانقسم حولها الناس في تشجيع أندية بعيدة جغرافيا وثقافيا، وجعلوا هذه الأندية وطنا آخر ينتمون إليه، واتخذوا أبطالها زعماء وأبطالا قوميين لهذه الأوطان والانتماءات التي لا توجد إلا في عالم كرة القدم، كما لو أن لهذه الرياضة سحرا جعلها معشوقة الجميع. فأين يكمن سحر هذه الرياضة؟ وما الذي جعل الجميع يسقط في حبها ومتابعتها؟

محاولتنا للإجابة عن هذه الأسئلة لن تكون بمعزل عن آخر مقال كتبناه حول الرياضة على العموم، والذي أشرنا فيه لكون الرياضة منذ اختراع البشرية لها كانت مرتبطة بنزعة الصراع المتأصلة لدى الإنسان، لتكون الرياضة وسيلة لتهذيب هذه النزعة وإشباعها بشكل حضاري دون اللجوء للعنف واستعمال السلاح.

من هنا يبدأ تحليلنا للعشق الكروي، فالملعب الكبير الذي تمارس فيه هذه الرياضة يحيل خيالنا على ميدان معركة تقام فيها الحرب الكروية بين فريقين (جيشين) كل فريق يمثل انتماء معينا (وطن، مدينة، حي…) ويتكون كل فريق من لاعبين (محاربين) ينقسمون على أرضية الملعب كل حسب موقعه (دفاع، هجوم، ميمنة، ميسرة، رأس حربة) في حين يتكلف أحد اللاعبين بحماية المرمى (الحصن، القلعة). لكل فريق عميد (قائد عسكري) ويخضع كل فريق لتوجيهات مدرب مخضرم يعد خطة عسكرية تنبني على تكتيك واستراتيجية معينة. حتى أن هذه المصطلحات (تكتيك واستراتيجية) هي مصطلحات عسكرية، بالإضافة للقاموس الذي يستعمله أغلب المعلقين الرياضيين الذي يمتح من معجم الحرب والمعارك (تسديدة صاروخية…).

هذه الإحالات تظهر مدى التشابه الكبير بين مباراة كرة القدم وبين حرب عسكرية، فهنا يكمن جزء من الجواب عن سحر المستديرة، أي في خصوصية ومميزات هذه الرياضة وقوانينها وقواعدها التي جعلها أقرب إلى الحروب التقليدية التي كانت جزءا لا يتجزأ من تاريخ البشرية الطويل. إلا أن جزءا آخر من هذا السر يمكن إيعازه إلى الطبيعة البشرية النازعة إلى الصراع وحب التنافس وتحقيق الذات وتعزيز الانتماء من خلال دحر الأعداء والخصوم، وتحقيق الأمجاد والفتوحات.

فنار الحروب لم تنطفأ منذ خلق البشرية، وما زالت نيرانها مشتعلة إلى الآن، بل الحرب كانت محركا أساسيا لعجلة التاريخ، فهي الحجة التي يستدل بها من يقول بأصالة العنف عند البشر، وكون الدين أتى ليهذب تلك النزعة ويحقق السلام والأمن بين البشر. كما أن بعض النقاشات الكروية السائدة بين الناس تمتح كذلك من قاموس العنف، فهناك الحديث عن الثأر والانتقام، واستحضار الحروب التاريخية والنزاعات السياسية بين الدول والجماعات، لدرجة أن التداول الشعبي أدخل حتى مصطلحات جنسية لا أخلاقية في تداول أخبار الهزائم والانتصارات الكروية.

التعاطي مع مباريات مونديال قطر تزكي هذا الطرح بشكل كبير، لاسيما حينما تم استحضار البعد الثقافي والحضاري والتاريخي في المباريات التي جمعت المنتخب المغربي بمنتخبات كل من اسبانيا والبرتغال وفرنسا، حيث تحولت تلك المباريات من لقاءات رياضية إلى مناسبة لاستحضار المعارك العسكرية التاريخية مع هذه البلدان ذات التاريخ الاستعماري الطويل مع المغرب.

أما بخصوص متابعة العديد من الناس للدوريات الأوروبية، وانقسامهم حول تشجيع فريق دون آخر، بمعنى أن الانتماء لهذه الأندية يكون دون أي خلفية جغرافية أو ثقافية، فيمكن تفسيره بالشغف الكبير للاستمتاع بجودة الفرجة الكروية التي تقدمها الكرة الأوروبية، نفس الأمر داخل الوطن حين يفضل البعض تشجيع إحدى أندية العاصمة الاقتصادية (الرجاء أو الوداد) رغم أنه بعيد جغرافيا عن الدار البيضاء وثقافتها. ما يعني أن منسوب الفرجة الذي تقدمه رياضة كرة القدم أكثر جاذبية من الفرجة التي تقدمه بقية الرياضات.

ومما يزكي حدة الانتماء للأندية الرياضية في العقود الأخيرة هو خفوت الانتماءات التقليدية لشخصية الإنسان المعاصر، ففي السابق كانت الانتماءات القبلية والعائلية لها وقع كبير على تفكير الفرد، ومع ظهور الدولة الحديثة، برزت إلى السطح الانتماءات السياسية والفكرية والإيديولوجية والطبقية، أما في واقعنا الراهن أصبحت الانتماءات الكروية ملاذا لإشباع الحاجة للانتماء بعد أن ضمر ارتباط الفرد بالعائلة والقبيلة، كما ضمر ارتباطه بالحزب والجمعية والنقابة. إلا أن المسابقات الكروية بين المنتخبات تأتي لتعزز من جديد الانتماء الديني والحضاري والثقافي والوطني للشعوب وللإنسان المعاصر.

تشكل مسابقات كأس العالم المجال الوحيد الذي أمكن فيه للدول المستعمَرة والضعيفة والمغلوبة والتابعة أن تزاحم الدول المستعمِرة والمهيمنة والحاكمة في العالم، لأنه على الأقل في كرة القدم هناك حكم يقود المباراة وهناك قواعد عامة تنظم المسابقة وهناك رأي عام يتابع، والتدخل في الكرة يفسدها لا محالة، عكس المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي فيها صراع آخر لا يفصل فيه حكم عادل ولا قضاء مستقل، فالكلمة فيه للأقوى، الذي يسخر كل الوسائل للانتصار في معركة قيادة العالم، حتى لو تطلب الأمر إشعال الحروب وإسقاط الدول والحكومات، وتجويع الشعوب وابتزاز النخب وشراء الذمم. والقوي هو الذي يضع قواعد الصراع في العالم، كما أنه ليس مجبرا على احترام أي من تلك القواعد.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...