*غسان الاستانبولي
من يتتبّع سلوك الأحزاب الكردية الإنفصالية في الدول التي تتواجد فيها، يصل إلى قناعة تامّة بأن هذه الأحزاب ليست فقط لعنة على الدول التي سكنها الكرد منذ عشرات السنين، بل هي لعنة حتى على بقية الأكراد الذين انسجموا مع المكونات التاريخية لهذه الدول، وأصبحوا مُكوّناً وطنياً أساسياً فيها، ولسنا هنا بصدد الخوض في تاريخ الكرد، ولا بكيفية وصولهم إلى دول منطقة الشرق الأوسط، بل سنبحث بشكل مُختصر في سلوك وممارسات هذه الأحزاب، التي انعكست سلباً على الدول التي احتضنتهم، وعلى مجتمعات هذه الدول، بما في ذلك المجتمع الكردي، مع التنويه، بأننا لا نُعمّم حالة الأحزاب وأتباعها على كامل المجتمع الكردي، لأن غالبية هذا المجتمع يشكّلون طيفاً وطنياً شريفاً وفاعلاً في دولهم.
● الأكراد في تركيا
خرق عبدالله أوجلان الهدوء التركي الكردي، وذلك عندما أسّس “حزب العمال الكردستاني” عام 1978م، الذي نادى بتأسيس دولة مُستقلة في تركيا، ثم بدأ الحزب بالعمل المسلح بعد ست سنوات من تأسيسه، وذلك بالتنسيق مع بقية الأحزاب الإنفصالية في دول الجوار التركي.
وفي موقع مقابل، نرى ملايين الأكراد الذين انتقلوا إلى الداخل التركي، انسجموا تماماً مع بقية أطياف المجتمع، بحيث وصل منهم مئات الشخصيات إلى مراكز قيادية عليا في تركيا، حتى في “حزب العدالة والتنمية” نفسه، كذلك نرى أحزاباً تعمل في الشأن السياسي، مبتعدة عن العمل العسكري وعن طروحات الإنفصال، مثل “حزب الشعوب الديمقراطية”، و”حزب الدعوة الحرة”، وغيرهما، ويبدو واضحاً دور هذه الأحزاب في التأثير بالحالة السياسية التركية، بدليل سعي جميع المتنافسين في أيّ استحقاق إنتخابي، لنيل أصوات الناخبين الكرد، التي تبلغ حوالي 15 مليون ناخب، ولقد لمسنا بشكل فعلي تأثيرهم في هزيمة بعض مرشحي “حزب العدالة والتنمية” في الإنتخابات البلدية الماضية.
● الأكراد في إيران
في عام 1946م، أسّس “الحزب الديمقراطي الكردستاني” والجماعات الشيوعية في الجزء الجنوبي من محافظة أذربيجان الغربية، دولة “مها أباد” لتكون دولة عميلة للسوفييت، ولكن الإيرانيين وبدعم أنجلو أميركي أسقطوها سريعاً، بعدها انخرط الكرد بفاعلية مع المجتمع الإيراني، بكلّ المناحي، بما فيها المنحيين الثقافي والمذهبي، واستمرت العلاقة الإيرانية جيدة مع كلّ الأكراد حتى السنوات العشرين الأخيرة، وبعد أن رفضت إيران تقديم التنازلات المطلوبة منها، أوعزت الولايات المتحدة الأميركية لقادة الأحزاب الكردية في الداخل الإيراني وفي دول الجوار، بالعمل على تقويض الأمن والإستقرار فيها، وما الأحداث الأمنية التي تجري في إيران هذه الأيام إلا نتيجة السيطرة الأميركية على هذه الأحزاب، ويستطيع أيّ مُتابع أن يرى بوضوح الأيادي الصهيو أميركية، التي تُحرّك وتدعم الأحزاب التي تقود أعمال العنف الجارية الآن، كما يستطيع الجزم أن أعمال العنف وخاصّة في محافظة أذربيجان الغربية، كذلك أعمال “حزب الحياة الحرة” الكردي، المتواجد على الحدود العراقية الإيرانية، وتنسيق الأحزاب الكردية العراقية معه، ليست إلا بتوجيه صهيو أميركي.
● الأكراد في العراق
منذ إنشاء القاعدة الأميركية التي يسموها “إسرائيل”، كان الأميركي، ولا زال، يعطي أهمية بالغة لإقليم كردستان العراق،كونه يتاخم أربعة دول مهمة في المنطقة، ثلاثة منها تعادي “إسرائيل”، كما يعمل على أن يكون هذا الإقليم قاعدة أميركية إسرائيلية، تستطيع التدخل والعبث بدول الجوار، وهذا واضح تماماً، وخاصّة خلال السنوات الأخيرة، أي بعد حرب الخليج الثانية، والاحتلال الأميركي للعراق، ولأن تدمير العراق كان هدفاً مهماً للولايات المتحدة الأميركية، قامت عام 1946م بتشكيل “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، وذلك عن طريق المُلا مصطفى البارزاني، الذي بدوره أعلن القتال ضدّ الدولة العراقية عام 1961م.
ولكي يستكمل الأميركي مشروعه أدخل العراق في حرب الخليج الأولى، التي ما إن انتهت حتى أوعزت لقادة الأحزاب الكردية، بما فيها الأحزاب التي كانت توالي القيادة العراقية آنذاك، بإنتفاضة مسلّحة، استولوا من خلالها على عدد من الثكنات، والمناطق، والمدن، وبدأوا بالعمل على تقسيم العراق، ونجحوا حتى الآن نصف نجاح، وذلك بحصول إقليم كردستان على حكم ذاتي.
● الأكراد في سوريا
منذ عشرات السنين عاش الأكراد في سوريا كأيّ مكوّن سوري آخر، من حيث الحقوق والواجبات، ووصلوا إلى مواقع متقدمة في الدولة، فكانوا وما زالوا يمارسون وطنيتهم بكلّ وفاء، بالإضافة إلى تمسّكهم بقوميتهم الكردية، التي كانت مكان تفهّم وتقدير.
في عام 2004م، اندلعت أعمال عنف على خلفية رياضية، في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا، بين الأكراد وبعض العشائر العربية، وما لبست أن امتدت حينما دخل الأميركي على خط تلك الأعمال، التي انتهت بعد تدخل قوات الأمن السورية، ويبدو أن التدخل الأميركي كان فقط لجسّ نبض القيادة السورية الجديدة.
في آذار/مارس عام 2011م، ومع الأيام الأولى لانطلاق ما سُمي بالربيع العربي في سوريا، وبما أن قادة الأحزاب الكردية كانوا على علم بما يُخطّط لسوريا، لذلك ركبوا قطار هذا الربيع، وأركبوا معهم من استطاعوا شراؤه بالمال الخليجي، من شيوخ بعض العشائر العربية، وبدأوا باستهداف مواقع الجيش السوري، الذي ترك المنطقة، وترك بعض الأسلحة ليستطيع الأكراد الدفاع عن شمال شرق سوريا، وذلك بعد اقتراب تنظيم داعش من تلك المنطقة، بعدها باع زعماء الأحزاب أنفسهم بشكل كامل للإحتلالين، الأميركي عبر “حزب العمال الكردستاني” مُمثّلاً ب” حزب الإتحاد الديمقراطي”، والتركي عبر “المجلس الوطني الكردي”، غير آبهين بثروات الشعب السوري من النفط والثروات الزراعية التي يسرقها هذين الإحتلالين، وبطبيعة الحال، هذه السرقات هي من أهم العوامل التي أوصلت السوريين لهذه الحالة المعيشية السيئة.
نستنتج مما سلف، أن طريقة تفكير الزعماء الكرد لم تتغير منذ أكثر من مئة عام، وقد جسدها الزعيم الكردي بديع الزمان النورسي عام 1910م، حين خاطب أتباعه قائلاً “الأتراك هم عقولنا ونحن قوتهم، وبالإجتماع معاً نكوّن إنساناً كاملاً”،
كما يبدو أن زعماء اليوم، ما زالوا يُغيّبون عقولهم، ويكتفون بقوتهم، التي يبيعوها حسب طلب أصحاب المال وأصحاب العقول.
*كاتب وباحث سياسي سوري





