سباق الخيول الجديد.

 

 

 

 

 

*د.الحبيب ناصري

 

بعد نهاية كل دورة دراسية، أو أثناء تقديم النتيجة النهائية للمتعلمين، تتحول الأسر إلى من يحضر سباق الخيول، ويصيح محفزا حصانه المفضل للفوز . حولنا مدارسنا إلى حلبات لسباق الخيول، عفوا لسباق المتعلمين. لا حديث بين الأسر إلا عن معدل أبنائها. فهذه امرأة في الحمام عوض أن تستمتع بحمامها الشعبي، وتسخن ” عظامها “ في هذا الجو البارد، تلتفت إلى من بجانبها وسواء أعرفتها أم لم تعرفها تخبرها بان ابنها حصل على معدل تسعة على عشرة. تجدها هي الأخرى جاهزة للرد وتقول لها ابنتي حصلت على تسعة ونصف وتصيح الثالثة في الزاوية الأخرى، قائلة، ابني، أنا، حصل على أكثر من تسعة ونصف، لقد حصل على كذا !. الشيء نفسه في المقاهي بين الرجال.فهذا ينفخ دخان سيجارته ويتبعها ب ” دكة” من قهوته السوداء الباردة، معلنًا أن ابنه حقق فتحًا عظيمًا بحصوله على معدل كذا والآخر يرد عليه بنته كانت الأولى. تنافس في حلبة السباق من يحصل على أعلى نقطة !.

أصبحنا وكأننا في مزاد تربوي علني . الأطفال فيهم من فضل “الاختفاء” عن الأنظار خوفا من مساءلته من عمته أو خاله أو جدته. حملنا المدرسة ما لا طاقة لها به. حولناها عن سكتها الحقيقية، والمحددة في التعلم والتربية والاستمتاع بهما. أصبحت الأسرة كأنها تغذي وتربي “حصانًا ” عليه ان يكون الأول في حلبة السباق !. المهم ان يسبق الحصان رقم كذا حصان رقم كذا لفلانة أو لفلان!. تعانقه الأسرة وتتباهى به في محيطها المهني والعائلي. ايتها المدرسة ايتها الأسرة، فلنرحم أبناءنا من هذا السباق العنيف والمصرف لعقدنا نحن الكبار . لهم الحق في الاستمتاع بحياتهم وبطفولتهم. علينا ألا ندخلهم في عقد نفسية وتربوية واجتماعية قد ترخي بظلالها عليهم وطيلة حياتهم. النقطة وسيلة للتعلم .

متى ترفع مدارسنا شعارًا تربويًا من قبيل : النجاح للجميع ؟. هل المدرسة وبكل طاقمها وبشرها وحجرها ومالها وجهدها وكدها، الخ، وضعت لتدبير النقطة فقط ؟. هل علمنا ان الذي يصل في نهاية المطاف هو من يسير في الخط المتوسط ؟. هل علمنا ان رحلة الدراسة طويلة وتحتاج تدبير الجهد بشكل أفضل ؟. في ثقافتنا الشعبية المغربية نقول : “لبغل حط ولحمار خلط”، بمعنى أننا ونحن نتابع سير البغل يبدو لنا انه أسرع من سير الحمار ، لما له من قوة جسدية الخ، لكن بمجرد وصوله يتبعه الحمار الذي يبدو لنا سيره أقل من الأول، مع العلم ان جهد الأول أقوى من الثاني ( مجرد مثال).

النقطة والحديث عنها يطول. التقويم لازلنا لم نتمكن منه وبطريقة علمية وتربوية وإبداعية محفزة للتعلم!. فمتى نحفز المتعلم على التحصيل والتعلم والتربية خارج هاجس النقطة والسباق نحو أعلاها ؟.

*كاتب وباحث من المغرب

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...