ميساء الخطيب
لطالما ارتبط الأدب بالحضارات؛ حيث كان لكل حضارة نشأت على وجه الأرض أدبًا يشكل العنوان الأبرز لها ويُعرّفُ بها، والحضارة التي لم يكن لها أدب اندثرت، ولم يبقَ منها أثر يذكر، وإن كان لها آثارٌ عمرانية؛ حيث إن لم يكن هناك سردٌ تاريخيٌ مكتوب لن نعرف من بناها، ويسهل سرقتها من قِبَل حضاراتٍ أخرى تنسبها لها.
لِنتطرق إلى التاريخ قليلًا… إلى أكثر حضارة عُرِفَت واشتهرت، بعلومها وفنونها وآدابها؛ هي الحضارة الإغريقية، ولا زالت آثارها شاهدها عليها حتى يومنا هذا، إذ شكلت حجر الأساس للعلم والتطور الحضاري؛ فمن منا لا يعرف سقراط في الفلسفة، و أبقراط في الطب، وأرخميدس في الهندسة والرياضيات، والقائمة تطول..
كما أنّه كان لهم نصيبًا من الأدب يعرف بتلك الحضارة مثل؛ هوميروس في ملحمته الشعرية الإلياذة والأوديسة، وعلى ذكر الملاحم نذكر ملحمة جلجامش التي عرّفت بالحضارة الأكادية في بلاد ما بين النهرين -العراق حاليًا مهد الحضارات- والذي يعاني الآن ويلات إنسانية بالتزامن مع الانحدار الثقافي والأدبي؛ فلا أظن أن الدول التي تعاني شعوبها من الظلم والقهر والجوع في أي مكانٍ في العالم ستفكر بالثقافة والأدب، إن هذا العالم الذي يشوبه الخراب والدمار، والجرائم بحق الإنسانية ومن ثمّ ينعت نفسه بالتحضر، فكل ذلك الانحدار الذي وصل إليه انعكس على الأدب والذي بدوره تحول إلى قلة أدب، فما الذي ستخلفه من ورائها مثل تلك الحضارات في عصرنا الحالي، أدبٌ رخيص، أم أغاني هابطة، حتى الأجهزة الإلكترونية الحديثة التي اتسم بها عصرنا، تخرب سريعًا كما جاءت سريعًا ولن يبقَ منها أثر سوى أجهزة بالية لا تعمل، ناهيك عن آثار الدمار والقتل والتي قد تكون وصلت إلى الدمار النووي، ليصبح أسوأ عصر على مر التاريخ؛ هذا ما سيتذكره التاريخ.
وكما أن الشيء بالشيء يذكر؛ فإن ذلك الحديث يقودني بالتفكير إلى ما آلت إليه اللغة العربية بعد محاولات التدمير المستمرة، إذ أن الأدب لم يكن الضحية وحده فحسب؛ بل وصل إلى لغتنا، وكلنا مدان في هذه الجريمة، إذ أن لغتنا والتي تعتبر أغنى لغات العالم القديم والحديث؛ بالمفردات والمرادفات، ونحن نكتفي بمبادرات خجولةِ؛ كالاحتفال بيومٍ لها أقرته الأمم المتحدة، وهي لا تكفي لانعاشها، حين تعاني نقص الأوكسجين في غرفة الإنعاش في إحدى المشافي الحكومية العربية، وعاث أشباه المثقفين بالأدب الفساد، حتى وصل بهم الأمر إلى استعمال الدارجة والعامية في الكتب والترجمة وحتى الويكيبيديا، فأي شعوب في العالم أهانوا لغتهم طمعًا في رضى أعدائهم -الذين يتفاخرون بلغاتهم-، ويا ليت أدبهم نال مكانةً مرموقة بين الأدب العالمي، فكانوا كما الغراب الذي صبغ نفسه باللون الأبيض تقليدًا لليمام.
كل ما عليكم فعله يا من تحبون لغتكم هو صد الهجوم بالحفاظ عليها والكتابة التي تليق بها، افتخروا بها، لا تزيدوا في طعناتها الغائرة، إذ هي ماضيكم وحاضركم بل ومستقبل أجيالكم، لغة لا تموت ولا تندثر؛ وإلا فكيف كانت لغة القرآن الكريم.
وفي النهاية تذكروا أن الحضارات كَموج البحر، في مده وجزره، ونحن الآن في المد وقد شارفنا على الجزر؛ وبما أنّ كل موجة تترك أثرًا على الرمال؛ فمنها من تأتي بِصدفاتها الجميلة الملونة على الشاطئ، ولغتنا العربية كما قال الشاعر حافظ إبراهيم:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامنٌ
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلى وتَبلى محاسنِ
ومنكم وإن عزّ الدواء أساتي





